اكلة سمك حكايات زهرة

وريني الكيس.
الراجل فتح شنطته وطلع كيس صغير.
كان سكر.
لكن المفاجأة إن الكيس كان مقطوع من طرفه.
حماتي قربت منه وقالت
طب ليه مقطوع؟
رد بسرعة
مش عارف… يمكن اتقطع في الشنطة.
أنا كنت واقفة مش قادرة أتكلم.
وفجأة افتكرت حاجة.
قبل العزومة بنص ساعة، وأنا بدخل المطبخ، كنت شفت أحلام خارجة منه وهي بتقفل شنطتها.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد مقلب.
أنور قال
أحلام، إنتِ قولتي إنك بدلتي الدقيق بس.
هزت راسها.
قال
طب ليه كنتِ شايلة كيس أبيض في شنطتك؟
أحلام اتوترت جدًا.
وبعد لحظات قالت
عشان… كنت واخدة منه شوية.
سألتها
ليه؟
بصتلي في عيني لأول مرة من غير غضب وقالت
عشان أنا كنت ناوية أعمل حاجة تانية…
سكتت.
أنور قرب منها
إيه الحاجة التانية؟
أحلام بدأت تعيط وقالت
كنت ناوية أخليكي تفتحي الكيس قدام الكل وتلاقيه فاضي… عشان أوقعك في موقف وحش، بس لما دخلت المطبخ لقيت…
توقفت فجأة.
حماتي سألتها
لقيتي إيه؟
أحلام بصت ناحية طبق السمك وقالت
لقيت حد سبقني للمطبخ.
أنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
أنور قال
مين؟
أحلام رفعت إيدها ببطء…
وأشارت ناحية مراته أخوه.
مرات أخوه شهقت
أنا؟!
لكن قبل ما حد يتكلم، بنتي الصغيرة قالت بصوتها البريء
لأ… مش هي.
ثم بصت لأمها وقالت
ماما، الشخص اللي شوفته كان لابس هدوم سودا… ووشه ماكانش باين.
ساد الصمت.
لأن الشخص الوحيد على السفرة اللي كان لابس أسود بالكامل…
كان أنور نفسه أنور جري ناحية الباب الخلفي، ولما الشخص حاول يهرب، مسكه من كتفه وشده لجوه.
صرخت واحدة من الستات
يا نهار أبيض!
الراجل حاول يفلت، لكن أنور قفله عليه الباب.
ارفع راسك!
الراجل فضل مخبي وشه.
أنور شد إيده من على وشه…
وأول ما شفته، أنا شهقت.
إنت؟!
كان أخو أحلام.
الراجل اللي كان من شوية قاعد وسط العيلة وبيضحك كأن مفيش حاجة حصلت.
أحلام جريت عليه
إنت عملت إيه؟!
هو زقها بعيد وقال
ما تتدخليش!
أنور وقف بينهم وقال
يعني إنت كنت في المطبخ؟
سكت.
أنور كرر
إنت اللي حطيت المادة في الطبق؟
قال
أيوه.
الدنيا كلها اتقلبت.
حماتي حطت إيدها على صدرها وقالت
ليه يا ابني؟ إيه اللي يخليك تعمل كده؟
رد وهو بيبصلي
لأن نهلة كانت لازم تتعلم إن مش كل حاجة تعملها لازم الناس تصفق لها.
أنا بصيت له بعدم تصديق.
يعني كنت عايز تبوظ العزومة؟
ضحك ضحكة قصيرة وقال
كنت عايز أنور يصدق إنك مش الشيف المثالية اللي بيحكي عنها طول الوقت.
أنور قرب منه وقال
وكان ممكن حد يتأذى!
رد
أنا ما كنتش متوقع حد ياكل.
هنا أحلام صرخت
بس أنا كنت عارفة إن الناس هتاكل!
الراجل بص لها بصدمة.
إنتِ؟
قالت
أيوه! وأنا لما شفتك بتحط الكيس في الطبق، خوفت… بس بدل ما أقول لهم، استغليت اللي عملته وبدلت الدقيق عشان العزومة تفشل.
أنور بص للاتنين، وكأنه مش قادر يصدق إن أخته وأخوها عملوا كده في بيته.
أما أنا…
فكنت واقفة ساكتة.
مش عشان السمك.
ولا عشان العزومة.
لكن عشان اكتشفت إن الغيرة اللي كنت بعتبرها مجرد تصرفات سخيفة من أحلام، كانت وصلت لدرجة إنها تشترك مع أخوها في مصيبة ممكن تأذي عيلة كاملة.
أنور قرب مني، ومسك إيدي.
وقال قدام الجميع
نهلة ما تتكسفش من حاجة… اللي عملوا كده هم اللي لازم يتكسفوا.
ثم بص لأخته وأخوها وقال
بس قبل ما نحكم، أنا هعرف بالضبط إيه اللي اتحط في الأكل.
وفجأة…
أخو أحلام قال جملة خلتنا كلنا نسكت
استنى يا أنور…
وبص للكيس الأبيض الموجود على السفرة.
أنا أصلًا ما جبتش الكيس ده.
أنور عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
رد وهو بيبص لأحلام
أنا حطيت حاجة تانية في الطبق… مش دي.
أحلام شهقت.
وأنا بصيت للطبق.
لأول مرة فهمت إن المادة الموجودة في السمك مش هي الحاجة اللي أخو أحلام حطها أصلًا…
يعني كان فيه شخص ثالث دخل المطبخ قبلهم أنور بص للجميع وقال
كفاية… محدش هيتكلم تاني.
وبعدها طلب من أخوه ياخد عينة من السمك والمواد الموجودة في الأطباق ويتأكدوا منها، لأن الموضوع بقى أكبر من مجرد مقلب عائلي.
وبعد الفحص، ظهرت الحقيقة.
المادة الموجودة في السمك كانت بالفعل جبس، وأحلام اعترفت إنها بدلت الدقيق بالجبس عشان تبوظ العزومة وتحرجني قدام العيلة.
أما أخوها، فاعترف إنه دخل المطبخ وحط مادة مختلفة في طبق جانبي، وكان هدفه يعمل مشكلة بيني وبين أنور بسبب غيرته من كلام أنور عن أكلي.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن المادة اللي حطها أخوها ما وصلتِش للأكل أصلًا؛ لأنه حطها في طبق بعيد، ولما شاف أحلام بتبدل الدقيق خاف وهرب من المطبخ.
أنور وقف قدام أخته وقال
إنتِ مش بس أختي… إنتِ كنتِ ممكن تأذي مراتي والناس اللي في بيتي.
أحلام انهارت في العياط، وطلبت مني السماح.
بصيت لها وقلت
أنا مسامحاكي عشان قلبي ما يشيلش، لكن اللي عملتيه مش حاجة صغيرة أقدر أنساها.
حماتي حضنتني وهي بتعيط، وقالت
حقك عليا يا بنتي… أنا كنت فاكرة إن غيرتها مجرد كلام.
أما أنور، فمسك إيدي قدام الكل وقال
من النهارده محدش يدخل مطبخي ولا يلمس حاجة تخص بيتي من غير ما نعرف.
وبعد أيام، أحلام اعتذرت لي قدام العيلة، وأخوها اعترف بغلطه واعتذر لأنور ولأهلي.
العزومة انتهت بشكل محدش كان متوقعه…
لكن وسط كل اللي حصل، كان فيه درس عمري ما هنساه
مش كل ابتسامة معناها محبة، ومش كل غيرة بتقف عند الكلام.
ومن يومها، بقيت أتعامل مع أحلام باحترام، لكن بحدود واضحة.
أما جوزي؟
فضل كل ما حد يسأله عن أكل مراته يقول وهو بيضحك
أكل نهلة مفيش زيه… بس من فضلكم، المرة الجاية أنا اللي هراقب الدقيق!
وضِحكنا كلنا…
وأنا وقتها حسيت إن اللي حصل، رغم قسوته، كشف لي مين فعلًا بيحبني ومين كان بيخبي غيرته ورا ابتسامة.
والحمد لله إن الحقيقة ظهرت قبل ما المصيبة تكبر.
