ج الاخير متجوزه من سنتين حكايات رومانى مكرم
ج الاخير

أنا قمت وقفت من مكاني، قربت من الترابيزة، ومسكت عقد الملكية اللي كتبه باسمي.. وبعدين حطيته قدامه بهدوء. بصيت لطارق بثبات وقوة حسيت بيها لأول مرة في حياتي، وقلت له بصوت واضح وواثق:
— طارق.. الشقة دي أنا مش عايزاها، ومش هقبل أخد حاجة مش من شقايا. إحساسي بالأمان معاك اتهز، والأمان بالنسبة للست أهم مليون مرة من الشقق والعقارات والفلوس. إنت لما اتخليت عني وسيبت أهلك يدوسوا على كرامتي ويشوهوا سمعتي، قت..لت جوايا حاجة حلوة كانت بتجمعنا.
طارق اتنفض من مكانه ودموعه نزلت:
— نادين! أنا اتعلمت الدرس، والله العظيم اتعلمت! أقسم بالله ما حد هيقدر يمس طرفك بكلمة بعد النهاردة! أنا وقفت لأمي وأختي وعرفتهم حدودهم، والبيت ده بيتك وإنتي الآمرة الناهية فيه!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع متغلف برضا، وقلت:
— الدرس إنت اتعلمته يا طارق، وده شيء جميل عشان حياتك اللي جاية.. بس اتعلمته بعد ما الفأس وقعت في الرأس، بعد ما كرامتي اتذبحت على باب بيتي، وبعد ما شفت منك إنذار الطاعة وتهمة السرقة. نقط الدم اللي اتبرعت لك بيها في المستشفى كانت لوجه الله وتأدية أصل، وعشان أثبت لنفسي وللقلوب المريضة إن أهلي ربوني على الأصول والنظافة. لكن مش معنى إني أنقذت حياتك، إني أرجع أعيشها معاك بنفس الخوف.
طارق مسك رأسه بإيديه وقعد على الكرسي وهو بيبكي بحرقة:
— يعني خلاص يا نادين؟ مفيش أمل؟ السنتين الحلوين يتمسحوا كده؟
— السنتين الحلوين اتعلمنا منهم، وكل واحد فينا هيعيش على ذكرى الجزء الحلو منهم.. أنا مش حاقدة عليك، وبدعيلك من قلبي بالشفاء وصحة البدن، بس أنا مستحيل أرجع لبيت كنت فيه المتهمة والمجرمة لمجرد إني حافظت على صحتي وكرامتي. ورقتي توصلني يا طارق، وكل واحد يروح لحاله بالمعروف، زي ما بدأنا بالمعروف.
طارق عرف إن القرار حاسم ومفيش فيه رجعة، إن الست لما بتنكسر كرامتها وتوصل لمرحلة الاستغناء، مفيش أي مال أو اعتذار متأخر يقدر يرجعها. قفل الشنطة، أخد أوراقه، وخرج من البيت وهو مجرور الخيبة والندم، بعد ما خسر الزوجة الصالحة، المخلصة، اللي كانت صايناه وشايلاه بعينيها.
مرت الأيام والشهور.. تم الطلاق بالمعروف، وكل واحد أخد حقه الشرعي والقانوني. أنا ركزت في شغلي، وربنا فتحها عليا أكتر وأكتر، ترقيت في شغلي وأخدت منصب أكبر، وجمعت قرشين على قرشيني واشتريت شقتي الخاصة بي ومن مالي الحر، وبنيت حياتي على أساس صلب من الاستقلالية والكرامة.
أما طارق، ففضل عايش في شقته الفاضية لفترة طويلة، بيحاول يسترد صحته ونفسيته. حماتي أدركت بعد فوات الأوان إن غيرتها وتحكماتها وتدخلها العنيف في حياة ابنها ما جابش غير الخراب، خصرت ابنها اللي بقى عايش معاها بجسده بس مقاطعها بقلبه، وشافت بعينيها إن “كنة الأصول” اللي رفضت تخدمها تحت المذلة، هي الوحيدة اللي جرت وتبرعت بدمها لابنها في لحظة الموت.
الحكمة من القصة:
* البيوت تُبنى على الحدود قبل المودة: المودة والرحمة لا يمكن أن تزدهرا في بيئة مستباحة؛ الحدود.
* الكرامة خط أحمر: التنازل عن الكرامة تحت مسمى “تفتيت المشاكل” أو “عشانا” لا يجلب الاحترام، بل يدعو للمزيد من الاستبداد. من لا يحترم نفسه وكرامته وحقوقه، لن يحترمه الآخرون.
* المال استقلالية وحماية: عمل المرأة واستقلالها المادي ليس للتباهي أو الفخر، بل هو درع وسند يقيم أودها ويحميها من الانكسار والابتزاز في لحظات الضعف والتخلي.

