ج الاخير متجوزه من سنتين حكايات رومانى مكرم

ج الاخير

مسكت التليفون بثبات، وريحت ظهري على الكرسي في مكتبي، وقلت بصوت هادي وخالي تماماً من أي تعاطف مزيف:
— طارق جوزكوا وسندكوا يا شيرين.. مش ده الراجل اللي قلتوا عليه هيتجوز ست ستي؟ مش ده اللي وقفتوا تظيطوا لما اتهمني بالسرقة ونزلني للمحاكم؟ المستشفيات مليانة وبنوك الدم موجودة، اتصرفوا زي ما بتتصفوا في بيوت الناس.
شيرين انفجرت في البكاء بصوت أشهق وأعلى:
— وحياة أغلى ما عندك يا نادين ما تقسيش قلبك! بنك الدم في المستشفى مفيش فيه غير كيس واحد والفصيلة معقدة جداً، وطارق بيزف نزيف حاد من المعدة بسبب القهر والتفكير! أمي قاعدة برة العناية بتعيط وبتقول “أنا اللي قت..لت ابني بإيدي”! طارق من يوم ما شيلتي العفش وهو مش بياكل ولا بينام، وقاعد في الشقة الفاضية على البلاط يكلم نفسه! أرجوكي تعالي اتبرعي بالدم وبعدها اعملي اللي إنتي عايزاه!

قفلت السكة في وشها من غير ما أرد. قعدت في مكتبي وحطيت راسي بين إيديا. أبويا علمني إن الإنسانية مابتقفش عند الخصومة، وإن الموت والمرض خط أحمر، بس قلبي كان متغلف بحديد بعد كل الإهانة والغدر اللي شفته.
اتصلت بأبويا وحكيت له اللي حصل. أبويا اتنهد تنهيدة طويلة وقال لي:
— يا نادين.. إحنا ما بنشمتش في المرض، ولا بنمنع نقطة دم ممكن تنقذ روح، حتى لو كانت روح خصمنا. روحي تبرعي بالدم لوجه الله تعالى، مش عشان طارق ولا عشان أهله.. عشان أصلك ونضافتك من جوة. ادخلي المستشفى اتبرعي، وتخرجي من غير ما تتكلمي مع حد ولا تسمحي لحد يستغلك.
بالفعل، أخدت إجازة ساعة من الشغل وطلعت على المستشفى. دخلت قسم ، بس قوة نفسية رهيبة.
وأنا طالعة من بنك الدم ومارّة بالصدفة قريبة من الممر، شافتني شيرين. جرت عليا وهي بتبكي ، بس أنا سحبت نفسي منها ببرود وخطيت لورا.

حماتي كانت قاعدة على كرسي متحرك، وشتاتها متبهدل، ووشها انكمش وكبرت عشر سنين في أسبوعين. أول ما شافتني، حركت الكرسي بإيدها المترعشة وقربت مني، ودموعها نزلت على خدودها.. دموع انكسار حقيقية لأول مرة.
حماتي مسكت طرف جاكيتتي وصوتها كان مبشوح ومكسور:
— نادين.. سامحيني يا بنتي.. أنا اللي اعتديت عليكي وعلى بيتك.. أنا اللي عميت عيني الغيرة والتحكم لحد ما كنت هخسر ابني الوحيد! طارق جوة بيموت بسببي.. كان يقعد يقولي “ضمرتي حياتي يا أمي.. فضيتوا بيتي وكسرتوا كرامة نادين”.. أنا السبب يا بنتي.. بالله عليكي سامحيني وما تسيبيهوش!
بصيت لحماتي وأنا شايفها على الكرسي المتحرك، مكسورة ومستنجدة بالست اللي كانت بتسميها “الموظفة المتأنعرة”. النصر ده مكنش مبهج، كان مرير، بس أثبتلي إن الحق دايماً بيبان.
قلت لها بصوت هادي جداً:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *