اڼتقام الاخ ج 3 والاخير حكـايات مني

الديكور، طارق قالها وهو بينزل على ركبه في الأرض.
شال تلت مجلدات تقيلة، ومد إيده ورا الرف الخشب، ضغط على سوستة مخفية في البانوه الجانبي. فجأة، حتة من الباركيه اللي تحت رجل المكتبة اتحركت بمليمترات. طارق مسك طرف الخشب ورفعه.
تحت البلاطة كان في علبة صاج صغيرة، من بتاعة السېجار القديم.
طارق فتح العلبة. جواها كانت شريحة ميكروفيلم سودا صغيرة، ومعاها فلاشة حديثة مشفرة، وصور ضوئية لتحويلات بنكية بملايين الجنيهات بين حسابات عاصم المنياوي وشركات توريد وهمية في بورسعيد وإسكندرية، وتقرير مختوم من هندسة الإسكندرية بيثبت فساد خرسانات تلت أبراج سكنية.
رامي بص للورق وعينيه بتلمع الله أكبر… ده كدة عاصم المنياوي مش بس هيتحبس في قضايا فساد، ده هيتفتحله ملف جنائي في أمن الدولة پتهمة تعريض حياة آلاف المواطنين للخطړ وغسيل أموال. والملف ده يا كابتن طارق هيتقفل بيه تاريخ عيلة المنياوي كلها، وهشام هيبقى الشاهد والمتهم في نفس الوقت، ومفيش قوة على الأرض هتعرف تخرجه من تهمة الاشتراك في جناية تزوير وقتل بالتحريض لو ثبتت علاقة الحاډثة بالأوراق دي!
طارق قفل العلبة الصاج وحطها في جيب صدره الداخلي، وبص لأخته حق بابا وماما مش هيروح، وحق سنين عمرك اللي اتسرقت مش هيروح يا مريم. بكرة الصبح، المستشار فريد هيقدم الملف ده للنائب العام بنفسه، والصبحية دي مش هتطلع على عاصم المنياوي غير وهو في مكتب التحقيق، وهشام هيكون بيتعرض عليه في نفس القضية.
مريم غمضت عينيها، وخدت نفس عميق… أول نفس نضيف تحس بيه بيدخل رئتها من يوم ما أبوها وأمها سابوا الدنيا. حست كأن هم تلت سنين كان متكوم على صدرها واتشال بضغطة زرار. الكسرة، الإهانة، كلمة بهيمة اللي كانت بتسمعها كل يوم، ريحة البانيه والزيت اللي كانت بتتحرق بيه وهي بتخدم ناس معندهمش شرف ولا أصل… كل ده اتداس عليه تحت الجزم الليلة دي.
عدى تلت شهور على الليلة دي.
القاهرة في شهر مارس كانت في أحلى أوقاتها. شمس العصر كانت دافية وبتدخل من شباك بلكونة مصر الجديدة، متنقية بستارة بيضا شيفون خفيفة بتتهز مع النسمة الهادية.
الشقة كانت اتغيرت تماماً. العفش القديم بتاع حنان اللي كان مالي الصالة كآبة اتشال كله واترمى، الحيطان اتدهنت بلون أوف وايت مريح للعين، والسجادة التبريزي بتاعة مامتهم كانت اتغسلت ورجعت لمعتها كأنها لسه طالعة من الأتيليه. وعلى الترابيزة اللي في النص، كانت محطوطة فازة ورد بلدي أحمر ريحته فايحة في البيت كله، جنب صورة كبيرة للمهندس شريف وطنط هدى وهما بيضحكوا.
مريم كانت واقفة في المطبخ. المطبخ كان نضيف وبيلمع، مفيش زيت مغلي ولا قهر. كانت بتصب شاي بنعناع في مجين بورسلين شيك، وبتضحك وهي سامعة صوت مزيكا هادية جاية من الصالة؛ أسطوانة قديمة لأم كلثوم كانت مامتهم بتحبها زمان.
طلعت برة بالصينية، كان طارق قاعد على فوتيه مريح، لابس قميص كاجوال كحلي وباصص في اللاب توب بتاعه.
شاي بنعناع يا باشمهندس؟ مريم قالتها بابتسامة صافية، وشها كان رجع لونه الوردي، وعينيها بتلمع بالحياة من تاني. الهالات السودة اللي كانت تحت عينيها اختفت، وقصة شعرها الجديدة كانت مخلياها تبان بنت عندها خمسة وعشرين سنة مش تلاتين.
طارق قفل اللاب توب وابتسم تسلم إيدك يا ستي. هو في أحسن من شاي مريم في بلكونة بيتنا؟
مريم قعدت قدامه، وحطت رجل على رجل براحة واسترخاء قولي بقى، إيه آخر أخبار المحكمة؟ الأستاذ فريد كلمك النهاردة؟
طارق مسك المج ورشف رشفة، وقال بنبرة مليانة هدوء ونصر
