في قبضة المنشاوي ج الاخير

شروق خالد

مرت الأشهر وحولت الأيام تلك الندوب القديمة من ذكريات أليمة إلى مجرد حكايات خالية من الخوف. لم يعُد قصر المنشاوي مجرد مكان للاختباء أو الحماية، بل أصبح بيتاً أعيش فيه بحرية كاملة، ولأول مرة أمارس حياتي دون أن ألتفت خلفي تحسباً لخطوات تهدد أمني.

خلال تلك الفترة، وقفتُ إلى جانب زياد وهو يعيد ترتيب أعمال العائلة، ودعمتُ سيف في رحلة تعافيه حتى عاد ليمارس حياته الطبيعية بالكامل. وفي المقابل، كان زياد يشجعني على البدء من جديد؛ عدتُ لمتابعة شغفي واهتماماتي التي دُفنت لسنوات تحت وطأة الخوف، وبدأتُ إدارة مبادرات خيريّة لدعم ورعاية النساء اللاتي تعرضن للانتهاك والظلم.

وفي ليلة هادئة، كنا نجلس معاً في نفس الشرفة التي شهدت بداية نهايته لكابوس الماضي. نظر إليّ زياد وابتسامة صادقة تعلو وجهه، ثم قال:– “عندما أفكّر في الليلة الأولى التي دخلتِ فيها هذا البيت، أدرك كم تغيير كل شيء..

لم أنقذكِ وحدكِ يا فريدة، بل أنتِ من أنقذتِ هذه العائلة كلياً وأعدتِ إلينا توازننا.”أمسكتُ بيده وقلتُ بامتنان:– “الحياة لم تبدأ بالنسبة لي إلا في اليوم الذي توقفتُ فيه عن الخوف.. معك عرفتُ معنَى الأمان، وأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التسامح والبدء من جديد.

“مع انقضاء ظلام الماضي وتحول الصفحة الأخيرة من تلك القصة المليئة بالأسرار، أدركتُ أن الأقدار -مهما كانت قاسية في بدايتها- قد تقودنا أحياناً عبر أوعر الطرق لنصل في النهاية إلى المرفأ الذي نستحقه؛ مرفأ الأمان، والحرية، والحب الحقيقي.

#حكايات_شروق_خالدمرت السنوات، وأصبحت تلك القصة المظلمة مجرد فصل قديم مطوي في كتاب الماضي، لكن أثرها الإيجابي بدأ يتجسد في أرض الواقع. لم تعد المؤسسة الخيرية التي أسستها مجرد مبادرة صغيرة، بل كَبُرت لتصبح ملاذاً أمناً ومؤسسة متكاملة توفر الدعم النفسي والقانوني والمالي للضحايا اللاتي واجهن القسوة والظلم.

في إحدى الاحتفاليات الكبرى التي أُقيمت لتكريم المؤسسة، وقفتُ على المنصة وأمامي مئات الحاضرين. لم أعد تلك الفتاة الخائفة التي تقف في الظلام وتغطي ندوبها بالفساتين الفاخرة لتخفي ألمها؛ بل وقفتُ بشموخ وثقة، مرتديةً فستاناً بسيطاً يعكس القوة والسكينة التي وصلت إليها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *