في قبضة المنشاوي ج الاخير
شروق خالد

التقيت بعيني زياد الجالس في الصف الأول، وبجانبه شقيقه سيف الذي أستعاد كامل صحته وعافيته. كانت نظرات زياد مليئة بالفخر والحب الدفين. بدأت كلمتي قائلة:– “الندوب التي نحملها على أجسادنا أو في قلوبنا ليست دليلاً على انكسارنا، بل هي شواهد حية على أننا واجهنا المعركة ونجونا منها.
الظلم قد يسلب منا سنوات، لكنه لا يستطيع أن يسلب منا المستقبل ما دمنا نملك الشجاعة لنصرة الحق والبدء من جديد.”ضجت القاعة بالتصفيق، لكن بالنسبة لي، كان الصوت الوحيد الذي يعنيني هو نبض الأمان الذي أعيشه كل يوم منذ أن خرجت من ظلال الماضي.
بعد انتهاء الحفل، سيراً في حديقة المكان تحت أنوار الليل الهادئة، أمسك زياد بيدي وابتسم قائلاً:– “اليوم لم تعيدي فقط كتابة قصتكِ يا فريدة.. بل أصبحتِ أملًا لمن ظننّ أن الطريق انتهى.”رددتُ عليه بنظرة امتنان عميقة:– “كل هذا بدأ باللحظة التي اخترت فيها ألا تسلك طريق الظلم، وبدأت معي رحلة البحث عن الحقيقة.
. معك عرفت أن الحب ليس مجرد كلمة، بل هو ملجأ وقوة وحماية.”وبينما كنا نسير معاً نحو الغد، أدركتُ يقينًا أن القصة لم تنتهِ بانتصار الحقيقة فحسب، بل بدأت بحياة جديدة قائمة على الاحترام والشجاعة والأمل الذي لا ينطفئ.
بعد مرور خمس سنوات أخرى، أصبحت حياتنا في القاهرة نموذجاً للهدوء والسكينة التي لم نكن نتخيلها في أشد أيامنا ظلمة. توفيت الأنباء عن وفاة إسماعيل خالد داخل سجنه متأثراً بمرضه، وبوفاته انطوت آخر ورقة تذكرنا بتلك الحقبة القاسية. لم أشعر بالشماتة أو الفرح، بل بشعور عميق من السلام والتحرر النهائي؛
فقد وُضعت النقطة الأخيرة في كتاب الماضي بغير رجعة. في أحد أيام الربيع الدافئة، كنا نتمشى في حديقة القصر الكبيرة. كان هناك صوت ضحكات صغيرة تتردد بين الأشجار؛ صغارنا الذين ملأوا البيت دفئاً وأملاً جديداً.
نظر إليّ زياد، وكانت عيناه تحملان نفس القوة والدفء اللذين أعدا إليّ الحياة في الليلة الأولى التي التقينا فيها، وقال بصوت خفيض:– “أتذكرين تلك الليلة التي قلتِ فيها إن أبيكِ سلّمكِ لأخطر رجل في القاهرة؟”ابتسمتُ ونظرتُ إلى الأطفال وهم يلعبون على العشب الأخضر، ثم أجبته:– “أتذكرها جيداً.

