رد المظالم ج1 الكاتبة نرمين عادل همام
ج1

“هو الراجل ده مش هيخلص تنضيف بقى؟ أنا مش طايقة ريحة الصالة، بقت عاملة زي قهوة بلدي
سمعت الكلمتين دول أول ما حطيت رجلي جوه عتبة بيتي، وفجأة حسيت إن شنطتي التقيلة بقت أتقل بكتير من وقت ما كنت بسحبها في المطار. رجعت بدري كتير عن ميعادي من مأمورية الشغل الطويلة في “العاصمة الإدارية”، اللي قضيت فيها حوالي شهر عشان أخلص عقد توريدات كبير لشركة البرمجيات اللي بشتغل فيها مديرة مشاريع.
كان المفروض أغيب شهرين بحالهم، بس عشان الشغل خلص أسرع من ما الكل كان متوقع، قررت أرجع البيت من غير ما أقول لحد عشان أعمل مفاجأة لجوزي “طارق”. عمري ما تخيلت إن أنا اللي هقع بقلب مكسور في الآخر.
من طرقة بيتي الهادية في “التجمع الخامس”، شفت منظر كسر حاجة جوايا. أبويا، “الحاج محمود”، الراجل اللي قضى سبعة وستين سنة شقيان في حتة أرض زراعية صغيرة في “الشرقية”، كان موطي على إيديه وركبه على أرضية بيتي الباركيه اللي بتلمع.
كان بيحاول بقلة حيلة ينضف بقعة كبيرة من طاجن طبيخ وقع من سبت خوص كان شايله، ومفيش في إيده غير حتة قماشة مطبخ قديمة. وحوالين ركبه كان فيه كام بيضة مكسورة، وكومة رقاق فلاحي ملفوفة في ورق، وبواقي برطمان إزاز مكسور مليان سمنة بلدي من اللي أمي كانت بتعملها.
كانت حماتي “سعاد” وأخت جوزي “هند” مأنتخين على الكنبة القطيفة وكأنهم بيتفرجوا على تمثيلية هابطة. كانوا بياكلوا ببرود من طبق عنب غالي جايباه، والتليفزيون شغال على أخبار الصبح.
“ابقى ادعك الأرض كويس يا حاج محمود،” قالتها هند بابتسامة صفرا وتريقة. “عشان ياسمين بتعمل فيها بنت ذوات وممكن تقلب الدنيا لو شمت في البيت ريحة زريبة.”
حماتي ضحكت ضحكة مستفزة قطعت هدوء الأوضة. “أنا قايلة لطارق بصراحة، إيه اللي يخلي أبوه يجيب الكراكيب دي هنا؟ إحنا مش محتاجين خير الفلاحين في بيت زي ده. المطبخ فيه تلاجة مليانة من خير ربنا ومش محتاجين ريحة الطين المقرفة دي تعشعش في الطرقة.”
الدم غلى في عروقي ووشي جاب ألوان، وحسيت بنبضي بيخبط في دماغي زي الطبل. أنا اسمي “ياسمين”، عمري ستة وتلاتين سنة، بدي شغلي أكتر من اتناشر ساعة في اليوم، واشتريت البيت ده من حر مالي بعد سنين من ليالي سهر وتعب وسفر مبيخلصش وتضحيات ملهاش آخر.
