طلبات البيت ج1

حكايات اماني سيد

كل اول شهر بنزل انا وجوزى نشترى طلبات البيت جزء من مرتبى وجزء من مرتبه والدنيا بتمشى وباقى الشهر بشترى من مرتبى الحاجه الخفيفة اللى بتخلص من البيت اول بأول زى اللبن والجبنه والخضار

وفى داخله العيد العزومات بتكتر فعملت جمعيه صغيره عشان ازود فى طلبات الشهر ولو نفسى فى اكله اعملها مرت الايام وقبضت الجمعيه وحطيتها فى الدولاب وعرفت جوزى كنت فاكره انى بفرحه

عدى كام يوم، قولت لنفسي “يا بت يا غالية، العيد على الأبواب، والبيت عايز يتروق، والطلبات ماليش فيها مفر”، وكنت مقررة أنزل النهاردة السوق عشان أجيب كل اللي نقصنا وأجهز للعزومات اللي هتجيلي.

دخلت الأوضة وأنا بدندن  وبضحك، قلبي كان بيرقص من الفرحة، فتحت ضلفة الدولاب وكنت بمد إيدي وأنا متخيلة شكل الشنط وهي مليانة طلبات، وشكل البيت وهو بيجهز للعيد. مديت إيدي في المكان اللي مخبية فيه ظرف الجمعية.. إيدي خبطت في الخشب.

اتسمرت في مكاني.. قلبي وقع في رجلي.

قلت يمكن نسيت؟ دورت في الرف اللي فوق، قلبت الهدوم، دورت ورا الهدوم، مافيش حاجة! الظرف طار.

خرجت من الأوضة وأنا بنادي علي جوزى ، صوتي كان طالع مهزوز من الخضة: “يا أبو احمد .. أنت شوفت الظرف اللي كان في الدولاب؟ الجمعية اللي قبضتها؟

لقيته قاعد في الصالة بيشرب الشاي وبكل بساطة رد عليّ من غير ما يرفع عينه فيّ: “آه.. أيوه، اخدته .”

بصتله باستغراب

“خدته؟.. خدته ليه؟ ده أنا كنت بجهز كل قرش فيه عشان العزومات ومصاريف العيد والطلبات اللي البيت محتاجها!”

بص لي وبكل برود كمل: “أصل أمي كانت محتاجة مبلغ عشان عامله عزومه لاخواتى  وأختي كمان حبيت افرحها ، قولت أجبر بخاطرهم، والفلوس أهي راحت في صلة الرحم.. والبيت مش هيحصل له حاجة يعني، هنمشي حالنا زي كل شهر باللي موجود.”

حسيت الدنيا بتلف بيا.. مش بس عشان الفلوس، دي الكسرة اللي وجعتني. إزاي يتصرف في شقايا وتعب أعصابي في الجمعية من ورا ضهري؟ وكأن تعبي وخطتي لبيتي ولعزوماتي ملوش أي قيمة عنده، وكأن موافقتي “تحصيل حاصل”.

وقفت أبص له، ومش عارفة أصرخ ولا أعيط، ولا ألم شتاتي وأسكت.. حسيت إن فرحة العيد اللي كنت بجهز لها، اتفركشت في لحظة، ومحلها حل “الخذلان

قربت منه. كلمته الاول بهدوء

ـ الجمعيه دى انا عملاها من مرتبى عشان اجيب اللى نفسى فيه اما طول السنه حارمه نفسى وفى جزء من مرتبى بيروح فيها يعمى حتى لو نزلنا مش هعرف اجيب حاجه

بصلى ببرود كنت بستغربه

ـ اتصرفى يا غاليه الستات كلها بتتصرف

ـ طيب امك واختك هما كمان ماصرفوش نفسهم ليه اشمعنى انا اللى تصرف نفسى امك دى لما بتعمل عزايم عمرها ما قالتلى تعالى كلى ولا عمرها اتصلت بيا وانا تعبانه

واختك اختك اللى جوزها مسافر ومابترفعش اديها من الدهب لو اتزنقت ممكن تتصرف فى حاجة منه زى ما انا اتصرفت كتير لحد ما خلصت دهبى عليك

ـ انتى بتعايرينى ولا ايه انا اللر راجل واللى عملته ده صح انتى بتغيرى من اختى عشان لابسه دهب وانتى لأ

كلامه كان زي السكينة اللي بتنزل في قلبي.. “بتغيري من أختي؟”. الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير.

بصيت له وعيني بدأت تغيم بالدموع، بس مش دموع ضعف، دي كانت دموع قهر. ضحكت ضحكة وجع مريرة وقلت له بصوت مكتوم:

ـ “بغير؟.. لا يا راجل، أنا مش بغير، أنا “مقهورة”. أنا اللي خلصت دهبي عشان أسندك لما كنت محتاج، أنا اللي كنت بدوس على نفسي وعلى احتياجاتي عشان البيت يمشي، والنهارده لما أتعب وأعمل قرشين أفرح بيهم ولادي وأكرم ضيوفي في العيد، تروح تدهولهم ببرود وكأن فلوسي دي مش شقايا، لا دي “مشاع” لأهلك!”

قمت وقفت، حاسة إني كبرت عشر سنين في اللحظة دي. كملت وأنا بلملم أطراف توبي اللي كان بيترعش من ريقته معايا:

ـ “بتقولي الستات بتتصرف؟ طيب ما كنت قلت لأختك “تتصرف” وتبيع غويشة من اللي في إيديها، ولا دي “دهب” ما يلمسوش التراب، ودهبي أنا كان “فكة” بتسد ديونك؟.. امك وأختك في عيني وعلى راسي، بس مش على حساب كرامتي ولا على حساب تعب سنين بحرم نفسي فيها عشان البيت، والبيت اللي بتقول “هيمشي”، ما بقاش يمشي ببركتك، ده بيمشي بدمي وبأعصابي اللي نشفت.”

سكت شوية، حسيت إن الكلام معاه في اللحظة دي بيضيع وقت، دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح، لأول مرة أعملها. قعدت على طرف السرير

صوته طلع من ورا الباب ببرود أعصاب لا يطاق: “انتي بتعملي إيه؟ افتحي الباب ده، مفيش واحدة محترمة تقفل بابها في وش جوزها!”

ما رديتش عليه، فضلت قاعدة على طرف السرير، بلملم شتات نفسي. قلبي كان بيدق بسرعة، مش من الخوف، لكن من إحساس بالمرارة لأول مرة يسيطر عليا. قفلة الباب دي ما كانتش بس عشان أهرب من صوته، دي كانت “وقفة” مع النفس.. وقفة علشان أقرر إمتى هينتهي دور “الضحية” اللي بيضحي بكل حاجة عشان غيره مش حاسس.

قعدت أفكر.. هو فاكر إني هفتح الباب عشان انا بعدى ومابزعلش بسرعه ؟ فاكر إني هنسى الفلوس اللي أخدها، وأهون على نفسي، وأقوم أجهز الغدا وكأن شيئاً لم يكن؟

دماغي كانت بتلف.. العزومات اللي كنت مخططة لها، والطلبات اللي كنت هجيبها عشان العيد.. كل ده بقى كوم، وكبريائي اللي اتكسر بكلمته “انتي بتغيري” بقى كوم تاني خالص.

سمعت صوت خطواته وهو بيبعد عن الباب، وبعدها سمعت صوت خروجه من الشقة. قمت وقفت، مسحت وشي، وبصيت في المراية.. شوفت غالية تانية، غالية اللي قررت إنها مش هتكون “الجوكر” اللي بيسد أي عجز في ميزانية العائلة الكبيرة، غالية اللي قررت إن تعبها وشقاها ليهم تمن، وإنه مش مسموح لأي حد -حتى لو كان جوزها- إنه يتصرف في حياتها ببرود وكأنها مجرد رقم في المعادلة.

فتحت الدولاب تاني، بس المرة دي مش عشان أدور على الفلوس اللي ضاعت

ما استنيتش رجوعه. عرفت إن المواجهة في البيت مش هتجيب نتيجة، والبيت بقى خانقني بكل ركن فيه. فتحت شنطة السفر الكبيرة، وبدأت ألم هدومي وهدوم الولاد في هدوء تام، كأنني بلملم سنين عمري اللي ضاعت في “الترضية” ومحاولة إرضاء الكل.

خدت الشنط ووقفت في الصالة للحظة، بصيت للبيت اللي بنيته طوبة طوبة، وحسيت بغصة.. بس مسحتها بسرعة. نزلت من البيت، والقرار كان أقوى من أي تردد. في الطريق، دخلت السوبر ماركت، وبكل الفلوس اللي كانت باقية معايا في محفظتي الشخصية، اشتريت “أكل يكفينا” لأيام.. اشتريت كل الحاجات اللي كنت ناوية أجيبها للعزومات، بس المرة دي لينا إحنا، عشان أروح بيت أهلي “بواجبنا” وما أكونش تقيلة على حد، ولا أمد إيدي لأي حد فيهم.

وصلت بيت أهلي، وفتحت الباب بالمفتاح اللي معايا. أمي طلعتلي بخضة: “غالية؟ في إيه يا بنتي؟ وايه الشنط دي؟”

بصيت لها وابتسمت ابتسامة باهتة، وقلت لها: “مفيش يا أمي، بس محتاجة أقعد معاكم كام يوم، غيرت جو البيت.”

دخلت الأوضة اللي اتربيت فيها، فرشت هدومي، وقعدت مع الولاد ناكل اللي اشتريته، كنت باكل وأنا حاسة بمرارة، بس لأول مرة من سنين، حاسة بكرامة.

تليفوني رن، كان هو.. رديت ببرود بعد ما سيبت التليفون يرن كتير.

صوته كان عالي ومخنوق: “انتي فين يا ولية؟ والبيت فاضي ليه؟ ده أنا رجعت لقيت الدولاب ناقص هدومك.. أنتي اتجننتي؟ ارجعي البيت حالا!”

رديت عليه بصوت ثابت، لأول مرة مبيترعش:

ـ “أنا عند أهلي.. ومش راجعة. والبيت اللي كنت بتتصرف فيه ببرود، مش هتدخله تاني ولا هتشوفني فيه، إلا لما الفلوس اللي خدتها من ورا ضهري تكون في إيدي تاني. الفلوس دي مش لرفاهية، دي حق الولاد وحقي، والبيت اللي كنت بتقول هيمشي، خليه يمشي بقى من غيري.”

قفلت السكة في وشه قبل ما يلحق يرد.. رميت التليفون على السرير، وغمضت عيني، وأنا مستنية أشوف.. هو هيجيلها بنفسه؟ ولا كبريائه هيمنعه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *