ج 1حمل اخت جوزي

ج1 رشا خالد

“كل مرة أخت جوزي تولد، كانت بتيجي تقضي فترة النفاس عندي… وتتعامَل معايا كأني الخدامة اللي موجودة في البيت عشان تخدمها هي وأمها ليل ونهار. استحملت مرة… واتكسرت مرة تانية… لكن لما حملت للمرة التالتة، كانوا فاكرين إني هقول حاضر زي كل مرة. ماكانوش يعرفوا إن المرة دي أنا اللي كنت محضرة لهم أكبر صدمة في حياتهم.”

 

أخت جوزي هتولد قريب، واتعودت كل مرة تقضي فترة النفاس بتاعها عندي.. ودي كانت تالت مرة تطلب فيها المصلحة دي، بس المرة دي أنا مقبلتش.. وقدمت استقالتي من الشغل فوراً!

 

يومها الساعة كانت اتنين ونص الظهر، كنت قاعدة في الشركة براجع التصميم النهائي وبقفله مع واحد من أهم العملاء، وفجأة الموبايل على المكتب مابطلش زن وهز.

 

بصيت على الشاشة.. لقيتها حماتي، الست فريدة.

 

وعارفة طبعاً إن مكالمة منها في وقت زي ده مابتجيبش وراها غير النكد. اعتذرت للعميل وقمت وقفت في الممر بره عشان أرد.

 

أول ما فتحت الخط، لقيت صوتها طالع كله فرحة وزغاريد:

 

“يا نادية! عندي ليكي خبر بمليون جنيه، ياسمين حامل تاني، والمرة دي حامل في توأم!”

 

مسكت الموبايل جامد وما نطقتش ولا كلمة.

 

كملت هي وقالت: “عشان كده بقى، المرة دي كمان هتيجي تقضي فترة النفاس في بيتكوا. وبما إنهم توأم، يبقى أكيد هتحتاج غرفتين، اخلصي ونظفي البيت ورتبيه من دلوقتي عشان هتنورنا الأسبوع الجاي.”

 

كلامها كان صيغة أمر وإبلاغ، مفيش فيه حتى مساحة لأخذ الرأي.

 

رديت عليها بكل هدوء: “بس أنا مش موافقة يا طنط.”

 

الخط سكت تماماً لثانيتين، وبعدها صرخت: “أنتي قلتي إيه يا بت أنتي؟!”

 

“قلت مش موافقة. المرة دي ياسمين مش هتعتب بيتي في نفاسها.”

 

صوتها اتقلب في ثانية لندب وصراخ عالي: “يا نادية! هو أنتي معندكيش أصل ولا ضمير؟! ياسمين دي أخت جوزك الشقيقة! جرى إيه لما تسانديها في نفاسها؟! ليه الأنانية والجفاء ده؟!”

 

مابقتش قادرة أسمع أكتر من كده، فرحت قافلة السكة في وشها.

 

بس إيديا كانت بتترعش من كتر العصبية والضغط. فتحت الواتساب وبعت لطارق: “مامتك كلمتني وبتقول إن ياسمين عايزة تيجي تولد وتقعد عندنا، وأنا رفضت.”

 

الرسالة اتبعتت.. ومجاش عليها أي رد. مرت ساعة، والتانية، ولا حس ولا خبر، كأنها رسالة اترميت في البحر.

 

على الساعة 7 بالليل رجعت البيت، لقيت طارق قاعد على كنب الصالون ووشه ضارب مقلوب، وضلمة كأنه قنبلة موقوتة. أول ما شافني داخلة من الباب، وقف وقاللي:

 

“نادية، ياسمين حجزت العربية خلاص ليوم الخميس الجاي عشان تيجي، ادخلي ونظفي الأوضة الإضافية ورتبيها.”

 

حطيت شنطتي على جزامة المدخل وقلتله: “أنا قلتلك مش موافقة، أنت مقرتش رسالتي؟”

 

“دي أختي! وجاية بيت أخوها تولد وتقعد فيه، إيه العيب والـغلط في كده؟”

 

“وأنا مرتك! فكرت تاخد رأيي أو تطلب مشورتي قبل ما تقرر؟”

 

لوح بإيده بنفاد صبر وقال: “وإيه لزمتها اللفة دي كلها؟ الموضوع كله أربعين يوم فترة وتعدي!”

 

الموضوع كله أربعين يوم!

 

قبل تلات سنين، قال نفس الجملة دي بالظبط. وقبل سنة، كررها تاني بنفس البرود. واليوم، دي المرة التالتة. في كل مرة الحجة “أربعين يوم”، بس الأربعين يوم اللعينة دي في المرات اللي فاتت كانت هتضيع حياتي فيها.

 

ليلتها، فضلت مستلقية على السرير وباصة للسقف لحد الساعة 4 الصبح وعيني مشافت النوم. وأول ما المنبه ضرب الصبح، كنت واخدة قراري خلاص.. أنا لازم أختفي من حياتهم.

 

الصبح طلع، وصوت المنبه كان زي جرس إنذار لرحلة جديدة أنا اللي راسمها بنفسي. قمت من السرير بكل هدوء، طارق كان غرقان في نومه ولا حاسس بالنار اللي قايدة جوايا. دخلت المطبخ، عملت كباية قهوة، وقعدت في البلكونة وباصة للشوارع الفاضية.. المرة دي مفيش تراجع، ومفيش “حاضر وطيب” اللي ضيعت صحتي وكرامتي قبل كده.

الساعة جَت تسعة الصبح، لبست ونزلت رحت الشركة. أول ما دخلت، مكتب المدير كان وجهتي الأولى. قعدت معاه وقدمت استقالتي فوراً. الراجل اتمسك بيا جداً لأن شاطرة في مجالي، بس أنا كنت حاسمة: “أنا محتاجة إجازة مفتوحة من كل حاجة يا فندم، وضغوطي الشخصية مش هتخليني أدّي الشغل حقه.” وافق بعد إلحاح، وأخدت مكافأة نهاية الخدمة وشهادة خبرتي، وحسيت لأول مرة من سنين إن في حمل انشال من على كتافي.

من الشركة على البنك.. سحبت كل قرش ليا في حسابي الشخصي، الفلوس دي شقايا وتعبي وتدبيري من سنين. وبعدها كلمت سمسار معرفة من بره منطقتنا خالص، وكنت مجهّزة معاه كل حاجة من كام يوم في السر. رحت عاينت شقة صغيرة مفروشة في حي هادي وبعيد تماماً عن سكن حماتي وعن الأماكن اللي طارق يعرفها. دفعت الإيجار مقدم لست شهور، واستلمت المفتاح.

رجعت الشقة القديمة، شقة طارق، الساعة كانت اتنين الظهر وهو في شغله. بدأت ألم هدومي، حاجتي الشخصية، دهبي، وكل ورقة تخصني. وأنا بلم الهدوم، شفت في درج الكومودينو علبة الدوا القديمة بتاعتي.. افتكرت نفاس ياسمين الأولاني لما كنت بجري بيهم للمستشفيات وبطبخ ليل نهار لدرجة إن ضهري اتقوس وجالي غضروف، ولما اشتكيت، حماتي قالتلي: “جرى إيه يا نادية؟ هو أنتي اللي ولدتي؟ بطلي دلع ماسخ.” وافتكرت المرة التانية لما سقطت في حملي الأول بسبب الشيل والحط وخدمتها هي وعيالها، ومحدش فيهم سمى عليا ولا قالولي حمداً لله على سلامتك، كان كل همهم “فين لقمة ياسمين؟”. الدموع نشفت في عيني واتبدلت بجمود مخيف.

قفلت الشنط، وطلبت شركة شحن صغيرة نقلت كل حاجة على الشقة الجديدة في أقل من ساعتين. قبل ما أقفل باب الشقة ورايا للمرة الأخيرة، دخلت المطبخ.. سيبت التلاجة فاضية تماماً، وعلقت المريلة اللي كنت بتذل بيها ورا الباب. وحطيت مفتاح الشقة على سفرة الصالون، وجنبه ورقة صغيرة كتبت فيها: “الأربعين يوم بتوع ياسمين بدأوا.. وريني بقى مين اللي هيخدمها.”

نزلت وركبت عربيتي ورحت على شقتي الجديدة. رتبت حاجتي، وقعدت على الكنبة وأنا حاسة بنوع من السلام مادوقتوش من يوم ما اتجوزت طارق. الساعة جَت سبعة بالليل.. المعاد اللي طارق بيرجع فيه.

مفيش ربع ساعة، والموبايل بدأ المهرجان. طارق بيرن.. تمن مرات ورا بعض. ما رديتش.

بعدها بدأ يبعت رسائل واتساب:

“نادية أنتي فين؟”

“البيت فاضي والشنط مش هنا! أنتي رحتي فين وعملتي إيه؟”

“ردي عليا ما تتجننيش!”

عملت للموبايل صامت وسبته. فجأة لقيت جروب العيلة بتاعهم قايد نار. حماتي دخلت وكتبت رسالة صوتية كلها ردح وزعيق: “بقى بتسيب البيت وتهرب عشان ما تخدمش بنت أحساب ونشاب؟ دي قلة أصل! طارق، مرتك دي لازم تتربى وتعرف قيمتها!”

طارق ما بقاش ملاحق، يتصل بيا تكنسل، يكلم أهلي.. وأنا أصلاً كنت مكلمة أمي ومفهماها كل حاجة، وأمي قالتلي: “يا بنتي اللي يعاملك كأنك خادمة مالكيش عيش معاه، ارتاحي وإحنا في ضهرك.” فطارق لما كلم أبويا وأمي، لقى رد بارد: “بنتنا مش هترجع غير لما تعرفوا قيمتها، وهي مش خادمة عند حد.”

يوم الخميس جه.. يوم وصول ياسمين المنقذة اللي جاية تتنفّس وتتستّت. طارق كان فاكر إنها لما تيجي، أنا هحن أو هخاف وأرجع. ياسمين وصلت ومعاها حماتي الست فريدة، وشايلين شنط وهدوم وعيالها الصغار كمان مع التوأم الجداد. دخلو الشقة، لقوها تضرب تقلب، مفيش لقمة تتاكل، ومفيش سرير مفروش، والبيت يصفر.

حماتي كلمتني من تليفون طارق، والمرة دي رديت عشان أسمع صوت كسرتهم. اول ما فتحت، صرخت: “أنتي فين يا مقصوفة الرقبة؟ الشقة تضرب تقلب وبنت الوالدة لسه واصلة وتعبانة ومفيش لقمة في البيت! أنتي اتجننتي؟”

رديت بكل برود وثقة: “والله يا طنط، مش ياسمين جاية بيت أخوها؟ وأخوها موجود جوه.. يشمّر كمامه ويدخل المطبخ يطبخ لها وليلظف لها الأوض، ويغسل الهدوم. مش هو اللي قال كلها أربعين يوم وتعدي؟ أهو عايش الأربعين يوم بنفسه.”

طارق خطف الموبايل من أمه وهو بيزعق وصوته جايب آخر الشارع: “نادية! أنتي لويت دراعي؟ بتسيبيني في موقف زي ده قدام أهلي؟ قسماً بالله لو ما رجعتيش دلوقتي حالا وقمتي ببيتك وبأختي، ليكون ليكي معايا تصرف تاني!”

قلتله: “أعلى ما في خيلك اركبه يا طارق. أنا استقلت من الشغل، وسيبتلك البيت، ومعايا فلوسي ودهبي.. وأنت طالع من عيني خلاص. اخدم أختك وأمك وريني شطارتك.” وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة، وشيلت خط الموبايل كله ورميته في الزبالة.

مرت الأيام، وعرفت من قرايب بعيد ومن أختي اللي بتراقبهم، إن البيت هناك اتقلب لجحيم. طارق اللي عمره ما شال كوباية من على الأرض، بقى يرجع من شغله الساعة خمسة، يلاقي أمه وياسمين وعيالها في انتظاره، الأكل مش جاهز، العيال بتعيط، وياسمين بتندب من التعب وأمه بتصرخ عليه: “شغل الغسالة! اطبخ لنا لقمة! انزل هات دواء!” وطارق بقى مهدود الحيل، وشه اسود من قلة النوم والخدمة والشغل، والفلوس اللي كان بيوفرها بقت تضيع على الأكل الجاهز والمصاريف اللي مابتخلصش. عرف يعني إيه “أربعين يوم” اللي كان بيستهون بيها على حساب صحتي.

بعد أسبوعين بالظبط من العذاب ده، وفي يوم حر وخانق، طارق كان قاعد وسط العياط والكركبة، ووشه في الأرض من كتر التعب، وأمه واقفه فوق راسه بتزعق عشان يغسل المواعين.. فجأة الباب خبط.

فتح الباب وهو مش قادر يقف على رجليه، لقى راجل واقف ولابس بدلة، ومعاه محضر من المحكمة. الراجل بص في الورقة وقال له: “حضرتك الأستاذ طارق…؟”

طارق قال له بتعب: “أيوه أنا.. في إيه؟”

المحضر سلمة الورقة وقال له: “اتفضل.. إعلان بدعوى خُلع ونفقة مرفوعة من المدعية نادية…”

طارق بلم، وحماتي جرت خطفت الورقة من إيده وقرأت الكلام، وفجأة وشهم كله اتقلب للون الأبيض، والصدمة شلت لسانهم..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *