ج2 سلفتي حكايات ندى الجمل
ج2
فتحت أمي الباب، ولقينا أحمد واقف قدامنا، هدومه مبهدلة، ووشه شاحب زي الأموات، وعينيه مليانة دموع وندم مش طبيعي. أول ما شاف أبويا، وقع على ركبه قدام الباب وهو بيصرخ بصوت مكسور:
“سامحني يا عمي… سامحيني يا ندى! أنا أظلم بني آدمة على وش الأرض… الحقيقة بانت، والظلم اللي اتبنى عليه خراب بيتي اتهد النهاردة!”
وقفنا كلنا مصدومين. أبويا زقه برجله بعيد عنه وقال بقسوة:
“جايلنا بعد ست شهور يا أحمد؟ بعد ما رميت بنتنا وحرمتها من عيالها ونهشت في شرفها قدام المنطقة كلها؟ طالع تقول إيه دلوقتي؟”
أحمد فضّل يبكي زي الأطفال، وحكى لأبويا وإخواتي وليا على كل اللي حصل في الدور الأرضي بين عبير ومنى، وكيف سمع اعتراف منى بنفسه، وكيف كشفت عبير وإن الراجل كان طالع لشقتها هي عشان تجارة وسلفيات من ورا جوزها، واستغلت إن ندى واقفة مستنية عشان تلبسها التهمة وتبعد الشبهات عن نفسها، وهددت منى بسيم قديم عشان تشهد زور وتحلف على المصحف.
كنت واقفة أسمع الكلام وجسمي كله بيترعش. الدموع كانت بتنزل من عينيا بس مش دموع حزن… كانت مزيج من الفرحة إن ربنا ظهر حق وشرفي قدام الدنيا كلها، ومن الوجع اللي عشته طوال الست شهور دول.
أحمد قرب مني يحاول يمسك إيدي وقال وهو بينتحب:
“ردي عليا يا ندى… ارجعي معايا يا أم آدم وليان، البيت فضي عليا وعيالك بيموتوا كل يوم من غيرك، أنا اضحك عليا، المصحف اتقال عليه زور، مين كان يصدق إن حد يحلف كدب على كتاب الله؟ سامحيني وأنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها، هبوس راسك ورجل أهلك قدام المنطقة كلها!”
أبويا مسكه من ياقت وقومه بقوة وقال بصوت حاسم:
“شرف بنتي ورجوعها مش بالبساطة دي يا أحمد! بنتي خرجت من بيتك متهمة ومطرودة وحافية، مش هترجع كده بسهولة لمجرد إنك عرفت الحقيقة. حق بنتي الأدبي والأنثوي لازم يتاخد قدام العيلة كلها والمنطقة كلها، وإحنا لينا كلام تاني خالص مع عيلتك كبار وصغار!”
ثاني يوم الصبح، كانت المنطقة كلها بتتكلم عن اللي حصل. حمايا لما عرف الحقيقة من أحمد ومنى، جاتله صدمة ونقلناه المستشفى جنب حماتي، وعائلتهم بقت في جحيم لا يطاق. جوز عبير طردها بنفس اليوم وطلقها وردلها كل حاجتها ورمى هدومها في الشارع بعد ما انكشفت ألاعيبها وفلوسها المشبوهة، وجوز منى هدد بالطلاق ومسكها ضرب لما عرف إنها حلفت زور وشاركت في خراب بيتي.
حمايا، بعد ما فاق من صدمته، طلب من أبويا وإخواتي إن العيلتين يتجمعوا في بيت العيلة الكبير، وقدم اعتذار رسمي قدام كبار المنطقة والعيلة كلها.
جمعوا الكبار كلهم في الصالة الكبيرة اللي اترميت فيها في الشارع من ست شهور. دخلت أنا وأبويا وإخواتي مرفوعين الراس. حمايا وقف وهو تعبان ومسك إيد أبويا وقال بصوت كل الناس سمعته:
“يا أبو ندى… ندى بنتنا الشريفة العفيفة، إحنا ظلمناها وأجرمنا في حقها، والنهاردة قدام الكل بنعترف بذنبنا وبنطلب منها ومنكم المسامحة، وحقها فوق راسي وعلى رقبتنا كلنا.”
أحمد جاب المصحف اللي اتحلف عليه زور، وحطه قدام الكل وقال:
“أنا طالبت ندى ترجعلي، والنهاردة قدام العيلة كلها، شقتها هتتكتب باسمها، ومفيش واحدة من سلفتها هتعتب عتبة العمارة دي تاني، وعبير ومنى برا البيت ده للابد. بس اديني فرصة تانية أصلح اللي اتكسر يا ندى.”
كل العيون اتوجهت ناحيتي… أبويا بصل بصة معناها “القرار قرارك إنتِ يا بنتي”.
وقفت قدام أحمد والعيلة كلها، وقلت بصوت هادي وثابت بعد طول عذاب:
“شرفي وكرامتي رجعوا بفضل ربنا، وده أهم حاجة عندي… لكن الجرح اللي في قلبي، وصوتك وأنت بتطردني وترميني في الشارع وبتحرمني من آدم وليان… مش كلمة اعتذار ولا شقة هي اللي هتمحيه بسهولة.”
أحمد بصلني بلهفة وخوف وقال:
“قصصدك إيه يا ندى؟”
قلتله:
“قصدي إن…”
وقفت بصتي ثابته في عيون أحمد، والهدوء اللي كان في صوتي كان يرعب أكتر من أي صراخ أو زعيق. قلتله بصوت مليان وجع سنين:
“قصدي إن البيت اللي اتهد في لحظة بسبب الشك وعدم الأمان، مش هيرجع يتبنى بحبر على ورق ولا بشقة تتكتب باسمي. أنت يا أحمد أسهل حاجة عندك كانت إنك تصدق فيا السوء، نسيت تمن سنين عشره، نسيت إني أم ولادك وصاينه بيتك وعرضك، وبدل ما تقف تدور على الحقيقة أو حتى تسمعني، كنت أول واحد يضربني ويرميني حافية في الشارع ويحرمني من حتة من أحشائي! الشرف لو انغسل باعتراف، فالقلب لما يتكسر من أقرب ماليه… مابيرجعش زي الأول.”
أحمد وشه اصفر، ودموعه نزلت بغزارة، وقرب مني محاول يمسك إيدي لكن أبويا وقف حائل بيني وبينه. أحمد صرخ بقمة عذابه:
“حقك عليّا يا ندى! اقطعي من جسمي وسامي، والله العظيم كنت أعمى، الشيطان غماني وشهادة الزور بالمصحف حسستني إن الدنيا اتكشفت فوق دماغي! أنا عارف إني أخطأت في حقك خطأ لا يغتفر، بس عشان خاطر آدم وليان… العيال دبلوا في الست شهور دول يا ندى، آدم كل يوم بيصحى يعيط ويدور عليكِ، وليان نسيت ضحكتها! اديني فرصة واحدة بس أثبتلك إني مستعد أشتري رضاكِ بقية عمري!”
حمايا اتدخل وهو بيتمنى لم الشمل وصوته بيترعش من التعب والمرض:
“يا بنتي يا ندى… أنا أتحسب عليكِ زي أبورك، وأنا بعترف إني قصّرت ومادورتش بعقل، والبيت ده بيتك، والكل عرف أصلك وطهارتك. عشان خاطر الولاد الصغار اللي ملهمش ذنب، ادي لجوزك فرصة، وشوفيه هيصلح غلطته إزاي.”
بصيت لأبويا وإخواتي، أبويا قال بنبرة حكيمة:
“حق بنتي ورأسها المرفوعة أخدناهم قدام المنطقة كلها، والكل عرف مين الشريفة ومين الخاينة اللي اتبلت عليها. أما موضوع رجوعها ليك يا أحمد، فده قرار ندى لوحدها… ومفيش ضغط عليها من أي حد.”
أنا مكنتش قادرة أرجع معاه في نفس اليوم، الجرح كان لسه ينزف، ورؤية العمارة والسلالم اللي اترميت منها كانت بتجيبلي كوابيس. قلت بصوت حاسم:
“ولادي آدم وليان يرجعوا في حضني فوراً، يعيشوا معايا في بيت أهلي… وأنت يا أحمد، لو فعلاً عايز تتغير وعايز تبدأ معايا من جديد، هتديني وقتي. مش هجعلك الشقة دي، ولا هعيش في بيت العيلة ده تاني أبداً! العمارة دي بالنسبة ليا أصبحت سجن وذكريات سوداء.”
أحمد وافق فوراً ومن غير تردد:
“اللي تؤمري بيه هيتعمل يا ندى! بكرة الصبح هكون مأجّرك شقة جديدة بعيد عن العمارة وبعيد عن المنطقة كلها، وهكتبهالك، والولاد معاكِ من اللحظة دي، ومش هطلب منك ترجعيلي رسمياً إلا لما تحسي إنك قادرة تسامحيني.”
فعلاً، في نفس الليلة، آدم وليان رجعوا لحضني. لما دخلوا عليا وجريوا في حضني، حسيت إن روحي ردتلي بعد ست شهور موت. آدم كان ماسك فيا وبيقلي: “ما تمشيش تاني يا بابا… طنط عبير وطند منى كانوا بيزعقوا لنا ولما نسأل عنك كانوا بيقولوا أمكم مش راجعة!”.. الكلام ده كان بيموتني من الجوا، لكن وجودهم في حضني كان البلسم الوحيد لجروحي.
مرت الأيام والشهور، وأحمد كان بيعمل المستحيل عشان يرضيني. أجر شقة جديدة جميلة في مكان هادي، وفرشها من جديد كأنه بيجهز لعريس وعروسة من أول وجديد، وكان بيجي كل يوم يشوف الولاد، يجيلنا بالأكل والطلبات، ويفضل واقف على الباب يعتذر ويترجى، وما يدخلش غير لما أسمحله.
في المقابل، العدالة الإلهية كانت بتكمل مجراها في بيت العيلة…
عبير، بعد ما طلقها جوزها ورمى هدومها في الشارع، أهلها برضك ما قبلوا يدخلوها بيتها بسهولة بعد الفضيحة والتجارة المشبوهة والديون اللي كانت عليها للراجل اللي كان بيجي العمارة. اكتشفوا إنها كانت واخدة منه مبالغ كبيرة عشان تشغّلها في السر وتخبي على جوزها، ولما خشرت التجارة والراجل جا يطالب بفلوسه هدّدها بالفضيحة، واستغلت وجودي عشان تخلص من التهمة. حياتها اتدمرت بالكامل، وبقت منبوذة من أقاربها ومن المنطقة كلها.
أما منى… فكان عقابها من جنس عملها. جوزها منعه يعيش معاها طبيعي، وأخد منها أولادها وعاشوا عند أمه، وفضل سايبها معلقة لا هي مطلقة ولا هي متجوزة، عشان تذوق نفس نار الحرمان من الأبناء اللي جربتهالي. والذنب وحلفة المصحف الزور كانت ملاحقاها، لدرجة إنها جالي بيت أهلي أكتر من مرة وهي بتبكي وتترجاني أسامحها عشان ربنا يرفع عنها العذاب اللي عايشة فيه، لكن قلبي مكنش قادر يسامح واحدة حلفت بكتاب الله زور عشان تدمر حياتي.
بعد سنة كاملة من الفراق والاختبار… سنة أحمد أثبت فيها إنه اتغير تماماً، وبقى بيعمل ألف حساب لكل كلمة ولكل خطوة، وبيصون كرامتي قدام كل الناس، وبيضحي بكل حاجة عشان يرجعني…
قعدت مع أبويا وأمي، وأبويا قاللي:
“يا ندى يا بنتي… أحمد اتعاقب، وتدوق مرارة الظلم والخوف من ضياع بيته. والراجل صانك وسابك تاخدي وقتك ومضغطش عليكِ. الولاد كبروا ومحتاجين أبوهم في حياتهم المستقرة. ربنا بيسامح ويعفو، وإنتِ أخدتي حقك كاملاً مكمل… فكري بعقلك وشوفي هل قادرة تبدأي صفحة جديدة ونظيفة بعيد عن بيت العيلة وفي الشقة الجديدة؟”
سكتت طويلة… وبصيت لآدم وليان وهما بيلعبوا وفرحانين لما أبوهم ب يزورهم. حسيت إن القساوة لو فضلت في قلبي، هبقى بظلم أولادي.
اتصلت بأحمد وقلتله ييجي… لما جه وقعد قدامي، كان باين عليه التوتر والخوف كأنه مستني حكم إعدام.
قلتله بجدية ووضوح:
“أنا مستعدة أرجعلك يا أحمد… ونفتح صفحة جديدة في الشقة الجديدة بعيد عن العمارة وأوهامها. لكن عندي شروط، لو شرط واحد منها اتكسر… هتبقى دي النهاية الحقيقية بيني وبينك بدون أي رجعة.”
أحمد بصل بردموع وفرحة لا توصف وقال بلهفة:
“شرطك أوامر يا أم آدم! قولي كل اللي في نفسك، والله لو طلبتِ نجمة من السلع هجيبهالك!”
قلتله: “أول شرط…”
