ج الاخير طلقتني من جوزي حكايات زهرة

ج الاخير

العريس.. كان عادل!

جوزها!! حبيبها اللي “مبيفرطش فيها ولا يستغنى عنها لحظة”.. اللي كان مفهمها وقايلها بإهتمام ودهاء إنه مسافر في شغلانة مهمة أسبوع خارج البلد!

هدى صرخت صرخة مكتومة مكتومة في حلقها، إيدها اترعشت برهبة وغل، والفستان الغالي اللي كانت طايرة بيه ومتباهية قدام الناس كان هيتقطع في إيدها من كتر ما هي ماسكة فيه بغل ودهشة ومش قادرة تستوعب اللي شايفاه. اتنطرت خطوتين لقدام وهي مش مصدقة عيونها، وحست صدمة عمرها بتلجمها والأرض كلها بتلف بيا وبشخصيتها وقدرتها على الوقوف.

أحمد طار من جنبه وهو مش فاهم حاجة خالص، ورايح ناحية الكوشة بجنون وهو بيزعق بصوت هيجيب الصالة لأرضها ويهز جدرانها: — “عادل؟! أنت بتعمل إيه هنا؟! أنت اتجننت ولا جرى لعقلك حاجة يا راجل أنت؟!”

المعازيم كلهم سكتوا في ثانية واحدة، والموسيقى وقفت فجأة وكأن الصوت اتسحب من القاعة. عادل بكل هدوء وثبات ينبعان من يقين تام، أخدني تحت جناحه، ومسك إيدي وقفل عليها بكل ثقة وقوة، وبص لأحمد وهدى اللي كانوا واقفين قدامنا زي المضروبين بالجزمة على وشهم من هول المفاجأة.

هدى قربت بخطوات متخبطة وهي بتبكي دموع هستيرية، دموع صدمة وغضب ومذلة وانهيار كامل لكبريائها، وصرخت بصوت شرخ الصمت الحذر اللي في القاعة كلها: — “عاااادل! أنت بتعمل إيه مع الزبالة دي؟! أنت بتهزر صح؟ قول إن ده مقلب!! قول أي حاجة! أنت مش قايلي إنك مسافر؟!”

عادل بص لها بنظرة باردة جداً، نظرة خالية من أي مشاعر حنين أو شفقة، وقال بنبرة وبصوت هادي برود قاتل: — “أنا مكنتش مسافر يا هدى.. أنا كنت بظبط دنيتي وحياتي عشان أتجوز الست المحترمة اللي في إيدي دي. الست اللي بتعرف تقوّم بيت وتصون راجل، مش بتخرب بيوت الناس وتتسلّى بأذيتهم!”

هدى حسّت بس*كينة تلمة اتغرست في قلبها وقسمته نصين، بصتلي وهي بتنهج من كثرة الغل والحرقة، ورجليها مش شايلاها ولا قادرة تثبتها على الأرض: — “أنتي.. أنتي يا خطافة الرجالة! أنتي عملتي فيه إيه؟ ساحرة له ولا عاملة له إيه؟ أقسم بالله العظيم ما هسيبك وهدمر حياتك!”

هنا بقى.. جه دوري وحاني وقت رد الاعتبار!

نزلت خطوة واحدة بثبات من على الكوشة، ووقفت قدامها بقمة الشموخ وأنا حاطة إيدي بثقة في إيد جوزها الجديد.. وبصيت لها بنفس النظرة التراحمية الفوقية اللي بصتهالي زمان في المحل، بس المرة دي كانت نظرة الانتصار الأبدي والحق اللي رجع لأصحابه.

قلتلها بصوت هادي، واثق، ومسموع بوضوح لكل القاعة: — “افتكرتك أشطر وأذكى من كده يا هدى.. مش أنتي اللي جيتيلي بنفسك ولحد عندي في المحل تفرجينا على الميدالية وبتقولي بفشخرة إن جوزك مبيفرطش فيكي ولا بيستغنى عنك لحظة؟ الميدالية عجبتني بصراحة.. والجوز عجبني أكتر وأكتر! وقررت أردلك عزومتك ونفس الواجب العظيم اللي عملتيه معايا ومع بيتي.”

بصيت لأحمد طليقي اللي كان واقف مذهول ومصدوم وشطه الموقف، عينيه كانت مليانة ندم وكسرة وخزي، مش عارف يدافع عن أخته ولا يدافع عن كرامته ورجولته اللي أتهانت قدام الناس.

قلتله بنبرة حازمة وقاطعة:

— “أحمد.. أنت قلتلي زمان وبكل عين قوية إن أختك خط أحمر، وإنها أهم عندك من الدنيا كلها ومني ومن بيتنا. أديها أهي.. خدها وشبع بيها وفرح بيها، بس المرة دي بقى.. هي طالعة من بيت جوزها مكسورة العين والقلب، عشان تعرفوا أنتم الاتنين إن ظلم البنات مبيروحش هدر، وإن ربنا بياخد الحق ولو بعد حين!”

أحمد قرب من عادل وجن جنونه، ومسكه من قميصه بغضب وعروق رقبته بارزة: — “أنت بتبِيع صلة الرحم والعيش والملح عشان دي؟! دي طليقة أخو مراتك يا وطي يا ناقص!”

عادل زق إيده بكل قوة وقسوة واستحقار، وقاله بمنتهى الصلابة:

— “أنا مبعتش حد يا أحمد.. أختك هي اللي باعت بيتنا وعشرتنا من زمان بعمايلها وسواد قلبها ولسانها وطمعها وتحكماتها اللي ملهاش أول من آخر. أنا استحملت قرفها وقسوتها وسكت السنين دي كلها عشان مكنتش عايز أهد البيت وأخرب دنيتي، بس لما لقيت الست اللي تقدرني وتعرف قيمة الراجل بجد وتحترمه.. اتجوزتها فوراً، وشريعتنا والدين بيسمحولي بأربعة. وأختك لو مش عاجبها الوضع والواقع الجديد.. الباب يفوت جمل! مش دي كلمتك المشهورة اللي كنت بتقولها لمراتك برضو؟”

الجملة نزلت على أحمد وهدى زي الصاعقة المتفجرة. كلمة “الباب يفوت جمل” المرة دي اتردت في وشهم بكل قسوة وأخترقت قلبهم ودمرت غرورهم.

هدى بدأت تصرخ وتلطم على وشها وبشعرها زي المجنونة، وفستانها الملون اللي كانت فرحانة بيه اتملا بدموع الشماتة والكسرة اللي انقلبت عليها. المعازيم والضيوف بدأوا يتهامسوا ويضحكوا علناً، والناس اللي كانت جاية معاهم من عيلتهم بقوا يبصوا لبعض بكسرة وخزي مش عارفين يداروا وشهم فين.

أحمد مسك إيد أخته بالعافية وقسوة وهو بيحاول يداري خيبته وكسرته الكبيرة قدام الناس، وسحبها بالعافية لبرة القاعة وهي بتصرخ وتملأ المكان عويل وتنده باسم عادل، وعادل ولا كان هنا ولا التفت لها.. مسك إيدي وبصلي في عيني وابتسم بحب، وقال للمطرب بثبات:

— “شغل الموسيقى يا ابني وخلي الناس تفرح معانا!”

خرجت هدى وأحمد من القاعة ومكسورين كسر عمرهم ما هيعدوه ولا ينسوه. أحمد خسر بيته وهدم استقراره وخسر هيبة أخته وقيمتها قدام الكل، وهدى اتضربت في أكبر وأقوى نقطة كبرياء وفشخرة عندها.. جوزها اللي كانت بتتفشخر بيه وبحبه ليها قدام الناس، سابها وباعها واتجوز طليقة أخوها!

مرت الأيام والشهور.. وعرفت بعدين من ناس مقربين ومشتركين إن هدى اتجلت في بيتها وقعدت مريضة من الحسرة والقهر، وعادل نقلني شقة تانية راقية جداً في مكان فخم وكتبها رسمي باسمي، ورفض تماماً إنه يرجع لهدى أو يرضيها أو يطل في وشها إلا بشروطي أنا ورغبتي. وأحمد طليقي عاش في ندم وحسرة ملوش نهاية، عرف متأخر إن طاعته الأعمى لأخته وظلمه ليا ضيعوا منه بيت هادي وست أصيلة بتصونه، ولما حب يجوز أخته تاني أو يدور على عروسة لنفسه يداوي بيها جرحه.. السيرة والشائعات كانت سابقاه، والناس بقت تترعب وتخاف تدخل بيته أو تناسبه.

أنا بقى.. قعدت في بيتي الجديد والجميل مع عادل، عايشة في حب واحترام وتقدير يعوضني عن كل اللي شفته. كل ما أبص للميدالية اللي متعلقة في مفاتيح شقتنا الجديدة.. أبتسم من قلبي وأفتكر إن رب الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن اللي يظلم ويتجبر في الدنيا.. بيلف الزمن دورته وبيقع في نفس الحفرة البشعة اللي حفرها لغيره!

“الظلم ظلمات يوم القيامة.. واللي يفكر إنه يقدر يكسر قلب مظلوم أو يؤذيه، يفتكر دايماً إن ربنا القادر إنه يقلب الطاولة في لحظة واحدة ويجيب الحق لأصحابه!”

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *