امي جت تعيش معانا ج الاخير
جريت أنا وياسين على الأوضة والد*م متجمد في عروقنا.
لما فتحت الباب، المنظر اللي شفته خلاني أقع على ركبي من الصدمة. أمي كانت واقعة على الأرض جنب السرير، جسمها كله بيتنفض بعنف، وإيديها متثبتة على بطنها اللي كانت بتتحرك بحركات عشوائية مرعبة، كأن في حاجة بتخبط من الجوه وعايزة تخرج! العباية القطن اتملت ببقع سودا، نفس السائل اللي كانت بتسحبه بالسرنجة كان بيميل من بوقها ومن مناخيرها.
“ماما!” صرخت وأنا بحاول أقرب منها، بس ياسين مسكني من ضهري بقوة ورجعني ورا.
“إوعي تلمسيها يا ليلى! أنتي مش سامعة أنا قلتلك إيه؟ المستشفى بيقولوا إنها خطر!” ياسين كان بيزعق وصوته بيرتعش، وعينيه كانت بتتحرك برعب بين أمي وبين مريم اللي صحت وبدأت تصرخ بهيستريا على سريرها.
شيلت مريم بسرعة وضميتها لصدري وأنا بجري بيها لبرة الأوضة. البنت كانت سخنة مولعة، وبطنها الصغيرة كانت منفوخة أكتر من الأول، والبروز الناشف اللي لمسته من شوية بقى باين بمجرد النظر من تحت التيشيرت!
ياسين دخل ورايا الصالة وهو بيقفل باب الأوضة على أمي بالمفتاح. كان بينهج كأنه بيجري في سباق. “ليلى، البنت مالها؟ بطن مريم مالها يا ليلى؟”
مكنتش قادرة أنطق. الكدب مبقاش ينفع، والحقيقة بقت أكبر من إننا نخبيها. “ياسين.. مريم عندها نفس المرض.. نفس اللعنة اللي عند أمي.”
ياسين بصلي بنظرة عمرها ما هتفارق خيالي.. مزيج من الذهول، الكفر، والكره. لسه هيتكلم، وفجأة تليفونه رن تاني. نفس الرقم الغريب اللي كلمه من شوية. ياسين فتح السبيكر وإيديه بترحش.
جاء صوت راجل حاد ورسمي من الناحية التانية: “أستاذ ياسين؟ إحنا بره باب العمارة بتاعتك في المعادي. معانا أمر بالتحفظ على المدعوة فاطمة وعلى كل من خالطها. افتح الباب فوراً ومن غير شوشرة، وإلا هنتصرف بمعرفتنا.”
بصيت لياسين برعب. “دول مين يا ياسين؟ دول مش دكاترة طبيعيين.. أمي قالتلي إنهم بيدوروا على الجينات دي من سنة 1998!”
ياسين بص لمريم اللي في حضني وهي بتئن من الوجع، وبص لباب الشقة اللي بدأ يتخبط عليه خبطات قوية ومنتظمة. ملامح وشه اتغيرت تماماً، الشك اللي كان مالي عينيه اتقلب لخوف حقيقي على بنته. “إحنا لازم نخرج من هنا.. لو الست دي معاها حق، يبقى الناس اللي بره دول مش جايين يعالجوا مريم.. دول جايين ياخدوها.”
“نخرج إزاي؟” صرخت والدموع مغرقة وشي. “الشقة في الدور الثالث والباب متقفل!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت تكسير إزاز جاي من أوضة مريم. جرينا على الصالة، وبصينا من شباك المنور.. شفت حبال نازلة من السطوح، ورجال لابسين لبس أسود كامل واقنعة غريبة بيقتحموا الأوضة اللي فيها أمي!
صوت صراخ أمي وقف فجأة.
وباب الشقة الرئيسي بدأ يتكسر بالكامل.
ياسين شدني من إيدي ورفع عينه للسقف: “سلم السطوح من المطبخ.. جري يا ليلى!”
أنا وياسين جرينا والمطبخ وضهرنا للباب اللي بيتكسر، وأنا شايلة مريم اللي جـسمها بدأ يتنفض بنفس الطريقة اللي شفت بيها أمي.. وفي اللحظة اللي حطينا رجلنا فيها على أول درجة في سلم السطوح الضلمة، سمعت صوت قفل باب الشقة وهو بيطير، وصوت خطوات تقيلة بتدخل الشقة، وصوت راجل بيقول عبر اللاسلكي: “الهدف الأول تم تحييده.. ابحثوا عن الطفلة فوراً!”
طلعت السلم وأنا مش حاسة برجلَّيا، الهوا الساقع بتاع المغرب كان بيخبط في وشنا وأنا ضامة مريم لصدري بكل قوتي، البنت كانت بتترعش وجسمها عمال يسخن أكتر، والبروز اللي في بطنها حاساه بيكبر تحت إيدي كأنه قنبلة موقوتة.
ياسين كان سابقني بخطوة، بيزق باب السطوح الحديد بكل عزم عنده لحد ما اتفتح بصرخة صديد قوية. طلعنا على السطح، الدنيا كانت ضلمة وكراكيب العمارة وخزانات الميّة مضللة على المكان. زقيت ياسين ناحية زاوية مستخبية ورا خزان الميّة الكبير وقعدنا في الأرض ونفسنا مقطوع.
“ياسين.. إحنا هنعمل إيه؟ أمي ضاعت.. أمي أخدوها!” همست بصوت مخنوق والدموع نازلة زي الشلال.
ياسين حط إيده على بوقي وهو بيبص ناحية باب السطوح برعب. “اششش.. اسمعي!”
صوت الخطوات التقيلة كانت بتطلع السلم، منتظمة ومرعبة. صوت اللاسلكي بتاعهم كان بيشوش في الضلمة: *”تتبعوا الأثر.. عينة الجيل الثاني (الأم) أظهرت تدهوراً كاملاً، عينة الجيل الثالث (الطفلة) هي الأهم.. لا تسمحوا بخروجها من المبنى.”*
ياسين بصلي وعينيه مبرقة في ضلمة السطح: “سمعتي؟ بيتكلموا عن مريم كأنها تجربة في معمل! ليلى.. أنتي لازم تفهميني إيه اللي بيحصل.. مين شاكر؟ ومستشفى إيه دي اللي من 1998؟”
طلعت المظروف القديم من جيب جاكتي بإيد بتترعش واديتهوله: “شاكر يبقى أبويا الحقيقي.. أمي مكنتش خاينة يا ياسين، أمي كانت ضحية.. أبويا الحقيقي مات بنفس المرض ده في 98، والمستشفى حفظت جيناته، وأمي حملت فيا عشان تستر على جوزها التاني اللي مبيخلفش.. المرض ده جينات ملعونة بتتنقل للبنات بس في الجيل التالت.. مريم ورثت المرض ده من جينات أبويا اللي مات من قبل ما أنا أتولد!”
ياسين مسك الوصل والصورة المقطوعة، وبص فيهم بذهول والكدب كله اتمسح من قدام عينيه. فجأة، مريم طلعت صرخة مكتومة وفتحت عينيها..
اتصدمت لما شفت عينيها في الضلمة.. نفس اللمعة الغريبة اللي شفتها في عيون أمي في تسجيل الكاميرا! البنت حطت إيدها الصغيرة على بطنها وبدأت تبكي بوجع وهي بتقول بصوت متقطع: “بطني يا مامي.. بطني بتوجعني أوي.. في حاجة بتتحرك جوه.”
في اللحظة دي، الباب الحديد بتاع السطوح اترزع بقوة، وفلاش كشافات قوي جداً نور السطح كله.
“اثبت مكانك أنت وهي!” صوت حاد وجاف هز المكان، ولقينا تلات رجالة لابسين لبس أسود كامل وأقنعة عازلة ومعاهم أجهزة غريبة شبه الأجهزة الطبية ومسدسات مجهولة.
ياسين وقف فجأة ووقف قدامي كأنه حيطة سد، خبانى أنا ومريم وراه: “أنتم مين؟ وعايزين مننا إيه؟ أنا هطلب البوليس!”
واحد منهم قرب ببرود، ورفع جهاز صغير في إيده ونور ليزر أحمر جه مباشرة على بطن مريم. الجهاز بدأ يصفر بسرعة وبعنف، والراجل قال في اللاسلكي: *”تم تحديد عينة الجيل الثالث بنجاح.. القراءة إيجابية والتفاعل الجيني بدأ فعلياً.”*
الراجل بص لياسين وقال بنبرة مفيهاش أي رحمة: “البوليس ملوش علاقة باللي هنا يا أستاذ ياسين. الست اللي جوه دي هربت من مصحتنا السريّة من خمس شهور بعد ما سرقت عينات جينية تانية تخص الطفلة دي. بنتك مش مريضة سرطان.. بنتك شايلة طفرة جينية إحنا بندرسها وبنطورها من 28 سنة.. ولو فضلت معاك، هتموت وهتموتكم معاها خلال 48 ساعة.”
“أنتم كدابين!” صرخت من ورا ضهر ياسين وأنا حاضنة مريم اللي بدأت تتنفض بعنف أكبر.
الراجل رفع مسدسه وبدأ يوجهه ناحية ياسين: “سلم الطفلة بهدوء.. وإلا هنضطر نخلص منكم ونأخدها كدة كدة.”
ياسين لف وشه ليا بسرعة، وفجأة شفت في عينيه نظرة تضحية خلت قلبي يقف.. مسك إيدي وقالي بوشوشة سريعة: “لما أقولك اجري.. اطلعي على السطح بتاع العمارة اللي جنبنا.. النطة مش بعيدة.. انقذي بنتنا يا ليلى!”
وقبل ما أستوعب، ياسين رمى نفسه بكل قوته على الراجل اللي شايل المسدس، وصرخ بأعلى صوته: “اجرررررري يا ليلى!” للمذيد تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
صوت ياسين وهو بيصرخ كان آخر حاجة سمعتها قبل ما الدنيا تتقلب ورايا لساحة حرب.
ياسين رمى جسمه كله على الراجل الأولاني، ووقعوا هما الاتنين على الأرض، والمسدس طار من إيد الراجل وخبط في خزان الميّة. التنين التانيين هجموا على ياسين وبدأوا يضربوه بعنف، لكن ياسين كان بيحارب بروحه، متبت في رجليهم وعامل بأسماله حيطة سد عشان ما يوصلوليش.
“اجري يا ليلى! ماتبصيش وراكي!” صرخت ياسين الأخيرة طلعت مخنوقة وهو بياكل ضربة قوية بكعب مسدس في وشه.
غميت عيني وجريت.. جريت وأنا شيلة مريم اللي بقت تقيلة في حضني كأنها قطعة حديد، ونبضات بطنها بقت سريعة وبتخبط في صدري. وصلت لطرف السطح.. المسافة بين سطح عمارتنا وسطح العمارة اللي جنبنا كانت حوالي متر ونص، لكن في الضلمة والارتفاع ده، كانت كأنها هاوية للموت.
غمضت عيني، ضميت مريم لقلبي، ونطيت بكل قوتي.
رجلي خبطت في سور العمارة التانية، ووقعت على الخرسانة الناشفة. الألم سمع في ضهري كله، بس مكنتش حاسة بحاجة غير بمريم. بصيت ورايا، شفت الرجالة سابوا ياسين اللي كان غرقان في دمه على الأرض ومبيتحركش، وبدأوا يجروا ناحية السور عشان ينطوا ورايا.
نزلت جري على سلم العمارة التانية، السلم كان ضلمة كحل ومفهوش سكان كتير، نزلت للدور الأرضي وخرجت من البوابه الخلفية على شارع جانبي ضلمة في المعادي.
كنت بنهج، وهدومي متبهدلة دم وتراب، ومريم في حضني أنينها بدأ يقل وجسمها بيسقع.. نفس السقعية اللي أمي قالت عليها.. سقعية الموت.
طلعت تليفوني بإيد بتترعش، وبصيت في الوصل القديم اللي ياسين رماه ليا وهو بيهجم عليهم. شفت اسم الدكتور الممسوح.. مكنش ممسوح بالكامل، كان باين منه حروف: “د. رامي… عيادة الخالدين – وسط البلد”.
أخدت تاكسي من على أول الشارع، الراجل بص لمنظري برعب بس لما رميت له كل الفلوس اللي في شنطتي سكت وساق بأقصى سرعة. طول الطريق وأنا ببص لمريم، البروز في بطنها هدي فجأة، وعينيها اللامعة قفلت، وبقت تتنفس ببطء شديد.
وصلنا وسط البلد بعد نص ساعة كانت كأنها سنة. نزلت ودورت على العنوان في شوارع وسط البلد القديمة، لحد ما لقيت يافطة خشب قديمة ومتهالكة ومكتوب عليها بخط باهت: “عيادة د. رامي الشريف – أبحاث الجينات الوراثية”.
طلعت الدور الثاني، الباب الخشب كان موارب. دخلت وأنا بزق الباب برجلي. المكان جوه كان كأنه معمل من الستينات.. كتب قديمة، برطمانات فيها سوائل غريبة، وأجهزة تحضير جينات مغبرة.
على مكتب في آخر الأوضة، كان قاعد راجل عجوز جداً، شعره أبيض بالكامل، وعينيه مليانة تعب وسنين. بصلي وبص لمريم اللي في حضني، ووقعت عينه على الوصل القديم اللي في إيدي.
تنفس بصوت عالي وقال بنبرة مفيهاش أي مفاجأة: “فاطمة بعتتك ليا؟”
“أمي أخدوها.. وجوزي يموت.. وبنتي بتموت في إيدي!” صرخت وأنا بحط مريم على الكنبة الجلد اللي قدامه. “أرجوك قولي إيه اللعنة دي؟ هما قالوا إنها مش سرطان.. قالوا إنها طفرة بيطوروها من 28 سنة!”
الدكتور قام ببطء، وقرب من مريم، رفع تيشيرتها ولمس بطنها، ووشه اتغير تماماً.. الخوف ظهر في عينيه.
“شاكر.. أبوكي الحقيقي مكنش مريض يا ليلى،” الدكتور قال وهو بيمسح على راس مريم. “شاكر في سنة 1998 كان شغال في مشروع بحثي سري تابع للمنظمة اللي بتطاردكم دلوقتي. المشروع كان بيحاول يخلق طفرة جينية تخلي خلايا الجسم تتجدد وتعالج نفسها من أي مرض بالاعتماد على مصل مشتق من جينات نادرة. شاكر حقن نفسه بالعينة كنوع من التضحية عشان يثبت نجاحهم.. بس التجربة فشلت، وجسمه بدأ ينتج الخلايا دي بشكل عشوائي ومرعب على شكل ورم بيفرز سائل الجينات.. الورم ده مش بيموت الجسم.. الورم ده بيبني كائن جيني تاني جوه البطن بياكل خلايا الأم!”
جسمي كله اترعش: “يعني إيه؟”
“يعني السائل اللي أمك كانت بتسحبه وتشربه.. مكنتش بتموت بيه نفسها.. هي كانت بتغذي الورم بره جدار بطنها عشان تمنعه إنه ياكل أحشاءها الداخلية! كانت بتضحي بنفسها عشان تعيش أطول فترة ممكنة معاكي!” الدكتور دموعه نزلت وكمل: “المنظمة دي مش عايزه تعالج مريم.. المنظمة دي عايزه تاخد مريم لأن جينات الجيل الثالث هي الجينات الوحيدة اللي الطفرة فيها استقرت.. بنتك هي المفتاح اللي بقالهم 28 سنة بيحاولوا يوصلوا له عشان يخلقوا مصل الخلود للأثرياء بره مصر.. بنتك بالنسبة لهم مش طفلة.. دي ثروة بمليارات!”
“أنا ميهمنيش كل ده!” صرخت بانهيار وهزيت الدكتور من كتافه: “أنقذ بنتي! شيل الورم ده منها!”
الدكتور بصلي بحزن شديد وقال: “عشان أشيله.. لازم جينات الجيل الثاني.. لازم أمك! المصل المضاد مبيتركبش إلا من دم الجيل الثاني والجيل الثالث مع بعض.. لو أمك ماتت أو المنظمة أخدت دمها وسافرت بيه.. مريم هتموت خلال 24 ساعة لأن الخلايا هتاكل جسمها بالكامل.”
في اللحظة دي.. سمعنا صوت عربيات كتير بتقف تحت العمارة، وصوت ضرب نار في الشارع.
الدكتور جري على الشباك وبص برعب: “وصلوا هنا.. عرفوا المكان!”
لف ليا بسرعة وفتح درج المكتب وطلع منه سرنجة فيها سائل شفاف: “ده مصل مؤقت.. هيوقف نشاط الخلايا في بطن مريم لمدة 12 ساعة بس.. بعد الـ 12 ساعة دول، لو مأخدتش المصل النهائي من دم أمك.. بنتك هتنفجر من الجوه.”
أخدت السرنجة منه وإيدي بتترعش، وغرزتها في بطن مريم مباشرة زي ما كنت بشوف أمي بتعمل. مريم طلعت نفس طويل وهديت، والبروز اللي في بطنها اختفى تماماً كأنه مكنش موجود.
الدكتور زقني ناحية باب خلفي في العمارة بيطلع على ممر جانبي: “اطلعي من هنا يا ليلى.. المنظمة واخدة أمك في مقرهم السري في المستشفى القديم المهجور على طريق السويس.. عندك 12 ساعة بس.. يا إما تقتحمي المكان وتنقذي أمك وتاخدي دمها.. يا إما تجهزي نفسك لدفن بنتك!”
خرجت للممر الضلمة وأنا شيلة مريم، الهوا الساقع كان بيخبط في وشي، والساعة في إيدي بدأت تعد تنازلي.. 12 ساعة.. 12 ساعة عشان أتحول من مجرد أم عادية لقاتلة ومقتولة.. عشان أدخل عرين الضباع اللي دمروا عيلتي من سنة 1998، وأرجع بأمي.. أو أدفن بنتي بمسؤليتي.

