قبل ما أمي تتوــ,,ــــفي بشهر ج1
قبل ما أمي تتوــ,,ــــفي بشهر… اعترفتلي إن ليا 3 إخوات أغنيا عايشين في القاهرة.
فشلت الشنطة البلاستيك المقلمة بتاعتي، وركبت أتوبيس، وطلعت أدور عليهم… لكن أول ما دخلت القسم وقلت أساميهم، الضباط بصّوا لي كأني مجنونة.
لأن أخويا الكبير كان واحد من أشهر رجال الأعمال في مصر…
والتاني نجم سينما معروف…
والتالت أشهر جيمر وستريمر في البلد كلها.
أمي استنت لآخر شهر في عمرها عشان تقولي الحقيقة.
الحقيقة اللي مخبياها أكتر من عشرين سنة.
— “يا خريف… إنتِ ليكي 3 إخوات ولاد.”
كنت قاعدة جنب سر,,ـــــيرها، بقشر يوسفي، والمطر بيخبط على سقف البيت الصاج بتاعنا في البلد.
افتكرت السخونية مخلياها تهلوس.
لكنها مسكت إيدي بقوة.
— “أنا مش بخرف… هما موجودين فعلًا.”
وبعدين حكتلي كل حاجة.
قالت إن أبويا كان من عيلة غنية جدًا.
ولما حصلت مشاكل بينهم وهما بيتطلقوا، عيلته أخدت الولاد التلاتة لأن أمي ماكنش معاها فلوس ولا شغل.
— “قدرت آخدك إنتِ بس… لأنك بنت. هما طول عمرهم ما كانوش شايفين غير الولاد.”
عمري ما شفت أمي بتعيط بالشكل ده.
ولا حتى يوم ما عرفت إنها عندها سرطان.
— “يا خريف… بعد ما أمــ,,ـــــوت… دوري عليهم.”
ودي كانت آخر حاجة مهمة طلبتها مني.
بعد الدفــ,,ـــــنة بأيام، لمّيت هدومي في شنطة البلاستيك المقلمة الكبيرة، وخدت الورقة اللي كاتبة فيها أسامي إخواتي، وطلعت القاهرة.
لكن أول ما وصلت… اتخضيت.
الدنيا زحمة بشكل مرعب.
عربيات.
صوت كلاكسات.
ناس كتير.
عمارات ضخمة.
وأنا أصلًا بالكاد بعرف أتحرك لوحدي برا بلدنا الصغيرة.
فافتكرت الحاجة الوحيدة اللي كانوا بيعلموهالنا في المدرسة:
“لو اتزنقت… دور على أمين شرطة.”
دخلت القسم، وأنا حاضنة الشنطة البلاستيك بإيديا الاتنين، واديت الظابط شهادة ميلادي والورقة اللي عليها الأسامي.
في الأول كان هادي.
لكن أول ما قرا الاسم الأول… رفع عينيه وبصلي.
وبعدين قرا التاني.
ثم التالت.
وفجأة وشوش كل الظباط اتغيرت بطريقة غريبة جدًا.
كأني قلتلهم إني بنت رئيس الجمهورية الضايعة.
واحد منهم سألني ببطء:
— “إنتِ متأكدة إن دول إخواتك؟”
فضلوا ساكتين شوية.
وبعدين ظابط مسك التليفون بسرعة واتصل بحد.
أنا ماكنتش فاهمة حاجة.
لحد ما ظابطة ست قربت مني وسألتني:
— “إنتِ أصلًا تعرفي هما مين؟”
هزيت راسي.
هي تقريبًا ضحكت من الصدمة.
— “أخوكي الكبير صاحب شركة استثمارات من أكبر الشركات في مصر.”
حسيت مخي وقف.
— “والتاني؟”
— “ممثل مشهور جدًا.”
— “والتالت؟”
— “ستريمر وجيمر… عنده ملايين المتابعين.”
بصيت لهم وأنا متأكدة إنهم غلطانين.
أنا جاية من بلد الميه فيها بتقطع كل أسبوع.
إزاي الناس دي تبقى عيلتي؟
لكن كل الورق كان مطابق.
وفي الآخر قالولي إنهم كلموا الأخ الكبير… وإنه جاي ياخدني بنفسه.
فقعدت قدام القسم، ماسكة شنطتي المقلمة.
وكان واقف جنبي شاب أصلع، دراعاته كلها تاتو، وشكله ابن مشاكل.
بصلي وقال:
— “إنتِ كمان مستنية حد؟”
هزيت راسي.
— “أنا داخل خناقة جامدة وبعت واحد المستشفى.”
ماعرفتش أرد، فاكتفيت بابتسامة صغيرة.
فضل يتكلم كأننا أصحاب من زمان.
— “بس عادي… المعلم بتاعي معاه فلوس وهيبعتلي عربية تيجي تاخدني.”
وفعلًا، عربية رينج روفر سودا وقفت قدام القسم.
ابتسم بفخر.
— “شايفة؟ دي عربيتي.”
وبعدين بص على شنطتي البلاستيك وضحك.
— “وإنتِ؟ أهلك جايين ياخدوكي بإيه؟”
رديت بصدق:
— “ماعرفش… أنا عمري ما شفت إخواتي.”
بصلي بنظرة غريبة كأنه اتعاطف معايا فجأة.
— “طب لو حابة… أوصلك بعدين ونشرب قهوة.”
ساعتها فهمت إنه بيعاكسني.
كنت لسه هرد…
لما عربية تانية لفّت من آخر الشارع.
وفجأة الواد اتخنق حرفيًا.
— “يا نهار أبيض… رولز رويس نسخة محدودة!”
حتى الظباط بصوا ناحيتها.
العربية السودة الفخمة وقفت بهدوء قدامي مباشرة.
الباب اتفتح…
ونزل راجل طويل جدًا، شيك بشكل يخوف، ووسيم بطريقة مستفزة.
كان باصص في صورة على موبايله.
وبعدين رفع عينه عليا.
على الهودي القديم.
وعلى الشنطة البلاستيك المقلمة.
وعلى الجزمة المغبرة من السفر.
الصمت استمر ثانيتين.
لحد ما سأل بصوت هادي قوي:
— “إنتِ خريف الصاوي؟”
وقبل حتى ما أرد…
الباب الخلفي اتفتح بعنــ,,ـــــف، ونزل منه أشهر ستريمر في مصر كلها وهو بيصرخ بجملة خلت كل الظباط يتجمدوا مكانهم…
ونزل منه أشهر ستريمر في مصر كلها وهو بيصرخ بجملة خلت كل الظباط يتجمدوا مكانهم:
— “يا نهار أسود! دي شبه أمي بالملي! الكاميرا دي مش بتكذب يا جدعان، البنت دي أختنا فعلاً!”
كان ماسك موبايله في إيده، ومثبته على حامل صغير، وبيعمل بث مباشر لجمهوره اللي بالملايين. الأخ الكبير، رجل الأعمال، التفت له بعصبية ونهر بصوت واطي ومخيف:
— “اقفل القرف ده يا مازن! احنا مش في السايبر هنا، احنا قدام قسم شرطة، ولم نفسك عشان الفضائح!”
في اللحظة دي، الباب التالت للعربية اتفتح، ونزل منه الأخ الممثل المشهور. كان لابس نظارة شمس سودا خبت نص وشه، لكن هيبته وحركته خلت الناس في الشارع تتلفت. قلع النظارة ببطء، وبصلي بنظرة مليانة مشاعر متلخبطة؛ صدمة على حزن على ذهول. قرب مني خطوتين وقال بصوته الرخيم اللي بسمعه في التلفزيون:
— “أنا مش مصدق.. أمي عاشت وعمّرت فيكِ يا خريف. نفس العينين ونفس الملامح.”
الواد الأصلع أبو تاتو اللي كان واقف يعاكسني، سيكارته وقعت من بوقه وهو بيبصلي ويبص للعربية الـ “رولز رويس” وللثلاثة اللي مكسرين الدنيا في مصر. بلع ريقه ورجع لورا خطوتين وهو مش مستوعب إن البنت اللي شايلة شنطة بلاستيك مقلمة تطلع أخت العمالقة دول.
الأخ الكبير قرب مني، وبمنتهى الرقي وطي مسك الشنطة البلاستيك بتاعتي بإيده اللي فيها ساعة تمنها يبني بيوت في بلدنا. بص في عيني وقال:
— “أنا آسر الصاوي.. أخوكي الكبير. يلا بينا من هنا، القعدة دي مش مقامك ولا مقامنا.”
ركبت معاهم العربية الفخمة. الكراسي الجلد كانت ناعمة لدرجة إني خفت أوسخها بهدومي. قعدت في النص بين مازن الستريمر، وطارق الممثل، وآسر كان قاعد قدام جنب السواق وعينه عليا طول الوقت من المراية.
طول الطريق، مازن ما بطلش كلام وهو بيتحرك بحماس:
— “أنا مش مستوعب! يعني طول السنين دي أبويا مفهمنا إن أمي ماتت وإحنا صغيرين، وتطلع عايشة في البلد ومعاها أختنا؟ وليه سابتنا أصلاً؟”
طارق رد عليه بحزن وضيق:
— “لأن عيلة أبوك مكانش بيهمها غير المظاهر والولاد اللي يشيلوا الاسم. طلقوها ورموها، وأخدونا منها بالقوة والفلوس. أمي ما ماتتش غير من قهرها يا مازن.”
آسر قاطعهم بصوت حازم صامت:
— “الكلام ده مش وقته ولا مكانه. خريف تعبانة من السفر. نوصل البيت الأول وبعدين نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي أبوكم داراها عننا طول عمره.”
العربية دخلت منطقة هادية جداً في التجمع الخامس، ووقفت قدام قصر ضخم محاط بجناين مفيش في جمالها. أول ما دخلنا من الباب، لقيت الخدم واقفين صفين. آسر التفت للشغالة الكبيرة وقالها:
— “جهزي الجناح الشرقي لآنسة خريف، وشنطتها دي تطلع فوق بحرص.”
مازن ضحك وقال:
— “شنطة إيه يا عم آسر! دي الشنطة دي لازم تتحط في متحف، دي الشنطة اللي جابتلنا أختنا!”
طارق قرب مني وطبطب على كتفي:
— “ادخلي ارتاحي وغيري هدومك، واحنا مستنيينك تحت عشان ناكل سوا ونفهم كل حاجة.”
طلعت الجناح بتاعي، وكان أكبر من بيتنا كله اللي في البلد. فتحت الشنطة البلاستيك، وطلعت منها جلابية قطن بسيطة من بتاعة زمان، لبستها وقعدت على السر,,ـــــير وأنا حاسة إني في حلم وخايفة أصحى منه.
بعد ساعة، نزلت لهم تحت. كانوا قاعدين على ترابيزة سفرة طويلة مليانة أكل عمري ما شفت زيه. أول ما شافوني بالجلابية البسيطة، آسر ابتسم ابتسامة هادية، وطارق شدلي الكرسي عشان أقعد.
بدأنا ناكل في صمت، لحد ما آسر ساب الشوكة والسكــ,,ـــــينة، وبصلي بجدية شديدة وقال:
— “خريف.. إحنا عرفنا من المحامي إن الورق كله سليم، وإنتِ فعلاً أختنا شرعاً وقانوناً. لكن في حاجة أمي ما لحقتش تقولها لكِ قبل ما تمــ,,ـــــوت، وللأسف الحاجة دي هي سبب الأزمة الكبيرة اللي احنا فيها دلوقتي.”
قلبي انقبــ,,ـــــض، وسيبت الأكل وبصيت له بقلق:
— “حاجة إيه؟”
آسر اتنهد وبص لطارق ومازن، وبعدين رجع بصلي وقال بصوت واطي:
— “أبويا قبل ما يمــ,,ـــــوت من سنة، كتب في وصيته شرط غريب جداً ومحدش كان فاهمه وقتها.. الشرط بيقول إن ثروة الصاوي كلها، الشركات والبيوت والأملاك، مش هتتقسم ولا حد فينا هيقدر يتصرف في مليم منها، إلا إذا ظهرت البنت.. وبصم طليقته!”
مازن كمل وهو بيخبط على الترابيزة:
— “يعني من غير بصمة أمي أو بصمتك إنتِ كبنتها ووريثتها، احنا الثلاثة مهددين بالإفلاس خلال شهر واحد، لأن البنوك هتحجز على كل حاجة بسبب ديون الشركات اللي أبويا سابها!”
طارق بصلي وعينيه مليانة توتر:
— “وفي شخص رابع عرف بموضوع وصولك القسم، والشخص ده مش عايزك تطلعي من القصر هنا حية عشان الثروة كلها تروح له هو..”
سألت والرعب بدأ يتسلل لقلبي:
— “شخص رابع؟ شخص رابع مين اللي مش عايزني أطلع حية؟”
آسر اتنهد وسند ضهره لورا على الكرسي، وملامحه بقيت أشد حدة:
— “عمنا.. عاصم الصاوي. الراجل ده طول عمره عينه على شقى أبويا وشقانا. هو اللي كان بيحرض أبويا زمان عشان يحرم أمي مننا ويطردها للبلد وماتاخدش معاها مليم. عاصم عارف بند الوصية كويس، وعارف إن لو الشهر ده عدي من غير ما تمضي وتبصمي على الأوراق القانونية اللي بتثبت وجودك وتفك الحجز عن الأملاك، الشركات كلها هتفلس، والوصية بتقول إن في حالة إفلاس الشركات أو عدم ظهور البنت، الإدارة والأملاك كلها بتتنقل له هو قانوناً بصفتها ‘أصول متعثرة لعائلة الصاوي’.”
مازن رمى شوكته على السفرة بنرفزة:
— “الراجل ده حية يا خريف.. أول ما عرف إنك وصلتي القسم، تليفونات مكتب آسر مابطلتش رن. كان بيعرض ‘حمايتك’.. وطبعاً احنا فاهمين حمايته دي معناه إيه.. معناها يخدك عنده، ويمضيكي على تنازل عن كل حاجة، وبعدها يختفي أثرك.”
طارق مسك إيدي المحفورة من شقى الغيط والبيوت البسيطة، وقال بنبرة حنينة بس مرعوبة:
— “احنا مش هاممنا الفلوس يا خريف، آسر كدا كدا شغال، وأنا بتمثيلى، ومازن من السوشيال ميديا بنعمل فلوس.. بس احنا مش هنسمح للراجل ده يؤذيكِ، ولا ياخد ورث أمك اللي اتظلــ,,ـــــمت طول حياتها بسبب جشعه.”
في اللحظة دي، وقبل ما أستوعب كلامهم، سمعنا صوت كلاكسات وعربيات كتير وقفت برة القصر، وصوت حركة غريبة وحراس بيتكلموا بزعيق عند البوابة الخارجية.
آسر وقف فجأة، ووشه بقى زي الخشب. طلع مسدس صغير من درج المكتب اللي جنب السفرة وحطه في جيبه، وبص لطارق ومازن وقال بأمر:
— “طارق.. خد خريف واطلعوا على الجناح فوق، واقفلوا الباب بالترباس. مازن.. افتح اللاب توب بتاعك وشغل كاميرات المراقبة المحيطة بالقصر، وخلّيك مستعد تذيع أي حاجة ‘لايف’ لو الأمور خرجت عن السيطرة. عمكم جه.. ومعاه رجالة كتير.”
جسمي كله كان بيترعش وأنا طالعة السلم مع طارق اللي كان بيحاول يطمني وهو نفسه عرقان من التوتر. دخلنا الأوضة وقفلنا الباب، ووقفت ورا الشباك الأزاز أبص من ورا الستارة على الجنينة برة.
لقيت تلات عربيات دفع رباعي سودا، نزل منهم حراس ببدل، وفي النص كان واقف راجل عجوز شعره أبيض كله، لابس عباية صعيدي شيك جداً وفوقيها شال كشمير، وماسك في إيده عصاية أبنوس براس دهب. كان بيبص لواجهة القصر بابتسامة ثقة تخوف.
الباب الأرضي للقصر اتفتح، ونزل آسر وقف على السلم الخارجي بكل شموخ، وحط إيديه في جيوبه وقال بصوت هز المكان:
— “نورت يا عمي.. بس أظن المواعيد دي مش بتاعة زيارات عائلية. إيه اللي جابك وجايب رجالتك معاك في وقت زي ده؟”
عاصم الصاوي ضحك ضحكة قوية، ورفع عصايته وشاور بيها على القصر وقال:
— “جيت آخد أمانتي يا ولد أخويا.. البنت اللي لسه واصلة من البلد بشنتها البلاستيك. البنت دي متلقحة في وسطكم هنا وهي ماتعرفش عنكم حاجة، وأنا أولى بيها.. أنتم لسه عيال طايشة، وأنا اللي هعرف أحافظ على لحمنا.. وعلى ورث أبوكم!”
آسر ما اتهزش شعرة، وقرب خطوة وقال بنبرة فاحمة:
— “لحمنا؟ دلوقتي افتكرت إنه لحمك؟ البنت دي أختنا، ومش هتشم ريحتها يا عاصم يا صاوي.. وخطوة واحدة جوة الأرض دي، وهعتبرها تعدي على ملكية خاصة، والبوليس لسه عارف مكانها.”
عاصم ابتسامته اختفت، وملامحه اتطفت وبقت قاسية زي الحجر، وقال بصوت فحيح وصل لحد عندي فوق في الشباك:
— “البوليس ملوش دعوة ببيت الصاوي يا آسر.. أنا هادخل، وهآخد البنت، وبصمتها هتتحط على الورق الليلة دي برضاها أو غصب عنها.. وريني بقى ه تمنعني إزاي؟”
وفجأة، تلاتة من حراس عاصم طلعوا أسلحة من تحت الجواكت، وبدأوا يتقدموا ناحية السلم اللي واقف عليه آسر لوحده! تابعو صفحه رومانى مكرم
في اللحظة اللي حراس عاصم رفعوا فيها السلاح، آسر ما اتهزش، بل بالعكس.. ملامحه بقيت هادية بشكل مرعب. رفع إيده الشمال وشاور بإصبعه للسواق بتاعه اللي كان واقف بعيد. وفجأة، اشتغلت كشافات القصر كلها مرة واحدة، ونورها اتقد في وش رجالة عاصم لدرجة إنهم غموا عينيهم وحطوا إيديهم على وشوشهم من شدة الإضاءة.
ومن ورا سور الجنينة، ظهر حوالي عشرة من رجالة الأمن بتوع شركة آسر، ومحاوطين المكان كله.
في نفس الوقت، الباب اللي جنبي في الأوضة اتفتح ودخل مازن وهو شايل اللاب توب في إيده، وعينيه بتلمع بانتصار. بص لطارق وبصلي وقال بصوت واطي ومتحمس:
— “آسر مرتب كل حاجة! أنا طلعت ‘لايف’ حالا على صفحتي.. وفي تلاتين ثانية بس كان فيه مية ألف بني آدم بيتفرجوا. أنا موجه كاميرا الموبيل من الشباك التاني وكاشف عمي ورجالته بالأسلحة.. مصر كلها شيفاهم لايف دلوقتي!”
طارق ساب إيدي وجري على الشباك وبص لبرة، ولقينا آسر بيعلي صوته وبيقول لعاصم ببرود مستفز:
— “نزلوا السلاح ده يا رجالة.. إحنا لايف على السوشيال ميديا، وفي أكتر من مية ألف واحد شايفين وشوشكم دلوقتي وعارفين أساميكم.. وعشر دقايق بالظبط والوزارة كلها هتبقى هنا.”
عاصم الصاوي بص لرجالته، وبعدين بص لآسر بغل مكتوم. كان واضح إنه ماحسب حساب إن العيال الصغيرة دي بقوا بالقوة والذكاء ده. ضــ,,ـــــرب العصاية الأبنوس بتاعته في الأرض بكل غيظ وقال بصوت حاد:
— “فاكر نفسك ذكي يا آسر؟ فاكر إن الكاميرات دي هتحميكم مني؟ الثروة دي بتاعتي أنا.. وأبوكم الله يرحمه كتب الشرط ده وهو مش في وعيه، وأنا مش هسيب شقى عمري يروح لبت جاية من الفلاحين بشوال بلاستيك!”
آسر رد عليه ونبرة صوته اتغيرت وبقت قوية ومرعبة:
— “البت دي أختنا.. وضفرها برقبتك ورقبة رجالتك كلهم. اطلع برة بيتي يا عاصم، وإلا المرة الجاية مش هتشوفني واقف بتكلم معاك.. هتشوفني وأنا باخد حق أمي وحقنا منك بالقانون وبإيديا.”
عاصم رجع لورا خطوتين، وبص لفوق ناحية الشباك اللي احنا واقفين وراه. نظرته كانت مليانة شر وتوعد، كأنه بيحفر ملامح وشي في ذاكرته. شاور لرجالته وقالهم:
— “ارجعوا.. يلا بينا.”
ركبوا العربيات بتاعتهم ولفوا بسرعة جنونية وخرجوا من البوابة، وسابوا وراهم تراب مغطي المكان وهدوء غريب رجع للقصر تاني.
بعد كام دقيقة، الباب اتفتح ودخل آسر. كان قالع الجاكيت وساند ضهره على الباب، ووشه باين عليه الإرهاق الشديد لكن عينيه كانت مليانة إصرار. قرب مني وقعد على كرسي قدام السر,,ـــــير، وبصلي بحنان وقال:
— “خريف.. أنا أسف إنك شوفتي المنظر ده في أول يوم ليكي هنا. بس كان لازم يفهم إنك مش لوحدك، وإن ليكي ضهر.”
هزيت راسي ودموعي نزلت:
— “أنا خايفة.. أنا طول عمري عايشة في حالي، وأمي مكنتش بتقولي غير إنكم عايشين وناجحين. مكنتش أعرف إن فيه دم ومشاكل وفلوس كتير كدا.. أنا مش عايزة الفلوس دي يا آسر، أنا عايزة أرجع بلدي.”
آسر مسك إيدي الاتنين وقال بنبرة حاسمة:
— “مش هترجعي يا خريف.. مكانك هنا وسط إخواتك. وعشان نقفل الصفحة دي خالص، ونحمي نفسنا ونحمي حق أمك.. المحامي هيجي هنا الصبح بدري، معاه كل ورق الوصية وفك الحجز عن الأملاك. هتمضي وتبصمي، وبكدا الثروة كلها هتبقى تحت إيدينا، وعاصم مش هيبقى ليه أي حق قانوني يطالب بمليم، والشركات هتطلع من أزمتها.”
مازن قرب وقال بابتسامة يحاول يطمني بيها:
— “وبعدها بقى يا ستي.. هاخدك معايا الاستوديو بتاعي، وهعلمك إزاي تلعبي وتطلعي معايا لايف.. المتابعين بتوعي قالبين الدنيا وعايزين يتعرفوا عليكي!”
طارق ضحك وقال:
— “تطلع لايف إيه يا ابني أنت.. دي هتيجي معايا بكره التصوير وتشوف اللوكيشن.”
ابتسمت وسط دموعي وأنا حاسة لأول مرة بدفا العيلة اللي انحرمت منه عشرين سنة.
تاني يوم الصبح.. الشمس طلعت، ودخلت الشغالة تصحيني وتقولي إن المحامي وصل وقاعد تحت مع إخواتي ومستنيينني. لبست الهدوم الجديدة الشيك اللي طارق اشتراهالي بالليل، ونزلت السلم وأنا حاسة بثقة لأول مرة.
قعدت على السفرة، والمحامي كان راجل عجوز بوقار شديد، فتح الشنطة الجلد بتاعته وطلع ورق كتير مكتوب بصيغة قانونية معقدة. بصلي وقال:
— “آنسة خريف.. الورق ده فيه إقرار بنسبك، وتنازل من الورثة ليكي عن نصيبك الشرعي في الشركات، وبصمتك هنا هي اللي هتفك الحجز وتحول كل الأصول لإخواتك وليكي.”
آسر شاورلي بالقلم، وحط علبة الحبر قدامي. مسكت القلم وإيدي بتترعش، وبصيت لإخواتي التلاتة اللي كانوا واقفين حواليا وعليهم علامات القلق والترقب.. كأن حياتهم ومستقبلهم كله واقف على اللحظة دي.
مضيت اسري على تلات نسخ، وبعدين حطيت إصبعي في الحبر وبصمت على الورق.
المحامي ابتسم وجمع الورق وحطه في الشنطة وقفلها بقفل رقمي، وبص لآسر وقال:
— “مبروك يا آسر بيه.. كدا الأملاك كلها بقت في الأمان، والشركات خرجت من خطر الإفلاس، وعاصم الصاوي ملوش مليم برة ولا جوة.”
كلنا اتنفسنا الصعداء، ومازن حــ,,ـــــضن طارق من الفرحة، وآسر ابتسم وبصلي بنظرة فخر.
لكن الفرحة دي ما كملتش دقايق..
تليفون المحامي رن بصوت عالي ومزعج. الراجل رد، وفي ثواني وشوش ملامحه اتغيرت تماماً، واللون هرب من وشه، وبص لآسر بنظرة رعب حقيقية وقال بصوت بيترعش:
— “آسر بيه.. الحق.. المحكمة المستعجلة لسه مطلعين قرار حالا بناءً على بلاغ وورق جديد قدمه عاصم الصاوي من ساعة بالظبط!”
آسر وقف وفجأة الزعيق ملى المكان:
— “ورق إيه وزفت إيه؟ احنا مضينا خلاص!”
المحامي بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:
— “عاصم قدم شهادة صحية رسمية من المستشفى بتقول إن والدتكم الله يرحمها.. مكنتش في وعيها ولا بكامل قواها العقلية لما ولدت خريف وسجلتها، وإن خريف الصاوي.. مش أختكم من الأب أصلاً!”….تابع الجزء الثاني
