المطبخ ج2 حكايات رومانى مكرم
طلعت موبايلي، وكنت مجهزة المفاجأة اللي هتقلب الموازين. في اليوم اللي فات، لما سمعت مكالمة حماتي مع “أم فهد” السمسارة، ما سكتش.. أنا كنت مشغلة مسجل الصوت على تليفوني القديم وحطاه جنب شنطتها وسجلت المكالمة كاملة، صوت وصورة للشنطة والصوت طالع منها بوضوح.
شغلت التسجيل قدام ممدوح.
صوت “أم فهد” وهو بيقول: “كل ما تزنقها في مصاريف العزومات.. كل ما هيطلب البيع أسرع.. المشتري جاهز يدفع كاش في الشقة.. ونصلحه على بنتي هند”.
الناس بدأت توصل، أعمامه وولادهم، الصالة اتملت، وحماتي كانت قاعدة على رأس المجلس تتكلم بفخر وكأنها هي اللي دافعة تمن العزومة من جيبها. ممدوح خرج وسلم عليهم، لكن نظراته لأمه كانت متغيرة تمامًا، كانت نظرات مكسورة ومليانة عتاب وغضب مكتوم.
أذن المغرب، وبدأنا ننقل الأكل للسفرة. السفرة كانت حرفيًا “ملكّية”، أصناف وألوان من كل ما لذ وطاب. حماتي كانت بتبص للأكل وعينها بتلمع، وبتقول لأعمام ممدوح:
– كلوا يا جماعة، ممدوح ومراته مجهزينلكوا الأصناف دي مخصوص، ممدوح مبيستخسرش في أهله حاجة واشتراكم بكل غالي.
الكل سكت وسابوا الأكل من إيديهم وبصوا لي باستغراب. عم ممدوح الكبير قال:
– يعني إيه يا بنتي مدفوعة الأجر؟ ممدوح اللي عازمنا ولا حد تاني؟
التفت لحماتي اللي ملامح وشها بدأت تتغير وقالت بارتباك:
– إيه الكلام الفاضي ده يا بت أنتِ؟ اطلعي على مطبخك!
لكن أنا مكنتش هتحرك. طلعت الموبايل ووصلته بسماعة البلوتوث الكبيرة اللي في الصالة، وبصيت للكل وقلت:
– العزومة دي، والعزومات اللي فاتت كلها، مدفوعة من عمولة الشقة اللي حماتي اتفقت مع السمسارة “أم فهد” إنها تبيعها من ورايا أنا وممدوح. اتفضلوا اسمعوا بنفسكم عشان تعرفوا كرم حماتي جاي على حساب مين!
ضغطت على زرار التشغيل، وصوت حماتي وصديقتها السمسارة رج الصالة كلها.. الخطة كاملة، الكلام عن خراب البيت، الديون، بيع الشقة كاش، وطردي من البيت وتزويجه من هند.
الذهول حل على المكان، الأكل وقف في زور الكل، وحماتي وقفت وفجأة وشها بقا زي الدم، وعينها زاغت وهي شايفة نظرات أعمام ممدوح اللي اتحولت لغضب واحتقار، ونظرة ممدوح ليها اللي كانت كفيلة تنهي كل حاجة.
عمّ الصمت أرجاء الصالة، صمت قاتل لم يكن يقطعه سوى أنفاس حماتي المتسارعة وصوت التسجيل الذي انتهى ليعيد نفسه في أذهان الجميع كأنه كابوس. تحولت نظرات أعمام ممدوح من الصدمة إلى الاحتقار الشديد، فالعادات والتقاليد وصيانة البيوت في عائلتهم لا تقبل مثل هذا الغدر، خاصة وإن كان الآتي من الأم تجاه ابنها وزوجته.
وقف عم ممدوح الكبير، الحاج عبد الرحمن، وجسده ينتفض من الغضب. نظر إلى حماتي وقال بنبرة حادة هزت جدران المكان:
– بقى دي عوايدك يا أم ممدوح؟ جايبانا وجايبة أهلك عشان تداري وراهم خطة لمص دم ابنك وخراب بيته؟ إحنا نيجي ناكل في بيت ابننا ونهنيه، مش نيجي نكون السكــ,,ـــــينة اللي بتقطعي بيها رقابته ورقابة مراته!
حاولت حماتي أن تتدارك الموقف، تلعثمت الكلمات في فمها، واصطبغ وجهها بحمرة الخجل والغل معًا. نظرت إليّ وصرخت بصوت مرتعش:
– بتفتري عليا! ده تسجيل متفبرك.. البت دي عايزة تقلبكم عليا وتوقع بيني وبين ابني! ممدوح.. أنت هتصدق الغريبة دي وتكذب أمك؟
التفت الجميع نحو ممدوح، الذي كان واقفًا كالصنم، وعيناه مصلبتان على الأرض. الدموع التي كانت تحتبس في عينيه جفت، وحل محلها برود مخيف. خطى خطوات بطيئة نحو أمه، ونظر في عينيها مباشرة، وبصوت منخفض لكنه يحمل قوة لم أعهدها فيه من قبل، قال:
– التسجيل مش متفبرك يا أمي.. لأن الشنطة دي بتاعتك، والتليفون ده تليفونك، والكلام ده اتقال وأنا طالع عيني في الشوارع بلف على أصحاب المحلات عشان يرضوا يدوني أكل بالدين عشان أكرم ضيوفك.. ضيوفك اللي كنتِ بتستغلي وجودهم عشان تكسري ضهري.
ثم التفت إلى أعمامه وقال بمرارة:
– نورتوني يا عمامي، على راسي من فوق، والأكل ده حقكم.. لكن أنا بيتي كان بيتهد تحت رجليا وأنا مش داري.
هنا، لم تحتمل حماتي المواجهة. خطفت حقيبتها وعباءتها بعنــ,,ـــــف من على المقعد، ونظرت إليّ بنظرة تشتعل غيظًا وتوعدًا، وقالت وهي تتجه نحو الباب:
– ماشي يا ندى.. بقا حتة بت حتة وعايزة تكسري هيبتي قدام قرايبي؟ وعهد الله ما هسيبك، والبيت ده مش هتعمري فيه يوم واحد!
خرجت حماتي وصوت رزع الباب خلفها زلزل أركان الشقة. ساد هرج ومرج بين الضيوف، وحاول أعمام ممدوح تهدئته، لكن النفس لطعام العزومة كانت قد سُدت تمامًا. غادر الأعمام وعائلاتهم تباعًا بعد وقت قصير، وهم يدعون لممدوح بالصلاح والستر، ويعتذرون عما بدر من والدته.
