النص بالنص ج3 للكاتبة نرمين عادل همام

ج3

“ابعد من الباب يا شريف”، حماتي ثريا هي اللي قالتها بلهجة حاسمة وقوية متقبلش النقاش. زعق شريف وهو باصصلي بغل وعينيه بتطق شرار: 

— الموضوع ده بيني وبين مراتي، ومحدش ليه دعوة بينا! ردت عليه أمه بقرف وهي بتزقه: 

— مابقتش مراتك من اللحظة اللي زورت فيها إمضاءها وكلت حقها وحق أبوها الميت! اتقي الله بقى وسيبها في حالها!

لأول مرة في حياتي ومن يوم ما عرفته، شوفت الخوف الحقيقي في عينيه. مكنش خوف من إنه يخسرني أنا كبني آدمة أو يزعل على فراقي، لأ.. كان رعب قاتل من إنه يخسر الشقة التمليك اللي في التجمع، والشقة دي، والفلوس، والوجاهة الاجتماعية والحياة الفاخرة اللي بناها كلها على قفايا ومن شقايا ودم قلبي.

كنت متبتة في حقيبتي اللي فيها الأدلة والملفات والسي دي كأنها حياتي. شريف حاول يهجم عليا وينتزعها مني بالعافية، بس المحامي وقف في وشه وبمنتهى الحزم منعه وقاله: “لو مديت إيدك عليها هطلبلك النجدة حالا وهتبقى جناية اعتداء وتزوير”. وفي ثانية، كانت الحاجة ثريا طلعت تليفونها وطلبت شرطة النجدة وبلغت عن اعتداء.

أول ما شريف لقاها قلبت جد، اتراجع وهو بيبرطم. استغليت الفرصة وخرجت فوراً وأنا شدا شنطي في إيدي، وماسكة حبل الكلب “بوجي” في الإيد التانية، وحاضنة نسخة عقد ملكية الشقة في صدري وكأنني بستر بيها كرامتي اللي اتهانت.

في الليلة دي، رحت على شقة أمي القديمة في شبرا. قعدنا أنا وهي على الكنبة والذهول مسيطر علينا، وبدأنا نراجع كل الأوراق والوثائق اللي خرجت بيها. أمي أول ما شافت خط وإمضاء بابا الله يرحمه على العقود القديمة،

انهارت وعينيها غرقت في الدموع. فضلت تبكي بحرقة، وبعدين قامت وسابتني ودخلت الأوضة، ورجعت وهي شايلا في إيدها علبة صفيح قديمة مصدية، كانت مخبياها في قاع الدولاب من سنين طويلة.

الكاتبة نرمين عادل همام

حطت العلبة قدامي وقالت بصوت مخنوق بالندم: 

— أبوكي الله يرحمه كان طالب مني أديكِ العلبة دي لما تكبري وتفهمي.. بس شريف الله يجازيه كان دايماً يقنعني ويقولي إن العلبة دي فيها أوراق ديون ووصولات أمانة على أبوكي ولو حد شافها هيحجزوا على الشقة وهتبهدلكوا، وخلاني أخاف وأشيلها ومفتحهاش أبداً.

فتحت العلبة وإيديا بترتعش. كان جواها جوابات قديمة بخط بابا، وإيصالات دفع، وفلاشة كمبيوتر صغيرة لسه بحالتها. قمنا بسرعة وشغلنا الفلاشة على اللابتوب.

أول ملف فتحناه كان عبارة عن فيديو مسجله بابا بنفسه قبل وفاته وهو على سرير المستشفى، كان وشه تعبان بس عينيه كانت صاحية. بابا سجل الفيديو ده كتحذير ليا عشان يحميني،

وذكر فيه بالاسم الشخص الوحيد اللي ساعد شريف، وهو نفس الشخص اللي مهد له الطريق واداله المفاتيح والثغرات عشان يوصل للوصي القديم ويدخل الصندوق ويسرق التركة!

أول ما سمعت الاسم ده من بق بابا، الدنيا دارت بيا ولفت، وحسيت بصدمة شلت تفكيري كله.. الخيانة والسرقة مابدأتش من عند شريف جوزي!

في الفيديو، بابا كان باين عليه التعب والمرض الشديد، وكان خاسس وجسمه نحيف، وقاعد على كرسي جمب شباك المستشفى. قال بصوت واطي ودافي: 

“يا دينا.. لو إنتي بتشوفي الفيديو ده دلوقتي، يبقى أنا غالباً مبقتش موجود عشان أشرحلك بنفسي. الشقة دي بتاعتك يا بنتي، ورثك من شقايا. إياكي تخلي مخلوق يحسسك إنك لازم تكوني ممنونة له عشان بيقعدك في حاجة هي ملكك وحقك الشرعي”.

وبعدها، ذكر اسم عمي “رأفت”، أخو أمي! قال إنه هو اللي كان شاهد على الوصية وعقد الأمانة، وشايل نسخ من كل الوثائق دي معاه. أمي أول ما سمعت الاسم حطت إيدها على بقها بصدمة وذهول:

 — رأفت؟! ده رأفت قالنا وقتها إن كل الأوراق والوصية ضاعت واتحرقت في مكتب المحامي القديم!

تاني يوم الصبح، المحامي طلب عمي رأفت في مكتبه في المهندسين بحجة إن فيه ورق محتاج توقيعه. عمي وصل وهو متوتر وعينيه بتلف في المكان، وأول ما المحامي شغل الفيديو قدامه، وشه جاب ميت لون وتوقف تماماً عن الإنكار والكدب. اتضح إن شريف وصل لعمي رأفت قبل الفرح بكام شهر، وعرف إنه مديون في لعب قمار ومبالغ كبيرة ومهدد بالحبس. 

شريف عرض عليه يسدد له ديونه كلها ويطلعه من أزمته، مقابل إنه يديله نسخ العقود، ويكتب ورقة يقر فيها إن أمي ست جاهلة ومبتفهمش في الإدارة ومتقدرش تدير التركة دي.

وبعدها، شريف استخدم الورقة دي وضغط بيها على الوصي القديم قبل ما يموت عشان يدخله كمعاون ومسؤول عن الحساب.

عمي وشه في الأرض وقال بخزي:

 — أنا قولت هساعدك بس في تظبيط الورق ومكنتش أعرف نية شريف إيه. زعقت فيه بدموع وقهر: 

“ولما عرفت وشوفته وهو بياخد مني إيجار وبيذلني بقاله 6 سنين، سكت ليه؟!” نزل عينه في الأرض ومقدرش يبصلي:

 — كان بيديني قرشين كل شهر من الفلوس عشان يسكتني ومفتحش بقي.

أمي متمالكتش نفسها، قامت من مكانها وضربته بالقلم على وشه، قلم سمع في المكتب كله. بعدين بصت لإيدها وهي بتترعش ومكسوفة من اللي عملته وقالتله:

 — اخرج بره، وإياك تقرب من بنتي أو تعتب بابنا تاني.. إنت مت ومبقاش ليك عيلة.

عمي رأفت وافق تحت التهديد إنه يشهد في النيابة، وسلمنا رسايل متبادلة، ووصولات إيداعات، ونسخة من الاتفاق السري اللي كان كاتب مضمونه مع شريف. طبعاً مَعملش كدة شجاعة منه، هو عمل كدة عشان يحمي نفسه من السجن بتهمة التواطؤ والتزوير.

لمدة أسبوعين كاملين، خبير محاسب قانوني وقضائي قعد يراجع ويفلي كل قرش وكل مليم اتحول في الحساب ده. 

الكاتبة نرمين عادل همام

شريف كان بيحول مبالغ ضخمة من حساب الأمانة لـحسابه الشخصي، وزور إمضاءاتي على تصاريح سحب، واستخدم الشقة دي كضمان عشان يقدم على قرض كبير من البنك، وقدرنا نربط تتبع أموال القرض ده مباشرة بـحساب الشقة اللي اشتراها في التجمع باسمه.

 ومش بس كدة، ده احنا اكتشفنا مصيبة تانية! شريف كان بيبعت تقارير رسمية ومزورة للبنك وللحي بيثبت فيها إني “مستأجرة مأخرة الإيجار ومبيدفعش ومتهربة”، وكان بيجهز قض..ية حجر أو وصاية قضائية مؤقتة عليا بحجة إني غير مؤهلة لإدارة أملاكي بعد سن الثلاثين!

شريف مكنش بس بياخد فلوسي وشقايا، ده كان بيحول تعبي وصبري لـسلا..ح يثبت بيه إني مغفلة عشان يكسرني قضائياً ويقش كل حاجة.

وفي يوم عيد ميلادي التلاتين، بدل ما أروح معاه بره وأمضي على توكيل الإدارة اللي كان مجهزه عشان يسرقني، رحت مكتب الشهر العقاري مع المحامي، ووقعت على إلغاء أي تفويض أو صلاحية قديمة ليه، وقدمنا بلاغ رسمي للنيابة بتهم التزوير، والنصب، وخيانة الأمانة، والإدارة الاحتيالية، وطلبنا تجميد كل الحسابات.

 كان اسمي مكتوب بالكامل وثلاثي في كل صفحة من الشكوى: “دينا أسامة الشناوي”. مكنتش حاسة بفرحة، بس كنت حاسة بهدوء وراحة بال بقالي 6 سنين نساياهم.

في نفس اليوم بعد الظهر، رجعت الشقة ومعايا المحامي، وخبير من المحكمة، ومعانا نجار عشان يغير الأقفال. شريف كان لسه جوه الشقة، وكان قالب الأوضة وحاشر في الشنط الساعات الماركة، وأجهزة اللابتوب، وكل الأوراق المهمة اللي تخصه. أول ما شافنا داخلين ومعانا النجار، وقف في وسط الصالة وزعق بجبروت:

الكاتبة نرمين عادل همام

 — إنتي اتهبلتي يا دينا؟! مفيش قوة في البلد دي تقدر تطردني من هنا.. أنا جوزك وده بيتي!…..يتبع للجزء الاخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *