الليلة الأولى
نرمين همام
قمت من مكاني مذعورة، قلبي يكاد يخرج من صدري، وإذ بي أرى الحاج محسن يجلس في وضعية القرفصاء على حافة السرير، لا ينظر إليّ، بل كان يهمس بكلمات غير مفهومة وكأنها “تمتمات” بلغة غريبة، ويده تتحرك بخفة كأنه يخطُّ شيئاً في الهواء فوق قدمي. مصطفى كان بجانبي، لكنه كان غارقاً في نوم عميق، نوم غير طبيعي وكأنه تحت تأثير مخدر أو سحر.
صرختُ في الحاج محسن: “أنت بتعمل إيه؟ إيه اللي بتلمسه في جسمي ده؟”. توقف الحاج محسن فجأة، التفت لي ببطء شديد، وجهه في ضوء القمر كان يبدو كقناع من الشمع، وعيناه كانتا تلمعان ببريق أصفر غير بشري. قال بصوت بارد: “ببارك لكِ يا عروسة.. وبضمن أنكِ هتكوني “منا” بالكامل من الليلة الأولى”.
لم أستطع الصراخ، شعرتُ وكأن لساني قد رُبط. ركضتُ نحو باب الغرفة، لكن المقبض لم يتحرك وكأنه ملحوم. التفتُّ لمصطفى، هززته بكل قوتي، لكنه لم يفتح عينيه، فقط كان يتمتم باسم والده بلهجة خنوع تثير القشعريرة. أدركتُ حينها أنني لم أعد في ليلة زفاف عادية، بل وقعتُ في شرك طقس شيطاني يتجاوز مجرد “عادات وتقاليد”.
ساعات الفجر الأولى بدأت تتسلل من شقوق الستائر، وفي تلك اللحظة، توقفت حركات الحاج محسن. نظر إليّ وقال بابتسامة صفراء: “الآن أصبح العهد سارياً”. غادر الغرفة بهدوء وكأن شيئاً لم يكن. وفجأة، استيقظ مصطفى وكأنه استفاق من حلم طويل، نظر إليّ باستغراب وقال: “صباح الخير يا حبيبتي، نمتي كويس؟”.
نظرتُ إليه بذهول، لم يتذكر شيئاً مما حدث. أخبرته بكل ما رأيت، فضحك وقال إنها مجرد أوهام ليلة الزفاف، وإن والده رجل تقي ومبارك. لكن الصدمة الحقيقية جاءت عندما توجهتُ للحمام لأغسل وجهي؛ نظرتُ في المرآة لأجد على ظهري وكتفي علامات “وشم” غريب وداكن يظهر بوضوح تحت الجلد، وكأن شيئاً ما قد طُبع عليّ في تلك الليلة.
خرجتُ من الغرفة وأنا أرتجف، وقررتُ أنني لن أبقى في هذا البيت دقيقة واحدة. وبينما كنت أحاول الخروج، وجدتُ “الحاج محسن” واقفاً في الممر، يمسك بسبحته ويقول بهدوء: “البيت ده له باب بيدخل منه الناس، لكن ملوش باب بيخرجوا منه من غير إذن العيلة.. يا عروسة”.
أدركتُ أن “العهد” قد بدأ فعلاً، وأن رحلة هروبي من هذا البيت ستكون معركة حياة أو موت، ليس فقط ضد الحاج محسن، بل ضد عالم كامل من الأسرار المظلمة التي سكنت روح زوجي وبيته.
مرت الأيام وكأنني أعيش في جنازة مستمرة، لا في بيت زوجية. مصطفى أصبح شخصاً آخر؛ غريب الأطوار، يتجنب النظر في عينيّ، وكأنه يخشى أن أرى انعكاس ما يفعله والده في نظراته. أما الحاج محسن، فكان يراقبني في صمت، نظراته لم تعد مجرد نظرات “حما” غريب، بل أصبحت نظرات صياد ينتظر أن يستسلم فريسته بالكامل.
في إحدى الليالي، بينما كان مصطفى في عمله، قررت اقتحام “غرفة المحظورات”، الغرفة التي كان الحاج محسن يدخلها دائماً ويقفلها بمفتاح لا يفارق رقبته. بجرأة دفعتها الحاجة للنجاة، استغليت انشغاله في الحديقة، وفتحت الباب بـ “دبوس” شعر، لأجد الصدمة التي لم أتخيلها في أقصى كوابيسي.
الغرفة لم تكن مخزناً، بل كانت “مذبحاً”. كانت الجدران مغطاة بصور قديمة لنساء كثيرات، جميعهن يشبهنني في الملامح، وتحت كل صورة تاريخ زواج، وتاريخ اختفاء. وعلى الطاولة الكبيرة في الوسط، وجدت دفتراً قديماً مكتوباً فيه بخط يد الحاج محسن: “العروسة رقم 12.. الوشم قد اكتمل، والروح ستُسلب في تمام القمر”.
تراجعتُ للخلف وأنا ألهث، ليتجمد دمي حين سمعت صوت خطوات الحاج محسن خلف الباب، وصوت مصطفى وهو يناديه: “يا بابا، هي فين؟ شكلها شكت في حاجة”.
لم يكن أمامي سوى النافذة المطلة على المنور الضيق. تسلقتُها بسرعة لا أعرف من أين أتتني، وسقطتُ على الأرض في الأسفل، جسدي يصرخ من الألم، لكن الرعب كان أقوى. ركضتُ نحو البوابة الكبيرة، لكنها كانت محصنة بسلاسل حديدية ضخمة.
في تلك اللحظة، ظهر الحاج محسن من خلفي، والسكين في يده تلمع تحت ضوء القمر، وقال بصوت فحيح: “إلى أين يا ابنة الأصول؟ العهد لا ينتهي إلا بالموت.. أو ببديل”. نظر إليّ مصطفى الذي كان يقف بجانبه، وعيناه مغلفتان بسواد غريب، وكأنه فاقد للإرادة.
نظرتُ إلى مصطفى بحزن وصرخت: “مصطفى! فوق! ده مش أبوك، ده شيطان بيستغل حبك للأصول عشان يدمر حياتنا!”. لحظة صمت غريبة خيمت على المكان، وفي تلك الثواني الفاصلة، رأيتُ بريقاً من الإدراك في عيني مصطفى. ألقى نظرة على صورة والدته المعلقة في الصالة، ثم نظر إلى السكين في يد أبيه.
لم يتراجع مصطفى، بل تحرك فجأة.. ليس نحوي، بل نحو أبيه. صارع مصطفى أباه للحظات قبل أن يسقط الحاج محسن مغشياً عليه من ضربة قوية. سحبني مصطفى من يدي، ركضنا نحو البوابة، وبعزيمة يائسة، نجحنا في تحطيم القفل الخشبي المتهالك وهربنا إلى الشارع، تاركين خلفنا ذلك البيت الملعون وما فيه من أسرار.
خرجنا إلى النور، وأنا لا أزال أتحسس الوشم على ظهري الذي بدأ يتلاشى تدريجياً مع ابتعادنا عن عتبة ذلك البيت. عرفت حينها أننا هربنا من الموت، لكن الخوف من أن الحاج محسن لا يزال يراقبنا من خلف تلك النوافذ المظلمة، سيظل يطاردنا ما حيينا.
لم نتوقف عن الركض إلا حين وصلنا إلى منزل أهلي. دخلتُ وأنا في حالة انهيار عصبي، بينما ظل مصطفى واقفاً عند الباب، يرتجف وكأنه يرى كوابيسه تجسدت أمامه. لم يكن الهروب نهايةً للأمر؛ فمنذ تلك الليلة، بدأنا نرى “أشباحاً” في منزلي، وأصواتاً تنادي باسمنا في الليل. كان واضحاً أن الحاج محسن لم يكتفِ بالهزيمة، وأن “العهد” الذي حاول ربطي به لم يمت بمجرد خروجي من البيت.
في ليلة مقمرة، ظهر الحاج محسن أمامنا، ليس بجسده النحيل، بل بطيفه الذي يملأ الغرفة ببرودة ثلجية. قال بصوت يتردد في كل زاوية: “ظننتم أن الهروب يحرركم؟ الوشم الذي حملتِه هو مفتاح بوابتي. طالما أنني على قيد الحياة، ستظلون مربوطين بي”.
أدركتُ حينها أن الهروب الجسدي لم يكن كافياً، كان يجب كسر “المصدر”. تذكرتُ الدفتر الذي رأيته في الغرفة المحظورة؛ كان يحتوي على رموز، وأسماء، وتواريخ. لم يكن مجرد كتاب، كان هو “السجل” الذي يستمد منه قوته.
أمسكتُ بيد مصطفى، وقلت له بثبات لم أعهده في نفسي: “لن نهرب مجدداً. القوة التي يستمدها هي قوة خوفنا. لنحرق ما يربطه بالعالم”.
عدنا في الليل، ليس كضحايا، بل كمنتقمين. تسللنا للمنزل الذي كان يلفه صمت مطبق. اتجهنا مباشرة للغرفة المحظورة، كانت الأبواب مفتوحة على مصراعيها، وكأنها تدعونا للدخول. وجدنا الحاج محسن جالساً على الكرسي في منتصف الغرفة، كان يبدو هزيلًا جداً، وكأن حياته مرتبطة بالفعل بذلك السجل.
بمجرد أن اقتربتُ من الطاولة، حاول أن ينهض، لكن مصطفى ألقى عليه غطاءً ثقيلاً وأحكم قبضته عليه. التقطتُ السجل ورميته في موقد النار الذي كان مشتعلاً في زاوية الغرفة. صرخ الحاج محسن صرخةً هزت أرجاء البيت، صرخة لم تكن بشرية، ومع كل صفحة كانت تحترق، كان يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى تلاشى تماماً أمام أعيننا، ولم يتبقَ منه سوى كومة رماد.
في تلك اللحظة، شعرتُ بحرارة شديدة في ظهري، حيث كان الوشم؛ تلاشت العلامة تماماً، تاركةً مكانه جلداً صافياً. نظر مصطفى إليّ، وبدت عيناه طبيعيتين لأول مرة منذ ليلة زفافنا. لم يعد هناك حمايا، ولا تقاليد ملعونة، ولا خوف. خرجنا من البيت، وأشعلنا فيه النيران لنتأكد من أن أحداً لن يعاني مما عانينا منه مجدداً.
عدنا لحياتنا، لكننا حملنا معنا الدرس الأكبر: أن الحقيقة مهما كانت مرعبة، هي السلاح الوحيد الذي يمكنه كسر أكثر القيود ظلمة.
تمت

