كل اسبوع ج2

حكايات روماني مكرم

## الجزء الثالث

تسمرتُ في مكاني وكأن دماء وجهي هربت كلها دفعة واحدة. نظراتي كانت معلقة بالباب الذي يفتح ببطء، وفي يدي وثيقة الزواج القديمة والمذكرات التي كشفت لي أنني لم أكن يوماً الزوجة، بل كنت الضحية والممثلة البديلة في مسرحية هزلية صاغها عقله المريض.

دخل ياسر الغرفة، والابتسامة المرسومة على وجهه تلاشت في جزء من الثانية بمجرد أن وقعت عيناه على الدرج المكسور والأوراق المبعثرة بين يدي. علب العطور، الصور، المذكرات… كل أسراره باتت عارية أمامي.

ساد الصمت لعدة ثوانٍ، صمت قاتل لم أكن أسمع فيه سوى دقات قلبي المتسارعة وأنفاسه الغاضبة التي بدأت تضيق. تبدلت ملامحه الهادئة التي عرفتها لسنوات إلى ملامح شخص غريب، شخص لم أره من قبل. انقبضت عيناه، وتحول صوته الودود إلى فحيح مرعب وهو يقول:

“أنتِ عملتي إيه؟ إزاي تجرؤي تفتحي الدرج ده؟”

لم أعد قادرة على الخوف، الغضب والإهانة التي شعرت بها فجرا داخلي شجاعة انتحارية. وقفت ورفعت المذكرات في وجهه وصرخت وعيناي تفيضان بالدموع:

“أنا اللي إزاي تجرؤ؟ سأتزوجها وسأجعلها أنتِ؟! سأعيدكِ إلى الحياة بطريقتي؟! أنت مش بني آدم… أنت كنت بتخدعني كل السنين دي! العطر، اللافندر، الاهتمام، حتى التفاصيل اللي كنت فاكراها حب… كل ده كان ليها هي؟ كنت بتشم ريحتها فيا؟ كنت شايفها هي وأنا واقفة قدامك؟”

تقدم نحوي خطوة، وحاول أن ينتزع المذكرات من يدي، لكنني تراجعت إلى الخلف وأنا أرتجف. صوته انخفض فجأة وأخذ نبرة حادة وباردة جمدت الدماء في عروقي:

“هاتي الحاجة دي يا فريدة… وماتدخليش في اللي مالكيش فيه. أنتِ عيشتي ملكة، كل اللي تمنيتيه كان بيجيلك، إيه اللي يفرق معاكي كنت بشوف مين ولا بفكر في مين؟ المهم إنك معايا!”

“المهم إني معاك؟!” صرخت بجنون والدموع تحرق وجنتيّ: “أنا مش دمية! أنا بني آدمة، ليا كيان ومشاعر! كنت بتموت من القلق لو نسيت العطر مش خوف عليا، كنت بتخاف لتفوق من الوهم اللي عايش فيه وتكتشف إنها ماتت وإن اللي قدامك دي فريدة مش هي! أنت دمرتني… حسستني إني ولا حاجة، مجرد جثة تانية بتعطرها عشان ترضي مرضك النفسي!”

ملامحه تغيرت تماماً، تلاشت نظرة الندم أو المحاولة في التبرير، وحل محلها جمود مخيف. نظر إلى الأوراق ثم نظر إليّ وقال برود غريب:

“أنتِ مش فاهمة حاجة… ولا عمرك هتفهمي يعني إيه حب حقيقي. رانيا ماتت وأخدت روحي معاها، ولما شفتك، ربنا هو اللي بعتك ليا عشان أقدر أعيش. العطر ده كان بيحييني، كان بيخليني قادر أتنفس وأكمل حياتي. أنتِ اللي بوظتي كل حاجة بغبائك وفضولك.”

تحرك بسرعة مباغتة، وقبل أن أتمكن من الهروب، قبض على معصمي بقوة آلمتني بشدة، وانتزع المذكرات وجواز السفر القديم من يدي. حاولت أن أتحرر منه وأنا أصرخ:

“سيبني! سيبني وأبعد عني… أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة! أنا هطلق منك وهفضحك قدام الناس كلها!”

بمجرد أن نطقت بكلمة “الطلاق” و”الفضوح”، رأيت في عينيه نظرة رعب حقيقي تحولت فوراً إلى شراسة. ضغط على يدي أكثر وقال وهو يقترب من وجهي وعيناه تتطاير منهما الشرار:

“تطلقي؟ وتفضحيني؟ أنتِ فاكرة الخروج من هنا بالسهولة دي؟ أنتِ مش هتمشي يا فريدة… ومش هتهدي كل اللي بنيته في سنين بمجرد نزوة وفضول. أنتِ ملكي، وهتفضلي هنا، وهتفضلي تحطي العطر ده ورجلك فوق رقبتك!”

دفعني بقوة لدرجة أنني ترنحت وسقطت على الأرض، واصطدمت جبهتي بحافة المكتب الخشبية. شعرت بألم حاد وسال خط دافئ من الدماء على وجهي. نظرت إليه بفزع وأنا أضع يدي على جرحي، بينما كان هو يجمع الأوراق بسرعة من الأرض، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بالمفتاح!

سمعت صوت قفل الباب الخارجي للشقة أيضاً وهو يُغلق بعنف من الخارج. لقد حبسني! سجنني في بيتي بعد أن سرق مني هويتي وسنوات عمري.

زحفتُ نحو الباب وأنا أبكي بحرقة، أضرب الخشب بيدي الضعيفة وأصرخ مستغيثة، لكن دون جدوى. الشقة كانت معزولة، والوقت كان يمر ببطء قاتل. تركت الباب وجلست في ركن الغرفة، أنظر إلى الدماء على يدي وإلى زجاجة العطر المكسورة التي سقطت أثناء الشجار وسال سائلها على الأرض، لتملأ الغرفة بنفس الرائحة التي باتت الآن تمثل لي أكبر كابوس في حياتي.

مرت الساعات، وتحول النهار إلى ليل، وأنا في مكاني لا أعرف ماذا أفعل. هاتفي كان في الصالة بالخارج، ولا توجد أي وسيلة تواصل مع العالم الخارجي. كنت أعلم أن ياسر لن يتركني أرحل بسهولة، فالسر الذي كشفته يهدد حياته واستقراره النفسي المزيف.

حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سمعت صوت قفل الباب الخارجي يُفتح بهدوء. دقات قلبي توقفت تقريباً. سمعت خطواته تقترب من غرفة المكتب. انفتح الباب ببطء، وكان ياسر يقف وعلي وجهه هدوء غريب ومخيف، وفي يده حقيبة صغيرة، وفي اليد الأخرى… زجاجة عطر جديدة تماماً.

نظر إلى الجرح في جبهتي دون أي تعاطف، ثم تقدم نحوي وجلس على ركبتيه ليكون في نفس مستوى نظري، وقال بصوت هامس يقطر تهديداً:

“جه وقت الحمام بتاع كل أسبوع يا فريدة… يلا عشان تحطي العطر، ومفيش داعي للمشاكل، عشان مصلحتك ومصلحة أهلك اللي نايمين في بيوتهم مش دريانين بحاجة…”

تراجعت إلى الخلف حتى التزق ظهري بالحائط، وأنا أنظر إلى زجاجة العطر في يده وكأنها سلاح موجه إلى صدري، والأسئلة تنهش عقلي: كيف سأنجو من هذا السجن؟ وإلى أي مدى يمكن أن يصل جنونه لحماية سره؟ تابعو صفحه رومانى مكرم

#الكاتب_رومانى_مكرم

## الجزء الرابع

انقبضت روحي وأنا أنظر إلى عينيه الجامدتين اللتين خلتَا من أي رحمة. تهديده المبطن بأهلي جعل الدماء تتجمد في عروقي. لم يكن ياسر الذي عشته معه؛ كان مسخاً يرتدي ملامحه.

وقف بهدوء، وأشار بيده نحو الحمام وقال بنبرة هادئة ومستقرة، وهو ما جعلها أكثر رعباً:

“يلا يا فريدة… المية السخنة جاهزة، واللافندر مستنيكي. بلاش نضيع وقت.”

قمتُ من على الأرض بخطوات مرتجفة، وجسدي كله ينتفض. تظاهرتُ بالاستسلام التام والكسرة حتى لا يتهور أكثر. دخلت الحمام وأغلق الباب وراي، لكنه لم يتركه مغلقاً بالكامل، بل تركه موارباً بقدر إنش واحد، وكأنه يراقب كل أنفاسي.

وقفتُ أمام المرآة، أنظر إلى جرح جبهتي والدماء التي جفت عليه، وإلى ملامحي التي ذبلت في ساعات. التفتُّ حولي أبحث عن أي مخرج أو أي شيء أدافع به عن نفسي. نافذة الحمام كانت صغيرة جداً وتطل على منور ضيق ومظلم، والخروج منها مستحيل.

فتحتُ صنبور المياه ليتصاعد البخار ويحجب الرؤية كلياً خلف الباب الموارب، وبدأت عقارب عقلي تعمل بأقصى سرعة. “الهاتف”.. هاتفي كان مستلقياً على طاولة الصالة، والباب الخارجي مغلق بالمفتاح الذي يحتفظ به في جيبه بالتأكيد. يجب أن أتحايل عليه، يجب أن أجعله يطمئن لكي أستعيد حريتي.

خرجتُ بعد فترة وجسدي يرتعش، ليس من البرد بل من الرعب. كان يجلس على مقعد في الصالة، واضعاً زجاجة العطر الجديدة أمامه على الطاولة. نظر إليّ من أسفل إلى أعلى، وارتسمت على شفتيه ابتسامة رضا مريضة عندما رأى أنني لم أقاوم.

أشار إلى الزجاجة وقال:

“تعالي… رشي العطر.”

اقتربتُ بخطوات بطيئة، وقلبي يدق في صدري كطبول الحرب. رفعتُ الزجاجة بيد ترتعش، ونظرت إليه قائلة بصوت متحشرج ومصطنع بالندم:

“ياسر… أنا آسفة. الصدمة عمتني وخليتني أتصرف بغباء. أنا بحبك ومش عايزة بيتنا يتخرب… أنا مستعدة أعمل أي حاجة ترضيك، بس بلاش تأذي أهلي.”

لمعت عيناه بانتصار مجنون، ووقف واقترب مني، ومسح بأصبعه على جرح جبهتي برقة مزيفة قائلًا:

“أنا عمري ما هأذيكي ولا هأذي أهلك طول ما أنتِ بتسمعي الكلام… طول ما أنتِ ‘رانيا’ اللي بحبها.”

الكلمة سقطت على مسامعي كالسُم، لكنني ضغطت على نواجذي وابتسمت بانكسار. رفعتُ زجاجة العطر وبدأتُ أرش منها على رقبتي ويدي، وكانت الرائحة القوية تخنقني، وتذكرني في كل ثانية بأنني أتقمص دور امرأة ميتة.

“أيوا كده… هي دي حبيبتي،” قالها وهو يغمض عينيه ويستنشق الهواء بعمق، مستمتعاً بالوهم الذي أعدته له.

استغللتُ لحظة انتشائه وغيابه عن الواقع، وقلت بنبرة هادئة:

“ياسر، أنا حاسة بصداع رهيب من خبطة المكتب.. هروح المطبخ أعمل كباية ليمون دافي عشان أقدر أقعد معاك، وأجيب منديل ومطهر للجرح.”

هز رأسه بالموافقة دون أن يفتح عينيه تماماً، كأنه غائب في عالم آخر. تحركتُ بسرعة نحو المطبخ. لم أكن أريد ليموناً، بل كنت أبحث عن سلاح، وعن خطة.

مسكتُ سكين المطبخ الحاد وخبأته وراء ظهري، وفي تلك اللحظة، وقعت عيني على شيء جعل جسدي يقشعر بالكامل. على رخامة المطبخ، كان هناك كيس بلاستيكي صغير شفاف يحتوي على مسحوق أبيض، وبجانبه علبة دواء فارغة لمهدئات قوية جداً لا تُصرف إلا بروشتة طبية!

تذكرتُ على الفور “الحقيبة الصغيرة” التي كانت في يده عندما دخل الشقة فجراً. الصدمة شلت تفكيري لثوانٍ… هل كان يخطط لجرّ عصب حركتي؟ هل يريد تخديري بالكامل ليضمن بقائي واستسلامي لطقوسه المجنونة دون مقاومة؟

وفجأة، وقبل أن أستوعب الموقف، سمعت خطواته تقترب من المطبخ بسرعة. التفتُّ بفزع، وحاولت إخفاء السكين والكيس الشفاف، لكن الأوان كان قد فات.

وقف ياسر على باب المطبخ، ونظراته وقعت مباشرة على كيس المسحوق الأبيض في يدي، ثم ارتفعت عيناه لتلتقي بعيني. اختفت نظرة الرضا، وتحول وجهه إلى قناع من الشر الخالص، وقال بصوت حاد كالسكين:

“أنتِ بتفتشي ورايا تاني يا فريدة؟ الظاهر إن الوش الطيب مش جايب معاكي نتيجة… وأنا كنت عامل حساب اللحظة دي!”

وفي لمح البصر، اندفع نحوي بكل قوته، يده تمتد لتمسك برقبتي، بينما كانت يدي الأخرى القابضة على السكين تتحرك بشكل تلقائي دفاعاً عن حياتي!

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *