ج1 حكايات بسمة
ج1
سلفتي بعتتلي كيس لحمة كبير وقالت إن جوزها جابه زيادة…استغربت، لأن علاقتنا كانت عادية، وعمرها ما بعتتلي حاجة قبل كده.
قالتلي:
—جوزي جاب لحمة كتير، قولت أبعتلك شوية بدل ما تفضل عندي.
شكرتها وحطيت الكيس في التلاجة.
قبل ما أطبخه، جوزي رجع من الشغل.
أول ما فتح التلاجة وشاف الكيس سألني:
—اللحمة دي منين؟
قلت:
—مرات أخوك بعتها.
وشه اتغير لحظة.
وبعدين شال الكيس كله.
—ماما أولى بيها.
قلت باستغراب:
—بس هي بعتهالي أنا.
رد:
—وإيه يعني؟ إحنا مش عيلة؟ ماما معاشها على قدها.
قبل ما أتكلم كان نازل بالكيس.
ما حبيتش أعمل مشكلة على أكل.
لكن بعد ساعتين، سلفتي اتصلت.
أول سؤال سألته كان:
—عملتي إيه في اللحمة؟
قلت:
—لسه ما لحقتش أطبخها… جوزي أخدها كلها ووداها لحماتي.
سكتت.
سألتها:
—في إيه؟
قالت بصوت متغير:
—حماتنا؟!
—أيوه.
سمعت نفسها وهي بتاخد نفس طويل.
وبعدين قالت:
—هي اللي قالتلي أبعتها لك من غير ما تعرفي.
اتجمدت.
—يعني إيه؟
قالت:
—اللحمة أصلًا من عندها. اتصلت بيا الصبح وقالتلي آخد الكيس منها وأديهولك وأقولك إن جوزي جابه زيادة.
بدأت أحس إن في حاجة غلط.
—طب ليه تعمل كده؟
ردت:
—معرفش… بس كانت مصممة إنك إنتِ تحديدًا اللي تستلمي الكيس.
قفلت معاها واتصلت بجوزي.
ما ردش.
اتصلت بحماتي.
هي كمان ما ردتش.
بعد نص ساعة جوزي رجع.
من غير الكيس.
سألته:
—وصلته لماما؟
قال بسرعة:
—أيوه.
قلت:
—غريبة… أصل هي اللي كانت بعتهولي من البداية.
وقف مكانه.
وشه اتغير.
—مين قالك؟
—سلفتي.
سكت ثواني.
وبعدين مسك مفاتيحه وقال:
—أنا لازم أروح لماما.
وقفت قدام الباب.
—قبل ما تروح، فهمني.
بصلي وقال:
—مش وقته.
—إيه اللي كان في الكيس غير اللحمة؟
رفع عينه ناحيتي.
ولأول مرة شفت الخوف في وشه.
قال:
—إنتِ فتحتيه كله؟
—لأ.
خرج جري.
بعدها بدقائق سلفتي اتصلت بيا تاني.
كانت بتتكلم بسرعة:
—أنا افتكرت حاجة… حماتنا قالتلي بالحرف: “خليها تحط الكيس في الفريزر بإيديها، وممنوع جوزها يشوفه.”
قلبي دق.
وفي اللحظة دي جوزي اتصل.
رديت.
سمعته بيصرخ:
—ماما! الكيس فين؟!
ثم سمعت صوت حماتي من بعيد:
—أنا ما لمستوش! إنت اللي رجعتهولي!
وفجأة سكت جوزي.
وبعد ثواني قاللي بصوت مرتعش:
—الكيس اختفى.
قلت:
—يعني إيه اختفى؟
رد:
—يعني اللحمة موجودة في فريزر أمي…
لكن الكيس الصغير اللي كان مستخبي وسطها مش موجود.
وقبل ما أسأله كان فيه إيه، حماتي خطفت منه التليفون وصرخت:
—لو لقيتي حاجة وقعت من الكيس عندك… إوعي تفتحيها!
بصيت ناحية التلاجة.
وساعتها افتكرت الظرف البلاستيك الصغير اللي وقع على أرضية المطبخ لما حطيت اللحمة جوه…
واللي كنت حطيته في درج الملاعق من غير ما أبص جواه.
مشيت ناحية درج الملاعق وخطواتي تقيلة، ضربات قلبي كانت عالية لدرجة إني حاسة إنها مسموعة في المطبخ كله. فتحت الدرج ببطء.
الظرف البلاستيك الصغير كان هناك، ملفوف بلزق أسود سميك. مسكته بإيد ترتعش، كان تقيل شوية بالنسبة لحجمه، وفيه بروز غريب جوه.
قبل ما أقرر هفتحه ولا لأ، تليفوني رن تاني. كانت سلفتي.
— ألو، إنتِ لسه معايا؟ لقيتي حاجة؟
صوتي طلع بالعافية:
— أيوة.. لقيت ظرف صغير وقع مني وأنا بشيل اللحمة.
سلفتي صرخت في التليفون:
— إوعي تفتحيها يا هند! حماتنا اتصلت بيا دلوقتي حالا وهي بتعيط وبتصرخ، بتقول لو الظرف ده اتفتح، بيتك وبيتها هيتخربوا! جوزك خرج من عندها زي المجنون وراجعلك البيت دلوقتي!
قسماً بالله الخوف شل حركتي. قفلت معاها وفضلت باصة للظرف. الفضول كان بياكلني، والخوف مسيطر عليا. وفي لحظة ضعف، قررت أفك طرف اللزق الأسود.
أول ما بدأت أفتحه، ريحة غريبة، شبه ريحة بخور مكتوم على حاجة قديمة، طلعت منه. جوه البلاستيك كان فيه قطعة قماش حمراء ملفوفة بخيوط عقدها كتيرة، وجواها حاجة صلبة. فكيت الخيط.. ولقيت مفتاح قديم جداً، ومعاه ورقة مطوية كذا طية، مكتوب عليها بمداد أحمر غامق.. اسمي واسم جوزي!
وفي نفس اللحظة، الباب اتخبط برزع عنيف لدرجة إن البيت كله اتهز.
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية. كان جوزي، وشه كان أزرق وعرقه مغرق هدومه، وورا السلم كانت حماتي طالعة بتنهج ووشها خالي تماماً من الدم.
فتحت الباب وأنا مخبية الورقة والمفتاح في جيب عبايتي.
جوزي زقني ودخل المطبخ زي الإعصار، قلب درج الملاعق كله على الأرض، الملاعق والسكاكين عملت صوت مزعج وهي بتقع. لما مالقاش الظرف، لف ليا وعيونه حمرا دم:
— فين الحاجة اللي كانت هنا؟! فين الظرف؟!
حماتي دخلت وراهم، سندت على الحيطة وقالت بصوت مبحوح وهي بتبصلي برعب:
— فتحتيه؟ قوليلي إنك ما فتحتيهوش يا بنتي.. أرجوكي!
بصيت ليهم هما الاتنين، وكنت حاسة إني واقفة في وسط وسية من الأسرار.
قلت بثبات مصطنع:
— ظرف إيه؟ أنا ما شفتش حاجة.. إنتوا خبيتو إيه في اللحمة؟ وليه اللف والدوران ده كله؟
جوزي مسكني من كتفي بقوة وقال:
— ما تكدبيش! سلفتك قالت إنك لقيتي حاجة وقعت! انطقي يا هند، الحاجة دي لو ضاعت أو اتفتحت إحنا كلنا انتهينا!
حماتي قعدت على أقرب كرسي ودفنت وشها بين إيديها وبدأت تبكي بنحيب غريب وقالت:
— الغلط غلطي أنا.. كنت فاكرة إني بحميك وبحمي بيتك.. ما كنتش أعرف إن أخوك هيقلب الدنيا عليها!
وفجأة.. تليفون جوزي رن. بص على الشاشة، وشه اتقلب تماماً، ورجع خطوتين لورا.
بصيت على الشاشة ولححت الاسم قبل ما يكنسل.. كان المتصل: “أخوه الكبير”.. اللي المفروض إنه مسافر برة البلد من سنتين ومحدش يعرف عنه حاجة!
