كل اسبوع الجزء الاخير
حكايات روماني مكرم
## الجزء التاسع
وقعت كلمات المحامي عليّ كالصاعقة. زجاجة عطر أخرى؟ وامرأة ثانية اختفت منذ عشر سنوات؟ شعرتُ بغثيان شديد وكأنني أستمع إلى قصة عن مسخ وليس عن رجل عشتُ معه تحت سقف واحد لسنوات، آكل من طعامه وأنام بجواره وهو يخطط لجعلي جثة معطرة تنضم لمجموعته السرية.
التفتُّ إلى أحمد الذي كان يضغط على فكه بغضب عارم وقال للمحامي:
“يعني إيه ست تانية؟ هو ياسر ده إيه بالظبط؟ شبكة قت*ل؟”
رد المحامي وهو يلملم أوراقه:
“ياسر مريض بمرض نادر في علم النفس الجنائي، سيكوباتي يربط هويته بامتلاك الضحايا وتخليدهم برائحة معينة. النيابة أرسلت قوة مكثفة فوراً لبيته القديم في البلد، والموضوع مبقاش قض*ية فريدة ورانيا بس… ده بقا ملف ‘سفاح العطور’.”
عدنا إلى بيت العائلة، وكانت أمي تستقبلني بالدموع والأحضان، لكنني كنتُ كالأموات، لا أشعر بشيء. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب، وظللتُ أنظر إلى الفراغ. رائحة العطر المستورد واللافندر كانت قد تغلغلت في مسام جلدي، لدرجة أنني كنتُ أتوهم أنني أشمها في أركان الغرفة، فأندفع نحو الحمام لأغسل وجهي ورقبتي بالماء والصابون عشرات المرات، وأنا أبكي بهستيرية وأصرخ: “عايزة الريحة دي تطلع مني.. مش عايزة أكون رانيا ولا غيرها!”.
مرت ثلاثة أيام ثقيلة كالجبال. وفي صباح اليوم الرابع، أيقظني أحمد وعلى وجهه علامات دهشة وذهول غير طبيعيين. قال لي بصوت منخفض:
“فريدة… البوليس لقى الزجاجة التانية في البلد… ولقوا معاها مصيبة أكبر.”
ارتديت ملابسي وتحركتُ مع أحمد إلى مقر النيابة العامة مجدداً لاستكمال الأقوال بعد المستجدات الأخيرة. هناك، التقينا بوكيل النيابة الذي كان يبدو عليه الإرهاق الشديد جراء السهر ومتابعة الق*ضية.
نظر إليّ وكيل النيابة بنظرة إشفاق، ثم أخرج من درج مكتبه كيساً بلاستيكياً شفافاً ومحرزاً، وبداخله زجاجة عطر قديمة جداً، مختلفة تماماً عن زجاجتي وزجاجة رانيا. كانت زجاجة ذات طراز كلاسيكي قديم، وبجوارها في كيس آخر… بطاقة شخصية ممزقة لامرأة، وصورة فوتوغرافية صغيرة.
قال وكيل النيابة:
“قوة المباحث حفرت في المكان اللي اعترف عليه ياسر في بيته القديم. لقوا الزجاجة دي بريحة ‘الياسمين البري’.. ولقوا معاها مقتنيات وبقايا تخص السيدة ‘ماجدة…’، وهي الزوجة السرية الأولى لخالِك ‘سليمان’.. الست دي اختفت من عشر سنين وقيدتوا المحضر وقتها اختفاء غامض!”
انقطع النَفَس في صدري تماماً، وشعرتُ أن جدران الغرفة تضيق عليّ حتى تكاد تسحقني. خالي سليمان؟ ماجدة؟
تابعتُ الصدمات تتوالى وأنا أستمع لوكيل النيابة وهو يكمل بصوت حازم:
“ياسر انهار تماماً النهاردة الصبح واعترف بالسر الأكبر. ياسر مقت*لش ماجدة… ياسر كان مجرد صبي ومساعد لخالك سليمان! خالك سليمان هو السلسلة الأولى في الموضوع ده، وهو اللي علم ياسر الطقوس دي، ولما ياسر شاف خاله بيخلص من مراته ويعطرها بالياسمين عشان يفضل محتفظ بريحتها وما ينكشفش أمره، ياسر اتعلم منه وطبق ده مع رانيا.. ومعاكي!”
نظرتُ إلى أحمد الذي وقف فجأة وهو يصرخ غير مصدق:
“مستحيل! خالي سليمان رجل دين ومحترم والناس كلها بتحلف بأخلاقه! إزاي يكون هو اللي علم ياسر؟ وإزاي يكون قت*ل مراته الأولى؟”
رد وكيل النيابة بهدوء مخيف:
“المرض النفسي والشر ملوش مظهر يا أحمد. ياسر اعترف إن خاله سليمان هو اللي كان بيحميه طول السنين اللي فاتت، وخالك هو اللي استخدم نفوذه وعلاقاته مع المستشفى الاستثماري عشان يزور تقرير وفاة رانيا القديم ويطلع ياسر منها زي الشعرة من العجين… لأن خالك كان عارف إن ياسر لو اتكشف، هيجر رجله معاه في جر*يمة ‘ماجدة’ القديمة!”
شعرتُ فجأة أن كل سنين عمري كانت عبارة عن كذبة هائلة. عائلتي، زوجي، خالي… كل شيء كان مغطى برائحة العطور الفاخرة ليداري على رائحة الدم والموت.
وفي تلك اللحظة، فتح عسكري مكتب النيابة الباب، ودخل ضابط المباحث وهو يحمل تقريراً عاجلاً، واقترب من وكيل النيابة وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه وكيل النيابة يتغير تماماً ويتحول إلى اللون الشاحب.
التفت النيابة إلينا، وقال بنبرة حادة وخطيرة:
“أحمد… خذ أختك فريدة واطلعوا على بيتكم فوراً ومتخرجوش، وتحت البيت هيكون فيه حراسة مشددة.”
سألته برعب: “في إيه يا فندم؟ خالي سليمان حجروا عليه؟”
نظر إليّ وكيل النيابة وقال بأسى:
“القوة لما راحت تقبض على خالك سليمان من فيلته… ملاقتهوش. لكن لقوا جواب مكتوب بخط إيده وموجه ليكي أنتِ بالذات يا فريدة… الجواب بيقول فيه إنه مش هيسيب ياسر يتعدم لوحده، وإنه جاي يخلص الحكاية معاكي بنفس الطريقة اللي بدأت بيها من عشر سنين!”
خرجنا من النيابة وجسدي يتنافض كالسعفة في مهب الريح. خالي سليمان هارب… وهو الآن يطاردني أنا، لينهي الشاهدة الأخيرة التي هزت عرش أسرارهم الملطخة بالدماء.
#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء العاشر (قبل الأخير)
ركبتُ السيارة مع أحمد وأنا أشعر أنني جسد بلا روح. الكلمات جفت في حلقي، وصورة خالي “سليمان” — ذلك الرجل الذي كنتُ أعتبره ملاذي الآمن وحكيم العائلة — تبدلت في مخيلتي إلى وجه شيطان يقطر دماً وعطراً. كيف تجمعت كل هذه الوحشية حول حياتي؟ وكيف تحولتُ من زوجة مخدوعة إلى هدف لقاتلين متسلسلين؟
وصلنا إلى بيت العائلة، وكان المشهد أسفل البناية يبعث على الرعب؛ سيارتا شرطة وأربعة مخبرين انتشروا في المكان لتأميننا بناءً على أوامر وكيل النيابة. صعدنا إلى الشقة، وأغلق أحمد الباب الحديدي الخارجي بكل الأقفال الممكنة، ثم التفت إليّ وعيناه حمراوان من فرط القلق والغضب:
“فريدة… تليفونك وتليفوني وتليفون أمي هيقفلوا حالا. مش عايز أي وسيلة تواصل تشتتنا، والبوليس برة مأمن المكان. خالي سليمان نهايته قربت، ومش هيقدر يمس شعرة منك.”
أومأتُ برأسي واستسلمتُ لسريري، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفوني. مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. حلت ليلة مخيفة، وهبط هدوء غريب على المنطقة، هدوء لم يكن يقطعه سوى نباح الكلاب الضالة في الشوارع البعيدة.
حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شعرتُ بالعطش يمزق حنجرتي. قمتُ بهدوء من فراشي حتى لا أوقظ أحمد النائم على المقعد في الصالة كحارس مرابط. تحركتُ نحو المطبخ بخطوات وئيدة، ولم أشعل الأنوار كي لا أثير الانتباه.
ملأتُ كوباً من الماء، وبينما كنتُ أرفعه إلى فمي، التفتُّ نحو نافذة المطبخ المطلة على المسقط الخلفي للعمارة. تجمدتُ في مكاني، وسقط الكوب من يدي ليتناثر زجاجاً على الأرض.
من خلال ضوء القمر الخافت، رأيتُ ظلاً يتحرك على مواسير الغاز الطبيعي الخارجية المتصلة بنافذة المطبخ! لم يكن ظلاً عادياً، كان شخصاً يتسلق بخفة ورشاقة لا تتناسب مع عمره. وقبل أن أتمكن من إطلاق صرخة واحدة لاستدعاء أحمد، امتدت يد قوية من نافذة المطبخ المواربة، وقبضت على فمي بقوة شلت حركتي تماماً!
تلاقت عيناي بعينيه في الظلام… كان هو. خالي سليمان!
كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعيناه تلمعان بجنون لا يقل عن جنون ياسر. دخل من النافذة بلمح البصر، ووضع سكيناً حاداً على رقبتي، وهمس في أذني بصوت فحيح مرعب يحمل رائحة الموت:
“ولا كلمة يا فريدة… لو طلعتي صوت، أخوكي اللي برة ده هيموت قبل ما يدخل المطبخ. البوليس اللي تحت مغفلين، فاكريني هنيجي من الباب؟”
الدموع انهمرت من عيني بغزارة وأنا أرتجف بين يديه. تراجع بي إلى زاوية المطبخ وهو ما زال يكتم أنفاسي، ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة جداً… زجاجة عطر داكنة اللون.
قال بصوت هامس يقطر تشفياً وجنوناً:
“ياسر غبي… بوّظ كل اللي علمتهوله بغبائه وفضوله. رانيا وماجدة عاشوا وماتوا في هدوء، ومحدش حس بحاجة. طقوس العطر دي مش مرض يا فريدة… دي الطريقة الوحيدة اللي بنثبت بيها ملكيتنا للستات اللي بنحبهم عشان يفضلوا لينا للأبد وميفكروش يهربوا. أنتِ اللي فتحتي أبواب جهنم علينا، وبسببك اسم عيلتنا هيتداس في التراب. الجواب اللي سبته للبوليس كان مجرد تمويه عشان يفتكروا إني هربت برة القاهرة… أنا كنت مستنيكي هنا!”
فتح غطاء الزجاجة بأسنانه، وتصاعدت منها فوراً رائحة نفاذة، مرعبة، ومألوفة جداً… كانت رائحة “الياسمين البري”! نفس الرائحة التي وجدوها مع جثة زوجته الأولى ماجدة.
قرب الزجاجة من وجهي وتابع وعيناه تتسعان بجنون:
“ياسر كان بيجهزلك اللافندر… بس أنا قولت الياسمين يليق بيكي أكتر يا بنت أختي. هتشربي المهدئ ده، وتنامي في هدوء.. والبوليس الصبح هيلاقيكي جثة معطرة، وأنا هكون بقيت في مكان أبعد مما يتخيلوا… يلا يا حبيبتي، اشربي عشان ترتاحي!”
بدأ يضغط على فكي بالسكين ليجبرني على فتح فمي وسكب السائل السام، بينما كانت قواي تخور كلياً أمام قوته المرعبة ونظرات الموت في عينيه. تطلعتُ نحو باب المطبخ بيأس، وأنا أدعو في سري أن يستيقظ أحمد، أو أن يحدث أي شيء ينقذني من هذه النهاية البشعة التي باتت تفصلني عنها ثوانٍ معدودة…
#الكاتب_رومانى_مكرم
كانت فوهة الزجاجة السامة تلامس شفتيّ، ورائحة الياسمين البري تملأ خياشيمي لتعلن عن اقتراب النهاية. أغلقتُ عينيّ واستسلمتُ تماماً، داعية الله أن يرحمني، فالموت بات قاب قوسين أو أدنى، والسكين يضغط على عنقي بقسوة.
لكن، في اللحظة التي بدأ فيها السائل السام يلامس طرف لساني، دوت في المطبخ صرخة غضب زلزلت أركان الشقة:
“خاااالي سليماااان!”
انفتح باب المطبخ بعنف، واندفع أحمد كالموجة العاتية. استيقظ على صوت سقوط كوب الماء الزجاجي قبل قليل، وتحرك بحذر حتى رأى الكابوس الذي يحدث في المطبخ. لم يتردد أحمد ثانية واحدة؛ ألقى بنفسه بكامل ثقله على خالي سليمان، ليرتطم الاثنان بالأرض.
طارت زجاجة السُم من يد خالي وسقطت على الأرض لتتحطم، ويسيل سائلها مخلفاً رائحة ياسمين خانقة. انزلق السكين من يده أيضاً، لكنه برغم كبر سنه، كان يملك قوة مرعبة يغذيها الجنون والرغبة في النجاة. تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة دموية بين خال وابن أخته.
تحررتُ من قبضته وسقطتُ على الأرض وأنا أسعل بشدة، أحاول طرد قطرات السائل السام من فمي. نظرتُ بفزع فرأيتُ خالي سليمان يطبق بيده على عنق أحمد، ويحاول الوصول إلى سكين المطبخ الملقى على الأرض ليقض*ي عليه.
بكل ما تبقى لي من طاقة وحياة، زحفتُ على الأرض المليئة بالزجاج المكسور، وقبضتُ على يد خالي التي تمتد نحو السكين، وثبتها بكل قوتي وأنا أصرخ بأعلى صوتي نحو النافذة:
“الحقوناااا! البوليس اللي تحت! الحقوناااا!”
أصوات الصراخ والارتطام العنيف وصلت إلى أسفل البناية. في ثوانٍ معدودة، سُمعت أصوات كسر الباب الخارجي للشقة، واندفعت قوة الشرطة والمخبرين إلى داخل المطبخ. هجم أربعة من رجال الشرطة على خالي سليمان، وشلوا حركته تماماً بعد مقاومة عنيفة منه، وتم تقييده بالحديد.
وقع خالي على الأرض وهو يلهث، ونظر إليّ بعينين جاحظتين مليئتين بالغل، وصاح وهو يُقاد إلى الخارج:
“بوظتي كل حاجة يا فريدة… بوظتي طقوس الموت!”
ارتميتُ في أحضان أحمد الذي كان ينزف من وجهه ويحتضنني وهو يبكي ويهدئ من روعي: “خلاص يا حبيبتي… خلاص الكابوس انتهى.. ربي نجاكي منهم.”
### النهاية بعد عام
مر عام كامل على تلك الليلة المشؤومة. عام تبدلت فيه حياتي تماماً.
أصدرت محكمة الجنايات حكمها التاريخي بالإعدام شنقاً لـ “ياسر” ولخالي “سليمان”، بعد أن تم نبش القبور وإثبات الجرائم القديمة بالبراهين والأدلة التي لا تقبل الشك. طُويت صفحة “سفاحي العطور” من صفحات الحوادث، لكنها لم تُطو من ذاكرتي ومشاعرى بسهولة.
احتجتُ لشهور طويلة من العلاج النفسي لأتمكن من دخول الحمام بمفردي، ولأتقبل فكرة وضع أي عطر على جسدي مجدداً. تخلصتُ من كل زجاجات العطور القديمة، وصنعتُ لنفسي هويّة جديدة، هويّة “فريدة” الإنسانة الحرة، وليست البديلة لامرأة ميتة.
### الحكمة من القصة
إن الاهتمام الزائد والحب المبالغ فيه الذي يأتي بلا مقدمات، قد لا يكون دائماً دليلاً على الرومانسية، بل قد يكون قناعاً يخفي خلفه رغبة مريضة في السيطرة، أو محاولة لتشكيل الطرف الآخر ليكون مجرد “دمية” تلبي رغبات وأوهام مريضة.
الحب الحقيقي هو الذي يتقبلكِ كما أنتِ، بهويتكِ، واسمكِ، وتفاصيلكِ الخاصة، لا الذي يحاول صبّكِ في قالب امرأة أخرى أو يربط وجودكِ بطقوس معينة. فلا تنبهري بالظواهر الغالية والوعود البراقة، واعلمي أن الطمأنينة الحقيقية تكمن في الوضوح والصدق، وليس في الروائح الفاخرة التي قد تُخفي خلفها أحياناً… رائحة الموت.
#الكاتب_رومانى_مكرم
