حكايات اماني سيد ج2

يوم القاعدة.. البيت عند أبويا كان جاهز، وإخواتي الكبار قاعدين ووشوشهم مابتفسرش، هدوء يسبق العاصفة. دخل هو ومعاه عمه وكبير عيلتهم، وفي عينيه اللمعة النرجسية إياها، اللمعة اللي بتقول: “أنا هعرف أطلع نفسي صح، وأبين إنها هي اللي نكدية وخربت بيتها في العيد”.

أول ما قعد، بدأ عمه الكلام وقال: “يا ج,,ماعة إحنا أهل، ومفيش بيننا محاكم، والصلح خير، وابننا جاي يخد مراته وولاده في إيده، ومستعد يراضيها باللي تشوفوه”.

هنا جوزي اتكلم، وبنبرة فيها تمثيل وتأثر مصطنع قال: “أنا عمري ما قصرت، بس هي اللي بتسمع لكلام غريب، وخرجت من البيت من غير إذني ليلة العيد وسابتني لوحدي، وده مايرضيش ربنا”.

أبويا سابه لما خلص كذبه وتمثيله خالص، وبص له بنظرة هدت كل الثقة اللي كان بيتكلم بيها، وقاله بصوت جهوري: “أنت جاي تشتكي إنها سابتك لوحدك في العيد؟ طب والولاد؟ الولاد اللي لحمك ودمك، اللي سبتهم مكسورين ونزلت تسهر وتضحك مع إخواتك وأمك، بعد ما خليت ولاد سلايفها يعايروهم إنهم مش مؤدبين؟ أنت جاي تتكلم عن الأصول وأنت قاطع عنهم المصروف وبتديهم 1500 جنيه في الزمن ده وأنت مقتدر؟”

جوزي وشه جاب ألوان، وبدأ يقطّع في الكلام: “يا عمي دي أمي برضه، وأنا مكنتش أقصد..”

قاطعه أخويا الكبير وض,,رب على الترابيزة: “لأ قصدت.. وقصدت تكسرها وتكسر ولادك عشان ترضي الست الوالدة. اسمع بقى يا فلان.. الكلام الكتير ملوش عازة. إحنا مجهزين قضايا النفقة والتمكين، ومستندات أملاكك كلها تحت إيد المحامي، ولو مشيت قانون، القاضي هيعلمك الأصول اللي مأتعلمتهاش. بس إحنا بنشتري العشرة، وبنتنا مش هترجع غير بشروطنا إحنا، ومش هتمشي من هنا غير وراسها في السماء”.

عمه بص لجوزي وقاله: “اسمع شروط نسيبك يا ابني.. أنت غلطت في حق ولادك”.

أخويا طلع ورقة وقرأ الشروط وشهود القاعدة سامعين:

> **أولاً:** مصروف البيت هيتحدد بمبلغ محترم وعادل يتناسب مع دخلك الحقيقي، وهيتم تحويله في حساب بنكي باسم بنتنا أول كل شهر، ومفيش جنيه هينقص منه تحت أي ظرف.

> **ثانياً:** بنتنا هترجع لشغلها اللي أنت قعدتها منه بالضغط، ومليكش دعوة بمرتبها، مرتبها ليها ولتأمين مستقبلها، ومصاريف البيت كاملة عليك أنت زي ما ربنا قال.

> **ثالثاً:** ودي الأهم.. رد الاعتبار. زي ما أولادك اتكسروا قدام العيلة كلها، أنت هتاخد أولادك ومرتك وتفسحهم أحسن فسحة، وتجيب لهم لبس وسلاسل دهب لبنتك، وتتصوروا وتتأكد إن العيلة كلها تشوف إن ولادك هما الكل في الكل، ومفيش مخلوق في بيت أهلك، من أول أمك لأصغر طفل في العيلة، يوجه كلمة لبنتنا أو ولادها، وإلا قسماً بالله الشنطة هتتلم تاني، وساعتها مش هتشوفهم غير في المحكمة.

>

جوزي كان قاعد بيغلي، ملامح وشه كانت بتتحول من الصدمة للغل، النرجسي اللي جواه مكنش قادر يستوعب إن الست اللي كان بيحركها بكلمة من أمه، بقالها شروط، وبقى وراها رجالة بيحاسبوه بالورقة والقلم، ومأمنينها بالقانون.

حاول يلتف حوالين الشروط وقال: “طب والشغل ملوش لزوم، وأنا هجيب لها اللي هي عايزاه..”

أبويا وقف وقاله: “كلمتنا واحدة ومفيهاش فصال.. هتمضي على الشروط دي في وصل أمانة كضمان، وتنفذ، يا إما المحامي يكمل إجراءاته، وتشوف بقى هتدفع كام في المحاكم، والناس تقول إيه عن الراجل اللي مش عايز يصرف على عياله”.

عمه ضغط عليه وقاله: “امضي يا ابني وخلصنا، أنت اللي جبت ده كله لنفسك ولبيتك”.

بص لي جوزي بنظرة كلها توعد وغل، بس أنا واجهت نظرته بعين قوية وثابتة، ومتهزتش شعرة واحدة. حس لأول مرة إني مابقتش أخاف منه ولا من تهديداته. مد إيده ومضى وهو سنانه بتصطك من الغيظ.

نفذ أول جزء، وحول المبلغ، ورجعت شغلي وراسي مرفوعة. وفعلاً جه أخدنا، واشترى الدهب واللبس ولادي كانوا فرحانين، بس أنا مكنتش فرحانة.. أنا كنت حذرة. النرجسي لما بيتكسر وبيتجبر على حاجة، مبيستسلمش بسهولة، بيبدأ يخطط في الداري عشان يرد القلم قلمين.

لما رجعنا البيت، كان بيتعامل بأدب مبالغ فيه وهدوء مريب، مكنش بيتكلم كتير، بس عينه كانت بتراقب كل خطوة بعملها. وفي يوم، وأنا في الشغل، تليفوني رن، وكانت المفاجأة اللي مكنتش متوقعاها.. سلفتي الكبيرة، اللي كانت دايماً مع حم,,اتي عليا، بتتصل بيا وصوتها بيترعش وبتقولي: “الحقيني يا فلانة.. جوزك وأمه بيخططوا لحاجة هتهد بيتك خالص، وأنا ضميري نقح عليا بعد اللي حصل للغلابة ولادك في العيد، ولازم أقابلك حالاً من وراهم!”…

نزلت الكلم,,ات عليا زي المايه الساقعة. سلفتي الكبيرة؟ اللي عمرها ما صفت لي، واللي كانت دايماً أول واحدة بتسقف لحم,,اتي لما تيجوا عليا؟ كلمتها كانت صدمة، بس في نفس الوقت أكدت لي إن حذري منه مكنش من فراغ. النرجسي عمره ما بيقبل الهزيمة، وكان لازم يحضر ض,,ربة يرجع بيها “هيبته” اللي اتكسرت قدام أهلي.

اتفقت معاها نتقابل في مكان بعيد عن المنطقة وعن أي عيون. رحت وأنا كلي ترقب، أول ما قعدت، كانت سلفتي باين عليها الخوف والتوتر، فركت إيديها وقالت بصوت واطي: “أنا عارفة إنك مستغربة إني بكلمك، ويمكن مش مصدقاني.. بس قسماً بالله أنا ليلتها منمتش من منظر ولادك وهما مكسورين، وبنتي الصغيرة سألتني وقالت لي (يا ماما هما ولاد عمي مش مؤدبين بجد؟). الكلمة وجعتني في صلب قلبي، وخفت على ولادي من ذنب ولادك”.

بلعت ريقي وقولت لها ببرود أحاول أظهر بيه قوتي: “ادخلي في الموضوع يا أم محمد.. جوزي وأمه بيخططوا لإيه؟”

اتنهدت وقالت: “جوزك متمكن قوي في التمثيل، هو وافق على شروط أهلك ومضى على الورق بس عشان يهدّي اللعب ويخليكي تسحبي المحامي، وعشان صورته قدام عمه وكبار العيلة متهتزش. من يوم ما رجعتي، وهو بيروح لأمه كل يوم الصبح قبل ما يطّلع على شغله، وبيقعدوا يخططوا إزاي يكسروا الشروط دي قانوناً”.

سألتها: “إزاي يعني؟ هو مش مضى على وصل أمانة والتزام؟”

قالت لي: “أيوا.. بس هو راح لمحامي من طرف أمه، والمحامي قاله إن وصل الأمانة ده ممكن يطع,,ن فيه بالصورية لأنه مأخوذ تحت ضغط وتهديد بخراب البيت، وفي نفس الوقت هما بيجهزوا لملف كامل ضدك. جوزي سمعهم وهما بيقولوا إنهم هيراقبوا مواعيد خروجك ودخولك من الشغل، وهيجيبوا شهود من جيرانهم تبعهم يشهدوا إنك بتسيبي الولاد لوحدهم في البيت بالساعات، وإنك مقصرة في رعايتهم، عشان يرفع عليكي قضية (إسقاط حضانة) ويأخد الولاد منك!”.

حسيت بكهربا مشيت في جسمي، بس مبيّنتش. كملت سلفتي وهي بتلتفت حواليها: “مش بس كده.. حم,,اتي قالت له (سيبه يجمع قرشين من الشغل الجديد اللي رجعت له، وطالما هي حاطة فلوسها في حسابها، إحنا هنخليها تصرفهم غصب عنها). هما ناويين يزنقوكي في مصاريف تانية للبيت بطرق غير مباشرة، وفي الآخر يرفع عليكي قضية طاعة في بيت طاعة تاني خالص بعيد عن شقتك، بيت قديم تبع أمه في المحافظة التانية، عشان تضطري ترفضي وترفعي خلع، وتتنازلي عن كل حقوقك والمؤخر والنفقة عشان تخلصي!”.

وقفت سلفتي ولفت طرحتها وقالت: “أنا قولت لك اللي عندي عشان أبري ذمتي قدام ربنا، ولادك ملهومش ذنب، بس أرجوكي أوعي يعرفوا إني قولت لك حاجة، أنا عندي بنات وعايزة أعيش في بيتي مستورة”.

مشيت وسابتني قاعدة في مكان الخبطة. النرجسي مش عايز بس ينتقم، ده عايز يجرجرني في المحاكم، وياخد ولادي اللي هما روحي، ويجرّعني المر اللي دوّقتهوله في قعدة الرجالة.

رجعت البيت وأنا جوايا بركان، بس ملامح وشي كانت تلاجة. دخلت لقيت جوزي قاعد، مبتسم ابتسامته الصفرا المعتادة، وقالي بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم: “نورتي بيتك يا حبيبتي.. الشغل عامل معاكي إيه؟ مش تعب عليكي مع الولاد؟ لو تعبانة اقعدي وأنا عينيا ليكي”.

بصيت له وابتسمت بنفس الصفار وقولت له: “لأ يا حبيبي، الشغل مريحني جداً، والولاد أهم حاجة في حياتي ومأمنالهم كل حاجة، متقلقش عليا”.

من اللحظة دي، بدأت خطتي المضادة. إذا كان هو بيلعب في الضلمة، أنا هخليه يلعب في النور بس على حبل دايب.

أول حاجة عملتها، رحت للمحامي بتاعي وحكيت له كل اللي سمعته. المحامي ابتسم وقالي: “النوع ده من رجالة مكشوف قوي.. عشان يرفع قضية إسقاط حضانة بالإهمال، لازم يثبت ده بمحاضر وإثبات حالة، وده مش هيعرف يعمله طول ما إحنا مأمنين نفسنا. وعشان بيت الطاعة، إحنا هنسجله كل مليم بيدخل الحساب، وأي محاولة منه للتقصير هتبقى مثبتة بنكيًا”.

المحامي نصحني نصيحة ذهبية: “من اليوم وطالع، تليفونك ميفصلش تسجيل لأي حوار بينك وبينه. وتوثقي كل خروج ودخول للولاد، وحضاناتهم أو مدارسهم. والأهم من ده.. إحنا مش هنستنى لما هو يض,,رب، إحنا اللي هنحجم حركته”.

بدأت أنفذ بالمسطرة. ركبت كاميرا صغيرة جداً في صالة الشقة من غير ما يعرف، بحجة إنها أمان للأولاد وأنا في الشغل، بس الحقيقة كانت عشان تسجل طريقته ومعاملته الحقيقية وصوته لما يرجع لطبيعته النرجسية ورا الأبواب المقفولة.

وفي يوم، وأنا بجهز العشا، دخل المطبخ ووقف ورايا، وبدأ يغير نبرة الهدوء لنبرة فيها سم وقالي: “على فكرة.. الفلوس اللي بتدخليها البنك دي، المفروض تدفعي منها مصاريف مدرسة الولاد السنة دي، أنا الميزانية عندي مخرومة، والشروط اللي أهلك حطوها دي بليها واشربي ميتها، أنا وافقت بس عشان المركب تسير، إنما مفيش راجل بيمشي بكلمة ست وأهلها”.

أنا ماردتش، فضلت ساكتة وبكمل تقطيع الخضار ببرود أعصاب غريب. السكوت ده جننه، مسك إيدي جامد وقالي بصوت واطي ومليان غل: “أنا بكلمك.. فاكرة نفسك بقيتي قوية؟ وحياة أمي لأربيكي من جديد، وأخليكي تلفي حوالين نفسك عشان تشوفي عيالك دول، الصبر طيب يا فلانة”.

فضلت باصة في عينيه ومسحبتش إيدي، وقولت له بكل هدوء: “خلصت كلامك؟ العشا جاهز”.

ساب إيدي ونفض نفسه وخرج وهو بيبرطم. هو فاكر إنه بكده بيهددني وبيقيس نبضي، وميعرفش إن الكاميرا اللي في الصالة، والموبايل اللي في جيب المريلة، سجلوا كل كلمة، وكل حركة، والتهديد الصريح بإني مش هشوف عيالي.

الخيوط كلها بدأت تتجمع في إيدي، وأنا مش هسيبه يرفع قضية واحدة. أنا كنت بجهز له المفاجأة الكبيرة اللي هتهد المعبد على دماغه ودماغ أمه، مفاجأة هتخليه يدفع تمن كسرته لولادي ليلة العيد، وتمن كل قرش استخسره فينا وهو معاه ملايين.

قبل ما أتحرك خطوتي الأخيرة، جالي اتصال تاني من رقم غريب، ولما رديت، سمعت صوت حم,,اتي وهي بتتكلم بثقة تامة وتقول: “اسمعي يا بت أنتِ.. ابننا رجع لكِ بأمرنا، وهيطلقك بأمرنا، والعيال دول مكانهم في حض,,ن أبوهم وأمهم، وأنتِ هتخرجي من المولد بلا حمص.. واليومين دول عيشيهم كويس عشان هما آخر أيام ليكي في الشقة دي!”…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *