ج الاخير أنا وسلفتي
حكايات روماني مكرم
جاءت الخطوة الكبرى بعد مرور عدة أشهر على استقرارنا في القاهرة. كنا قد حققنا نجاحات ضخمة في السوق، وبات اسم كريم وأخي الأكبر يتردد في أوساط رجال الأعمال بكفاءتهما ونزاهتهما. وفي أحد الأيام، التفت إليّ طارق ابن خالتي وقال بابتسامة ذات مغزى: “يا رشا، الأصول بتقول إن الباشا لما ربنا يكرمه ويعلى مقامه، لازم يرجع يزور مكانه القديم.. مش عشان يعيش فيه، لكن عشان يوري الكل إن ربنا عادل، وإن اللي صان كرامته وعزة نفسه كسب الدنيا كلها. إحنا هننزل البلد الأسبوع الجاي بزفة سيارات ما شافتهاش المحافظة كلها، عشان نقوم بواجب عائلي كبير.”
وبالفعل، وفي يوم جمعة مشهود، اهتزت شوارع البلدة بأكملها تحت وقع أسطول من السيارات الفارهة السوداء، تتقدمها سيارة كريم الفخمة وجوارها سيارتي، وخلفنا أولاد خالتي وأخي الأكبر بحراستهم الشخصية. خرجت البلدة كلها لتشاهد هذه “الزفة الأسطورية” التي لم تكن لحفل زفاف، بل كانت زفة عزة وكرامة لـ “رشا وكريم” العائدين من العاصمة.
توقفت السيارات أمام بوابة بيت العيلة الكبير، ونزلنا بكل هيبتنا وجاهنا. كنت أرتدي عباءة من الحرير الفاخر وتتألق في يدي ورقبتي أطقم الذهب والألماس التي أهداني إياها إخوتي وزوجي، ودخلنا إلى القاعة الكبرى بالطابق الأرضي حيث كانت حماتي الحاجة فاطمة وسلفتي سلوى وأعمام كريم يجلسون بملامح مخطوفة وعيون يملأها الذهول والارتباك.
جلس كريم في صدر القاعة وإلى جواره طارق وعاصم وماجد وأخي الأكبر، بينما وقفتُ أنا بكل ثقة ألقي السلام. تقدمت حماتي بخطوات مرتعشة، وقد تبدل جبروتها وقسوتها السابقة إلى نظرات رجاء واستعطاف، وقالت بصوت متهدج: “أهلاً يا كريم يا ابني.. نورت بيتك ومطرحك، نورتي يا رشا يا بنتي.. يا مرحب بالبشوات.”
لم ترفع سلوى عينيها من الأرض؛ فقد كانت تجلس في زاوية القاعة وهي تكاد تموت كمداً وغيظاً، بعد أن رأت بأم عينيها الفخامة والجاه اللذين أعيش فيهما، واللذين جعلا من جهازها وذهبها القديم شيئاً بسيطاً لا يُذكر.
التفت طارق نحو أعمام كريم وحماتي، وقال بنبرة صوت قوية ملأت القاعة:
> “يا جماعة، إحنا جينا النهاردة عشان نطمنكم على كريم ورشا. كريم دلوقتي مش مجرد ابنكم، كريم بقى من كبار مديري شركاتنا وشريك رسمي، والخير اللي هو فيه يسد عين الشمس. وإحنا جينا عشان نقوم بالواجب القديم اللي فاتنا في البلد هنا، وكمان عشان نبلغكم إننا اشترينا الأرض الكبيرة اللي على أول الطريق الرئيسي للبلد، وهنبني عليها مجمع سكني وتجاري باسم رشا وكريم، عشان الكل يعرف إن ضهر رشا وسندها ما بيخلصش.”
>
هنا، نظر كريم إلى والدته بنظرة تحمل العتب والبر في آن واحد، وقال لها بهدوء وثقة:
> “يا ماما.. أنا جيت النهاردة عشان أبوس إيدك وأقولك إني عمري ما نسيت فضلك، بس جيت كمان عشان تشوفي بعينك إن رشا اللي جهازها ما عجبكيش وصينية صباحيتها ما شرفتكِش، هي السبب في كل الجاه والخير والرفعة اللي أنا فيهم النهاردة. ورثها وأصلها وعزة نفسها هما اللي عملوا لي المقام ده وسط الناس.”
>
انهمرت الدموع من عيني حماتي ندمًا وحسرة على ما فرطت في حقي، واقتربت مني تحاول الاعتذار وتقبيل رأسي وهي تقول: “سامحيني يا رشا يا بنتي.. أنا اتميت بالمظاهر وعميت عن الأصل الطيب، أنتِ ست البنات والبيت بيتك في أي وقت.”
نظرتُ إليها بابتسامة صافية، وقلت بكل كبرياء: “المسامح كريم يا ماما.. وأنا خلاص سامحت، لأن ربنا عوضني بأحلى عيشة وأكبر مقام، والحمد لله إن الحقيقة ظهرت والكل عرف مقامي ومقام أهلي.”
التفتُّ لأرى سلوى وهي وتنسحب من القاعة تجر أذيال الخيبة والكسر، بعد أن أدركت أن اللعبة انتهت تماماً لصالح عزة النفس. ولكن، بينما كنا نستعد لمغادرة بيت العيلة والعودة إلى قصرنا في القاهرة، حدثت مفاجأة غير متوقعة من أحد أعمام كريم، قلبت الجلسة وأعادت فتح ملفات قديمة تخص بيت العيلة.. فما هي هذه المفاجأة وماذا سيحدث في الجزء القادم؟
عشنا في القاهرة أياماً كأنها قُطفت من جنات النعيم، ولم تكن مجرد عيشة مادية رغدة، بل كانت حياة تفيض بالراحة النفسية والتقدير والود. تحول بيتنا الفخم إلى واحة دافئة، وانتهت إلى الأبد أيام الحسابات الضيقة والمقارنات الجارحة التي عشتها في بيت العيلة الكبير تحت عيون حماتي وسلفتي سلوى.
كان كريم يعود من مقر إدارة الشركات ومعه أخي الأكبر طارق وعاصم، والابتسامة لا تفارق وجهه. لم يعد ذلك الشاب المكسور الذي يحمل همّ الكلمة والنظرة، بل أصبح رجلاً يفيض ثقة وهيبة، وله الكلمة المسموعة في قطاع الأعمال. كان كل يوم يمر علينا يحمل معه فُسحة جديدة وتفاصيل مبهجة في هذه “العيشة النظيفة” التي تليق بعزة نفسي التي صنتها.
كنا نقضي عطلات نهاية الأسبوع في التنزه بأرقى وأفخم أماكن العاصمة. لم نترك مكاناً جميلاً إلا وزرناه؛ نركب اليخوت الخاصة في النيل لنستمتع بنسمات المساء العليلة، ونتناول عشاءنا في الفنادق الفاخرة المطلة على النيل مباشرة، حيث الأضواء تتلألأ والموسيقى الهادئة تعزف، وكريم ينظر في عيني ويقول: “العيشة دي ما تنظفش ولا تحلى إلا بيكي يا رشا، أنتِ الهانم اللي نورت حياتي ورجعت لي روحي.”
وفي الصيف، كان أولاد خالتي البشوات يحجزون لنا شاليهات خاصة في أرقى قرى الساحل الشمالي. كنا نسافر بسياراتنا الفارهة لنقضي الأسابيع أمام مياه البحر الزرقاء الصافية، أرتدي أرقى الملابس والفساتين التي تشتريها لي أمي من أرباح ورثها، ونستمتع بالرفاهية التي حُرِمنا منها طويلاً. أقف على شاطئ البحر، وأتذكر تلك الأيام التي كنت أبكي فيها في بلكونة الشقة الضيقة ببيت العيلة، فأبتسم وأحمد الله الذي يعز من يشاء بحكمة وصبر.
ولم نكن ننعم بهذا النعيم وحدنا، بل كانت أمي تعيش معنا أحلى أيام عمرها في شقتها الفخمة القريبة منا؛ شُفيت من تعب السنين، وصارت تجلس بيننا كالملكة، تحيط بها الرعاية من كل جانب. وأخي الأكبر أصبح يستعد لزفافه في أكبر قاعات القاهرة، واشترى لعروسه جهازاً وشبكة يتحدث عنها الجميع، ليثبت أن “أولاد مواليد 88” وجيلنا شقوا طريقهم بالصبر وعزة النفس حتى وصلوا إلى قمة الجاه.
كانت هذه العيشة النظيفة والفُسح المستمرة تصل أخبارها وصورها أولاً بأول إلى البلدة والبيت الكبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي وألسنة الأقارب. كانت الصور تنزل على قلب سلفتي سلوى كالصواعق؛ وهي تراني أتنقل من مكان فاخر إلى آخر، وأرتدي أحدث صيحات الموضة والألماس، بينما هي محبوسة في شقتها المقابلة ببيت العيلة، تأكل الغيرة قلبها بعد أن تلاشت مظاهر عائلتها التجار أمام ثروة البشوات وورث أمي. أما حماتي، فكانت تجلس نادمة، تتمنى لو يعود بها الزمن يوماً واحداً لتستقبلني بالترحاب بدلاً من المذلة.
لكن هذه العيشة الهنيئة والفسح الساحرة كانت بمثابة الشحن الأخير لطاقتنا، فالوقت قد حان لإغلاق كتاب الماضي تماماً. وفي وسط هذه الأجواء الاحتفالية والنظيفة، رن هاتف كريم ليعلن عن اتصال طارئ من البلدة.. اتصال يحمل التفاصيل الأخيرة التي ستضع الكلمة الأخيرة في هذه القصة، وتحدد المصير النهائي لبيت العيلة الكبير وبمن فيه.. فما هو هذا الاتصال، وكيف ستكون نهاية الظلم وبداية عهد عزة النفس المطلق في الجزء الأخير؟
لم يمر وقت طويل على ذلك الاتصال الطارئ، حتى تبين أن المكالمة كانت من أعمام كريم، يطلبون منه التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في “البيت الكبير”. فالأحوال هناك انقلبت رأساً على عقب؛ التجارة التي كانت تتفاخر بها سلوى وعائلتها تعرضت لخسائر فادحة أدت إلى إفلاس والدها، والبيت الذي كان يملأه الجبروت والمظاهر الزائفة أصبح كئيباً ومهجوراً، ولم تعد حماتي تجد من يخدمها أو يواسيها بعد أن انشغلت سلوى بمشاكل عائلتها المنهارة، وباتت تندم على كل لحظة ظلمتني فيها.
لكن كريم، الذي أصبح رجلاً مسؤولاً ذو حكمة بفضل عيشته الجديدة مع البشوات، قرر ألا يتخلى عن أصوله. أرسل لوالدته مخصصاً مالياً شهرياً يليق بها، ووفر لها من يرعاها، ليثبت بالدليل القاطع أن أصله الطيب ورثه من أمي وأهلي، وأن كرامة النفس تعني العفو عند المقدرة، دون أن نعود للعيش تحت سقف ذلك البيت الذي شهد كسرنا.
وفي غمرة هذا الانتصار والعيشة النظيفة الفارهة في القاهرة، جاءت الفرحة الكبرى التي توجت هذه الرحلة الأسطورية، وجعلت قلوبنا تطير من السعادة.
في أحد الصباحات الهادئة، شعرتُ ببعض التعب والإرهاق، فذهبت رفقة كريم إلى أكبر أطباء القاهرة للاطمئنان. وبعد إجراء الفحوصات، التفت إلينا الطبيب بابتسامة واسعة وقال: “مبروك يا مدام رشا.. مبروك يا بشمهندس كريم، المدام حامل في شهرها الثاني، والتحاليل كلها ممتازة.”
لم تسعنا الفرحة في تلك اللحظة؛ انهمرت دموع كريم وهو يعانقني ويحمد الله بصوت مرتجف، وشعرتُ أنا بأن الله لم يعوضني بالمال والجاه فقط، بل أنعم عليّ بأجمل نعم الدنيا ليكون هذا الجنين ثمرة لصبرنا وعزة نفسنا. طار الخبر إلى أمي وأخي وأولاد خالتي البشوات، الذين أقاموا احتفالاً ضخماً في قصرنا بالقاهرة، وقدموا الهدايا والمباركات لهذا الطفل القادم الذي سينشأ في عز، ورفعة، وحياة نظيفة تليق بأسماء عائلته الكبيرة.
وصارت الأخبار تصل إلى البلدة، ليعلم الجميع أن رشا التي دخلت بصينية بسبوسة، أصبحت اليوم الهانم وصاحبة الأملاك، ومستقبل عيلتها يمتد بجنين يحمل في عروقه دماء البشوات والكرامة.
### الحكمة من القصة:
> **إن المظاهر الزائفة والأموال الفانية لا تصنع قيمة للإنسان، فالجهاز الفاخر والذهب والتباهي بالمال يزول في لحظة أمام تصاريف القدر. القيمة الحقيقية تكمن في عزة النفس، وطهارة الأصل، والصبر على الابتلاء بكبرياء دون استجداء. ومن يصون كرامته ويحتسب ظلمه عند الله، يرفع الله مقامه ويفتح له طاقات القدر من حيث لا يحتسب، ليظل الأصل الطيب هو السند الحقيقي الذي لا ينقطع أبداً.**
>
