ج الاخير حماتي اتصلت بيا
حكايات روماني مكرم
الرسالة فضلت منورة شاشة الموبايل، والكلمات واقفة في زوري زي اللقمة الناشفة. “أنا مكنتش حرامي يا رانيا.. وأمي هي اللي زقتني، والنهاردة أنا خدت حقي بإيدي.. والكل هيتحاسب.” الجملة كانت مرعبة، مش لأن شريف بيهددني، الجملة كان طالع منها ريحة انتقام ويأس لواحد جاب آخره واتداس على كرامته لحد ما اتمحت.
مفيش خمس دقائق، ولقيت أحمد أخويا داخل أوضتي وعينه في الموبايل ووشه مخطوف: “رانيا! شوفتي اللي شريف بعته على الجروب؟ الواد ده قصده إيه؟ ومين اللي هيتحاسب؟”
قبل ما أرد على أحمد، سمعنا صوت صريخ وسويت جاي من الشارع.. صريخ يخلع القلب، طالع من ناحية بيت طنط هدى.
جرينا أنا وأحمد على البلكونة، الشارع كله كان متجمع تحت بيتهم، والناس بتجري، وفيه صوت عربية إسعاف جاي من بعيد. أحمد قالي: “خليكي هنا يا رانيا متنزليش”، ونزل جري يشوف في إيه.
دقائق والوقت كان بيمر عليا زي السنين، ضربات قلبي كانت مسموعة، لحد ما أحمد رجع ووشه زي اللوح التلج، قعد على الكرسي وهو بيلهث: “شريف ودا نفسه في داهية يا رانيا.. الواد اتجنن!”
بلعت ريقي وقولتله بصوت مرعوش: “عمل إيه يا أحمد؟ أنطق!”
أحمد قال: “شريف مكانش هربان ولا حاجة.. الواد راح الصبح لشركة المقاولات اللي شغال فيها، ودخل على المدير وقدم له ورق يثبت إن الفلوس اللي كانت ناقصة في العهدة، نيرمين بنت خالته هي اللي كانت سحباها بالاتفاق مع طنط هدى عشان يلووا دراعه ويجبروه يتجوز نيرمين بعد ما أنتِ سبتيه! يعني طنط هدى ونيرمين هما اللي عملوا اللعبة دي كلها وورطوه في العجز، ونيرمين دفعت الفلوس من هنا عشان تظهر في دور المنقذة وتخليه يوافق عليها غصب عنه!”
أنا اتسمرت في مكاني: “يا نهار أسود! يعني أمه هي اللي سرقت ابنتها ولبسته مصيبة عشان تكسر عينه؟”
أحمد هز رأسه وكمل: “مش بس كدة.. شريف لما عرف الحقيقة من واحد صاحبه في الحسابات كشف اللعبة، متمالكش نفسه. راح البيت لقى نيرمين قاعدة مع أمه بيخططوا للفرح، دخل عليهم زي البركان.. كسر الشقة كلها فوق دماغهم، ومسك وصولات الأمانة والعقود اللي أمه كانت كاتباها باسمها وقطعها في وشهم، وطرد نيرمين وفضحها وسط الشارع، وأمه لما لقت شقا عمرها والسيطرة اللي بنتها اتهدت في ثانية، وقعت من طولها وجالها شلل نصفي من الصدمة، وشريف سابهم وخرج ومحدش عارف طريقه فين!”
قعدت على السرير وجسمي كله بيترعش.. الحكاية مكنتش حكاية فرض سيطرة وبس، دي كانت شبكة من الغل والطمع والشر، لدرجة إن الأم تضحي بمستقبل ابنها وتلبسه تهمة سرقة عشان يفضل تحت طوعها وفِي جلبابها! ربنا نجاني.. نجاني بجد ومن وسع.
عدى يومين، والمنطقة مكنش وراها سيرة غير “البيت اللي اتهد بسبايب طمعه”، طنط هدى بقت عاجزة ومبتتحركش، ونيرمين وأهلها لموا حاجتهم وسابوا المنطقة من كتر الفضيحة بعد ما الكل عرف إنها كانت بتشتري راجل بالندالة والمؤامرات.
وفي ليلة اليوم الثالث، الساعة كانت واحدة بعد نص الليل. الدنيا كانت هووس، وأمي وأحمد كانوا نايمين. كنت قاعدة في الصالة بقفل أوراق شغلي، وفجأة سمعت خبط خفيف جداً على باب الشقة.. خبطة وراها نفس مكتوم.
قومت وقربت من الباب وبصيت من العين السحرية.. قلبي سقط في رجلي.
شريف كان واقف.. هدومه مقطعة، دقنه طويلة، وعينيه دبلانة تماماً وفيها نظرة ضياع مرعبة، بس مكنش معاه س..لاح ولا كان شكله جاي يؤذي، كان شايل في إيده كيس أسود صغير.
وقفت ورا الباب وقولت بصوت واطي ومبحوح: “شريف؟ عايز إيه يا شريف؟ وأنت إيه اللي جابك هنا؟ الشرطة بتدور عليك!”
سمعت صوته من ورا الخشب، صوت ميت، طالع من قاع بئر: “عارف يا رانيا.. وعارف إن ماليش مكان لا في الدنيا ولا في قلبك. أنا مش جاي أطلب رجوع، ولا جاي أعمل مشكلة.. أنا جاي أديكي دي.”
شاور على الكيس الأسود من العين السحرية وكمل كلامه والدموع نازلة على ديرته: “دي الفلوس اللي باقية من شقايا.. بعد ما قطعت العقد مع ألمقاول وخدت مستحقاتي. الفلوس دي حقك.. حق الأيام اللي ظلمتك فيها وحق كرامتك اللي اتهدرت بسببي وبسبب أمي. أنا مسافر يا رانيا.. مسافر لمكان بعيد برة المحافظة كلها، هبدأ من الصفر بجد، بس كراجل.. مش كأداة في إيد حد.”
سكت شوية، وسند رأسه على الباب وقال: “أنا فوقت.. بس فوقت بعد ما كل حاجة ضاعت. ادعيلي يا رانيا.. وسامحيني.”
سمعت خطوات رجله وهي بتبعد عن الباب وبتنزل السلم بسرعة. فتحت الباب فوراً وخرجت، لقيت الكيس الأسود محطوط على الأرض.. وشريف اختفى في ضلمة السلم.
فتحت الكيس، لقيت فيه الفلوس، وفوقيها ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيده: *”الحكاية مخلصتش بـ كسرتنا.. الحكاية بدأت يوم ما أنتِ قولتِ ‘لا’.. شكراً لإنك فوقتيني، حتى لو كان التمن عمري كله.”*
وقفت في مدخل الشقة والفلوس في إيدي، والأسئلة بدأت تنهش في دماغي.. هل شريف هيبدأ بجد ويكون الراجل اللي اتمنيته؟ وهل الفلوس دي هقبلها ولا هترجع لـ أمه العاجزة اللي ملهاش حد دلوقتي؟ وبنت خالته نيرمين، هل هتسكت بعد ما اتمسح بكرامتها الأرض برضه؟ الحكاية لسه بتدور..
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مسكت الورقة في إيدي وأنا حاسة بجسمي كله بيترعش. الكلمات كانت واضحة، والخط المهزوز بيعكس حالته. بصيت على السلم الضلمة اللي اختفى فيه شريف، ولقيت نفسي قدام خيارين أصعب من بعض: الفلوس دي شقا عمره اللي باقي، ودلوقتي أمه في المستشفى عاجزة ومحتاجة كل قرش، ونيرمين وأهلها مش هيبقوا ساهلين بعد الفضيحة اللي حصلت.
دخلت الشقة وقفلت الباب بالراحة عشان أحمد وأمي ما يحسوش بحاجة. قعدت في الصالة والكيس الأسود قدامي على الترابيزة. مكنتش قادرة أنام، وعقلي شغال زي الماكينة. فكرت في طنط هدى.. الست اللي كانت من كام يوم بتهاجمني وبتقولي “اعملي حدود لنفسك”، النهاردة بقت بين حيا وموت، مشلولة ومكسورة، وابنها اللي عاشت العمر كله تتحكم فيه عشان يفضل تحت طوعها، سابها في ليلة وضلمة ومشي.
“الشماتة مش من طبعنا يا رانيا..” الكلمة دي رنت في ودني بصوت أبويا الله يرحمه. الفلوس دي لو فضلت معايا، هبقى كأني باخد تمن وجعي، وأنا وجعي مبيتمنش بفلوس، وكرامتي رجعتلي يوم ما قولت “لا” قدام المنطقة كلها.
على الصبحية كدة، صحيت على صوت حركت أمي وأحمد في الصالة. خرجت من أوضتي وأنا شايطة الكيس الأسود في إيدي، وحطيت الورقة قدام أحمد.
أحمد قرا الورقة وبص للفلوس وبصلي بذهول: “الواد جالك هنا بالليل؟”
قولتله: “جه وساب الفلوس دي ومشي.. قال إنها حق كرامتي وشقاه اللي باقي.”
أمي قربت وقالت والدموع في عينيها: “لا يا بنتي، إحنا مناكلش مال مش بتاعنا، والواد ده أمه بتموت في المستشفى وملهاش حد، ومنة أخته ملهاش ذنب في الجبروت اللي أُمها عملته.”
أحمد هز رأسه وقال: “أمي عندها حق يا رانيا.. شريف غلط، بس في الآخر دارت عليه الدائرة وأخد جزاءه، والفلوس دي لازم تروح لـ منة عشان تصرف على علاج أمها.”
وفعلاً، وافقت أحمد. لبسنا ونزلنا أنا وهو، مروحناش المستشفى، إحنا روحنا لـ منة أخته في بيتهم. أول ما منة فتحت الباب وشافتنا، انخرطت في العياط وأخدتني في حضنها: “سامحيني يا رانيا.. سامحي أمي، البيت اتخرب وشريف فص ملح وداب والشرطة قلبت الدنيا عليه.”
أحمد طلع الكيس الأسود وحطه في إيد منة وقالها: “شريف جه لرانيا بالليل وساب الأمانة دي ليها.. ورانيا مش هتقبل تاخد قرش مش من شقاها. الفلوس دي علاج والدتك ومصاريفكم يا منة، وشريف ساب المحافظة كلها ومشي.. ادعوا له ربنا يتوب عليه ويصلح حاله.”
منة كانت بتبص للفلوس ومش مصدقة إن البنت اللي أُمها عايرتها بسندوتش فول، هي اللي جاية في وقت الشدة تسندهم بفلوس ابنهم اللي سابهالها. مشينا من عندهم وأنا حاسة إن جبل انزاح من فوق صدري، الحسابات اتصفت، وكل واحد أخد حقه تالت ومتلت.
عدى شهر كامل.. الشارع هدي، وزن التليفونات اللي كان مبيفصلش سكت تماماً. طنط هدى رجعت البيت على كرسي متحرك، ومبقتش ترفع عينيها في عين حد من الجيران، السيطرة والجبروت اتمحوا وبقت عايشة على خدمة منة وبس. ونيرمين اختفت من حياتنا تماماً بعد ما سيرتها بقت على كل لسان في المنطقة بالندالة.
وفي يوم جمعة، وأنا قاعدة في البلكونة مع أمي بنشرب القهوة، لقيت رسالة جاية على تليفوني.. بس المرة دي الرسالة مكانتش من رقم غريب، ولا من شريف.
الرسالة كانت صورة مبعوتة من “منة” أخت شريف.. الصورة كانت لـ جواب صغير شريف بعته لـ منة من محافظة تانية بعيدة في الصعيد، وكاتب فيه الجملة دي:
*”أنا اشتغلت في شركة مقاولات جديدة هنا.. وبدأت كعامل بسيط من الصفر عشان أبني نفسي بجد ومن غير فضل حد. بلغي رانيا إن أمانتها وصلتني، وإنها بـ رَفضها للفلوس ولـ أمي ولُيا.. علمتني إزاي أكون راجل.”*
دمعة حائرة نزلت من عيني وأنا بقرا الكلام.. شريف بدأ يفوق بجد، بس بعد ما القطر فاتنا إحنا الاتنين.
بصيت لأمي وابتسمت وقولتلها: “القهوة مظبوطة يا أمي.. والمرة دي مفيهاش أي طعم مر.”
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة، وأنا حاسة إن القصة خلاص بتلف خيوطها الأخيرة، والستارة بتنزل على حكاية بدأت بسندوتشين فول وطعمية وانتهت بـ درس العمر للكل.. بس القدر دايماً بيحب يحط لمسته الأخيرة في الوقت اللي بنفتكر فيه إن كل شيء انتهى!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو
مرت الأيام والشهور، وهديت العاصفة تماماً وصوت الزن الرخم اللي فضل في ودني لشهور اتمحى وحل مكانه هدوء نفسي كنت بتمناه من زمان.
وفي يوم جمعة مشمس، كنت واقفة قدام المراية بظبط طرحتي وبستعد عشان أنزل أحضر مناقشة مشروع تخرجي وتكريمي كأفضل منسقة محتوى رقمي في شركتي الجديدة. بصيت لملامحي في المراية.. ملقتش البنت المخضوضة اللي كانت واقفة في محل الفول وعينيها زايفة من الصدمة، لقيت ست قوية، عينيها مليانة ثقة، ووشها منور برضا حقيقي.
وأنا نازلة على السلم، لقيت منة أخت شريف طالعة. وقفت لما شافتني، وابتسمت ابتسامة صافية وقالتلي: “ما شاء الله يا رانيا، قمر يا حبيبتي.. رايحة فين على الصبح كدة؟”
قولتلها: “رايحة التكريم يا منة، دعواتك.”
قربت مني وبصوت واطي قالتلي: “شريف كلمني النهاردة الصبح.. بقى مهندس موقع في الشركة الجديدة هناك، وصوته راجع له فيه الهيبة والمسؤولية. سألني عليكي.. وقولتله إنك بقيتي في مكان أحسن بكتير وتستاهليه. دمع وقال ربنا يوفقها.. هي اللي خلتني آدم.”
هزيت رأسي بابتسامة هادية وودعتها ونزلت. مركب شريف مشيت في طريقها، ومركبي أنا كمان مشيت في طريق تاني خالص، بس المرة دي.. المركب مشيت بكرامتي، من غير ما أظلم نفسي أو أقبل أكون نص بني آدم في حياة حد.
وأنا قاعدة في قاعة التكريم وبسمع اسمي بيتردد في المايك وسط تصفيق الناس، رجعت بظهري لورا واقتربت في عقلي خيوط الحكاية كلها.. الحكاية اللي بدأت بـ 50 جنيه وسندوتشين فول وطعمية، وانتهت بإنها غيرت مصير عيلتين بالكامل.
### 💡 الحكمة من وراء الحكاية
القصة دي مكانتش مجرد خلاف بين عروسة وحماتها، دي كانت درس حي لكل بنت وكل راجل مقبلين على بناء بيت:
* **البيوت تُبنى على الأصول لا على فرض السيطرة:** الجواز مشاركة، وتفاهم، واحترام متبادل. الست اللي تدخل بيت وهي مكسورة الجناح ومستسلمة لإلغاء وجودها، بتفضل طول عمرها “تكملة عدد”.
* **المركب التي تسير على حساب الكرامة.. تغرق:** الكلمة اللي قالها شريف “فوتي عشان المركب تمشي” هي الكلمة اللي بتخرب البيوت. التنازل في البدايات عن الحقوق الأساسية والكرامة مبيضمنش الاستمرار، بالعكس، بيفتح الباب لمزيد من التنازلات لحد ما الإنسان يفقد نفسه.
* **الحب وحده لا يكفي لبناء بيت:** شريف كان بيحبني، بس الحب من غير شخصية قوية، ومن غير قدرة على حماية شريك الحياة وقول كلمة “حق” في وش القريب قبل الغريب، بيبقى حب عاجز ومبني على رمال متحركة.
* **تأديب الظالم بالترفع والرفض:** انتصاري الحقيقي على طنط هدى مكنش بالشتيمة ولا بالخناق، انتصاري كان بكلمة **”لا”** الثابتة، وبإني رجعتلها فلوس ابنها في وقت ضعفها. التربيزة اتقلبت لما شافت إن جبروتها وفلوسها وسيطرتها مكسروش عيني، وإن عزة نفسي كانت أقوى من كل ألاعيبها.
* **الصدمات بتصنع رجال أو بتكشفهم:** شريف مكانش بني آدم وحش، بس كان مسلوب الإرادة. الصدمة الكبيرة اللي أخدها لما خسرني وخسر شقاه، كانت هي القلم اللي فوقه وعلمه إن الرجولة مش بالسن، الرجولة بمواجهة الأخطاء والاعتماد على النفس.
نزلت من على المسرح وأنا شايلة درع التكريم في إيدي، وأمي وأحمد أخويا واقفين بيستقبلوني بالدموع والأحضان. بصيت للسماء وقولت: “الحمد لله.. كان غدا بـ 50 جنيه فول وطعمية، بس كان تمن شراء عمري كله من فخ السيطرة والندالة.”
قفلت تليفوني وحطيته في شنطتي، وخطيت خطوة جديدة لقدام.. خطوة في حياة واضحة، نظيفة، ومفيهاش أي دلع ماسخ!
**تمت الحكاية.**
