ج الاخير الورقة المنسية للكاتبة نرمين عادل همام

ج الاخير خلف كل باب حكاية

أما مصطفى، فالتوتر ظهر على وشه لأول مرة من يوم الأزمة، وبدأ يفرك في رقابته ويبص للملف برعب كأنه افتكر أخيراً الجري..مة اللي خطها بإيده.

أما أنا.. فوقفت وبصيت ليهم وبكل برود وثقة، كنت شايفة الخوف في عينيهم، وعارفة ومطمنة إن الورقة اللي كانوا فاكرينها ضاعت وماتت من سنين، لسه صاحية ومحتفظة بسر واحد بس، سر قانوني مدمر، قادر يقلب البيت ده كله فوق دماغهم ويهد المعبد على اللي فيه.

الكاتبة نرمين عادل همام

مصطفى بلع ريقه بصعوبة، وحسيت إن ريقه ناشف وزور ممسوك، وبص للمحامي وعروق رقابته بارزة وقال بتلعثم ونبرة مهزوزة:

— في إيه يا متر؟ ما تتكلم وتنطق! وقعت قلوبنا، ورق إيه ده اللي يوقفنا؟

المحامي أخد نفس طويل، وحط الملف البني بالراحة على الترابيزة، وسند بضهره لورا وقال بهدوء قاتل، الهدوء اللي بيسبق العاصفة:

— قبل ما أتكلم وأقول أي كلمة.. أحب أسأل حضرتك سؤال واحد وجاوبني عليه بصراحة.

مصطفى قدم جسمه لقدام وعينيه مبرقة من القلق وقال:

— إيه هو؟ اخلص!

المحامي مد إيده، وسحب الورقة الأخيرة من الملف، ورفعها في الوش وقال:

— الورقة دي إمضتك؟ وخَط إيدك؟

المحامي ناول له الورقة، ومصطفى مد إيده اللي كانت بترتعش وأخدها، وأول ما عينه جت على السطور وع لى الإمضاء والبصمة، اتجمد في مكانه كأنه صنم، والدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.

أنا في اللحظة دي كنت قاعدة حاطة رجل على رجل، ومربعة إيديا، ومراقبة كل حتة في ملامحه ووشه اللي كان بيجيب مية ألوان. كنت عارفة وحافظة الورقة دي كويس أوي، وعارفة إنه من كتر جبروته وغروره نسي وجودها من سنين طويلة، وافتكر إن الزمن محاها.

الورقة دي كانت “اتفاقية عرفية وشراكة” كتبها وصاغها بخط إيده يوم ما بدأنا نحط أول قالب طوب في البيت، ويوم ما بعت دهبي وحطيت شقا عمري. كان مكتوب فيها بوضوح ومن غير أي لف ودوران: “إن كل الأموال والمدفوعات اللي قامت بدفعها السيدة هند في تمن الأرض والمباني والبناء، تعتبر مشاركة فعلية وحق أصيل في ملكية العقار، وفي حالة البيع أو التنازل أو نقل الملكية لأي جهة أو شخص بدون موافقتها الكتابية، يحق لها المطالبة بكامل حقوقها المادية ونصيبها الشرعي من القيمة السوقية الحالية للعقار”.

 

وقتها، لما كتبها، كان بيمثل دور الراجل الحنين والأصيل وكتبها عشان يطمني ويثبت لي حسن نيته، ووقع عليها بإيده والشهود كمان مضوا معاه. ولأن الدنيا كانت ماشية ومستقرة ومفيش مشاكل، هو نسيها وافتكر إنها ضاعت في وسط ورق ملوش عازة.. إلا أنا! أنا بس اللي شلتها في نني عيني واحتفظت بالنسخة الأصلية دي وشلتها للزمن.

الكاتبة نرمين عادل همام

المحامي بصلهم وقال بنبرة قانونية ناشفة:

— والأهم كمان من الورقة دي والشرط الجزائي اللي فيها.. إن الملف ماليان إيصالات استلام وتحويلات بنكية رسمية وتواريخ بتثبت إن مدام هند ساهمت بمبالغ ضخمة جداً في شراء الأرض ومصاريف البناء خطوة بخطوة.

حماتي أول ما سمعت كلام المحامي، اتنفضت من على الكنبة وقالت بعصبية وصوت مسرسع:

— يعني إيه الكلام الفارغ ده يا متر؟ البيت باسمي أنا! العقد مسجل ومكتوب باسمي! مفيش تراجع!

المحامي رد عليها ببرود وهدوء وصدمها:

— يا فندم نقل الملكية وعقد البيع ده شيء.. والحقوق المادية والشراكة وإثبات أموال مدام هند ده شيء تاني خالص.

سكت ثانية عشان يرمي القنبلة الأخيرة وكمل:

 

— ولو القض.ية دي وصلت للمحكمة بالورق ده، الملف ده لوحده كفيل يفتح باب مطالبات مالية وضخمة جداً على حسابكم، وممكن يوصل للمطالبة بوقف التعامل على العقار كله والتحفظ عليه، يعني هتدخلوا في سين وجيم وجناية ونصب.

التفت وبصيت لمصطفى.. ودي كانت أول مرة في حياتي من 12 سنة أشوف الخوف الحقيقي بياكل في عينيه، الخوف اللي بيخليه مش عارف ينطق. هو كان مأمن ومتأكد إني ست ضعيفة ومكسورة الجناح، ومتأكد إني هبكي على الأطلال ومش محتفظة بأي دليل يدينه، ومتأكد إن السنين والوقت هيضيعوا حقي في المحاكم.

لكن اللي ما كانش يعرفه وغاب عن عقله، إن الإنسان لما يتعب ويشقى في حاجة ويبنيها بدم قلبه وعرقه، عمره في حياته ما بينسى تفاصيلها ولا بيفرط في ورقها.

 

بعد القعدة والاجتماع ده بيومين بالظبط، الباب خبط. فتحت لقيت مصطفى واقف بره وجاي البيت. كان هادي بشكل غريب، هدوء ما شفتهوش فيه من سنين، وعينيه مكسورة ومابقاش فيها الجبروت والتبغدد بتاع زمان.

دخل وقعد على الكرسي اللي قدامي، وبص في الأرض، وبعدين رفع عينه في عيني وقال بنبرة هادية وخاففتة:

— ممكن نتكلم يا هند؟ ونحل الموضوع ده ودي بينا؟

بصيت له بكل برود، ورفعت حاجبى وقلت:

— اتفضل، سامعاك.. قسِّم سمعي، قول كل اللي عندك وريني هترقع الخيبة دي بإيه.

حط إيديه بين ركبه وضمهم على بعض، ونزل راسه للأرض بانكسار وخزي عمري ما شفته فيه من يوم ما عرفته. فضل ساكت كأنه بيستجمع شجاعته، ولما اتكلم، صوته كان طالع مخنوق، واطي وناشف كأنه طالع من قاع بير مهجور:

— يا هند، إحنا بيننا عشرة عمر.. 12 سنة بحالهم مش هينين برضه عشان يتهدوا في لحظة، وفيه بيننا عيال ملهمش ذنب يعيشوا مكسورين.

ابتسمت بسخرية ملوها الوجع والقرف، وبصيت له نظرة طويلة وفاحصة من فوق لتحت، نظرة خلت جسمه يتفزز من الكسوف. العجيب والمقرف في الدنيا دي، إن الناس الأندال مابيتفتكروش العشرة، ولا بيعرفوا معنى الأصول والرحمة، غير لما يحسوا بالخسارة الكاملة وتطير من إيديهم الغنيمة، وتلاقي سكي..نة الحق نازلة على رقبتهم! طول ما هما كسبانين يدوسوا عليك، ولما يتزنقوا يفتكروا العيال والعشرة.

 

هز راسه تلات أربع مرات وهو باصص في الأرض، وكمل كلامه بنبرة كلها شحاتة واستعطاف، وهو بيمد إيده يحاول يلمس طرف إيدي، بس أنا سحبتها قوام:

— أنا والله العظيم يا هند ما كانش قصدي أوصلك للإحساس البشع ده، ولا كنت عايز أكسر بخاطرك أو أحسسك إنك غريبة.. أنا كنت..

قاطعت كلامه بحدة وزعقت فيه بصوت هز أركان الصالة:

— بس وصلته يا مصطفى! وصلته ودوقتني المر والذل والقلة، ونيمتني ليالي دموعي بتاكل في خدي وأنا بسأل نفسي أنا قصرت في إيه! كنت واقف مالي مركزك، وبتضحك في وشي بكل بجاحة، وبتتباهى بنصرك المزيف وبتقولي وريني هتعملي إيه! جاي دلوقتي تعيط؟

 

سكت تماماً، ومبقاش عارف يودي وشه فين من كتر الخزي، وشه احمر وعرق، وفضل يفرك في إيديه بقلة حيلة وزي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق، وقال بصوت يدوب مسموع:

— أمي.. أمي هي السبب، هي اللي كانت مرعوبة وخايفة عليا من الديون ومشاكل التجارة والسوق، وقالتلي أمن نفسك يا ابني عشان متضمنش الظروف، وأنا الصراحة ضغفت وسمعت كلامها ومشيت وراها وأعمى ربنا بصري.

 

رديت عليه بضحكة عالية ومجلجلة، بس كان ملوها القهر والكسرة اللي مابتتنسيش:

— يا سلام! يا حنين ياطيب ! تقوم لما تحب تحمي نفسك من ديون ومشاكل السوق، تقرر تظلمني أنا؟ تحمي نفسك وتكافئني على وقفتي جنبك بأنك تشيل اسمي من حياتك، وتمسح وجودي من الشقا والتعب اللي بنينا بيه الحيطان دي طوبة طوبة؟! أومال فين وعودك؟ فين كلامك إن البيت ده أماني وأمان ولادي؟

ما عرفش يرد.. لُجم لسانه تماماً واتقفل، ولأول مرة من يوم ما دخلت بيته من 12 سنة ما يبقاش عنده إجابة ولا مبرر صايع يداري بيه خيبته وندالته. بان على حقيقته؛ راجل مهزوز، اتعرى قدام ورقة صغيرة كشفت كل ألاعيبه.

 

الأيام اللي جت بعد القعدة دي كانت صعبة، تقيلة وطاحنة زي الرحايا اللي بتهرس العضم. العيلة والبلد كلها من ناحيتي ومن ناحيته عرفت باللي حصل واتدخلت في الموضوع، والبيت بقى عامل زي المولد، والكل بقى يدلي بدلوه ويفتي. اللي يجيبني على جنب ويقولي: “يا بنتي معلش، المسامح مصطفى، الراجل غِلط والشيطان شاطر، 

الكاتبة نرمين عادل همام

اشتري خاطر جوزك واستروا على بعض”، واللي تقولي: “حافظي على بيتك وبلاش خراب مستعجل وشماتة الناس فيكِ”، والكل بلا استثناء كان بيعزف على نغمة واحدة تقرف: “عشان خاطر العيال.. العيال هيروحوا فين؟ ملهمش ذنب يتبهدلوا بين المحاكم”.

 

بس الغريبة والوجع الحقيقي، إن وسط كل الهيصة دي، محدش فيهم نطق بكلمة حق، محدش جاب سيرة كرامتي اللي اتدست بالجززمة وتهانت، محدش اتكلم عن وجع السنين، والكسرة والطعنة اللي سكنت في قلبي لما اكتشفت إن أقرب الناس ليا، الراجل اللي نام في حضني وأمنته على اسمي وعرضي وحياتي، كان مستعد وبكل بساطة يمسح تعبي وشقايا وأيام الفجرية اللي كنت بصحاها في البرد، يمسح كل ده بجرة قلم عشان يرضي أمه ويسرقني!

 

بعد شهر كامل ملوش ملامح من المداولات، والاجتماعات، والخناقات المحتدمة، والشد والجذب والتهديدات بين المحامين في المكاتب، حصلت حاجة ما كانتش تخطر على بال بشر ولا تيج في خيال إبليس نفسه.. حماتي بنفسها كلمتني في التليفون، وبنبرة مكسورة طلبت تقابلني في بيتها، وحددت المعاد.

 

رحت لها وأنا رابطة جأشي، حاطة في بطني بطيخة صيفي، قلبي ميت ومبقاش فيه مكان للخوف، كنت عمالة أقدم رجل وأأخر رجل وأسأل نفسي في الطريق: يا ترى الحرباية دي ناوية على مصيبة إيه تاني؟ وإيه اللعبة الجديدة اللي بتلعبها مع ابنها عشان يهربوا من شرط الورقة الجزائي؟

 

دخلت الشقة، لقيتها قاعدة على الكنبة في الصالة وساكتة، باصة في الفراغ.. ملامحها وشكلها وجبروتها كانوا متغيرين 180 درجة. كانت هادية، خسّانة والنص منها رايح، والشر والغل والتكبر اللي كانوا بيطيروا من عينيها زمان اختفوا تماماً وبقى بدالهم انكسار.

بصتلي بالراحة، وقالت بصوت خافت، واطي ومبحوح عمري في حياتي ما سمعته بيطلع منها:

— أنا غلطت يا هند.. وغلطت في حقك غلط كبير أوي وربنا جازاني عليه في ابني.

 

بحلقّت فيها بذهول وعيني واسعة من الاستغراب، وما كنتش مصدقة وداني، وافتكرت نفسي بحلم. كملت كلامها وهي بتتنهد بحسرة وندم بياكل في قلبها:

— كنت فاكرة بجهلي، وبأنانية الأمومة العمياء، إني كدا بحافظ على ابني وبأمن مستقبله من غدر الزمن والدنيا.. بس مع الوقت، لما شفت حاله والاكتئاب اللي حصله، ونومته في السرير من الهم، ورعبنا من الفضايح والمحاكم والحبس اللي كنا هنروح ليه برجلنا بسبب قلة أصلنا، اكتشفت إني كنت بخسره وبضيع عياله وبيته بإيديا.. أنا أسفة يا بنتي.

 

لأول مرة في حياتي أسمع الست دي بتتكلم بالنبرة المكسورة دي، ولأول مرة أشوف الندم الحقيقي والذل بيلمعوا في عينيها بعد ما كانت شايفة نفسها فوق البشر والكل خدم عندها. عرفت ساعتها إن ربنا لما بيريد يجيب الحق، بيجيبه من سابع سما.

بعد المقابلة دي بأيام قليلة، قعدنا قعدة حاسمة، قعدة رجالة ومحامين كبار.

 وتم صياغة وعمل اتفاق قانوني جديد، عقود حادة وصارمة زي السيف. الحق رجع لأصحابه بالمليم والسنتيمتر، واتثبتت كل حقوقي المادية والشرعية في الأرض والمباني بشكل واضح وصريح وميقبلش الشك ولا التلاعب من هنا لـ 100 سنة قدام، وكل حاجة اتسجلت واتعمدت وتوثقت رسمي في الشهر العقاري وبصم عليها مصطفى وهو منكس راسه وعينه في الأرض من الخزي.

 

ولما خلصنا تماماً، ومضينا على آخر ورقة، ودفعت أتعاب المحامي، خرجت من باب المكتب للشارع.. أول ما رجلي لمست الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، وحسيت بنسيم بارد ونقي بيدخل صدري وينظف الوجع اللي جوه، وكأن جبل من الهم والقهر والانتقام انشال من فوق قلبي وفجأة بقيت خفيفة زي الريشة.

 

ما كنتش فرحانة عشان الحيطان الطوب ولا عشان القرشين اللي رجعوا.. لأ، المحلات والبيوت تروح وتيجي، أنا كنت طايرة من الفرحة عشان الحقيقة ظهرت والشمس نورت الحق، وعشان كرامتي اللي اتهانت رجعتلي هيبتها قدام الكل، وعشان الراجل اللي كان واقف في وسط صالتي وناصب طوله وبيقول بكل ثقة وعين قوية تبجح: “اعملي اللي تعمليه..

 

 مش هتعرفي تاخدي مني مليم واحد”.. اكتشف متأخر جداً، وبعد ما دفع التمن غالي من كرامته، وهيبته، ونظرته في عين عياله وعيني، اكتشف إن أقوى حاجة ممكن يملكها البني آدم في الدنيا دي مش الفلوس، ولا العقارات المكتوبة على ورق، ولا النفوذ والبلطجة والاستقواء بالأهل..

أقوى حاجة في الدنيا دي هي حق صاحبها صاحي ومش بينام ووراه أصحاب بيموتوا عشان يرجعوه، وصبر طويل على الظلم والقهر لحد ما تدور الدوائر، وورقة صغيرة متربة، اتنست في أبعد وأخر درج في المكتب..

 لكنها كانت كفيلة وكافية جداً، وبجرة قلم واحدة، إنها تقلب الموازين كلها، وتجيب عاليها واطيها، وتهد المعبد على روس الظالمين!

الكاتبة نرمين عادل همام

تمت

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *