ج2 جوزي متغرب

حكايات اماني سيد

خرجت من قدامهم ودخلت المطبخ وأنا محافظة على برودي بالعافية، لكن جوايا كان بركان. سبتهم يتكلموا ويضحكوا، وكل شوية يوصلني صوت سارة وهي بتتكلم وكأنها صاحبة المكان.

 

بعد حوالي ساعة، سمعت صوتها عالي وهي بتقول:

 

ـ بص يا راضي، أنا شايفة إن المحل ده يتسجل باسمك لوحدك، مالوش لازمة وجع الدماغ بتاع الشراكات والكلام ده.

 

رد عليها بسرعة:

 

ـ ما هو أصلًا باسمي.

 

سكتت لحظة وبعدين قالت:

 

ـ كله؟

 

ـ كله.

 

وقتها ابتسمت لوحدي.

 

واضح إنه بيكدب عليها زي ما بيكدب على نفسه.

 

لأن نص الأوراق اللي بتثبت خطوات المشروع كانت بإيدي أنا.

 

وفجأة سمعت خبط على الباب.

 

قمت أفتح.

 

لقيت الراجل اللي كنا متفقين معاه على توريد معدات المشروع.

 

أول ما شافني قال:

 

ـ الحمد لله إني لقيتك يا مدام، كنت بدور عليكي من الصبح.

 

ـ خير؟

 

ـ الأستاذ راضي رجع؟

 

ـ أيوه.

 

هز راسه وقال:

 

ـ كويس، أصل فيه شوية أوراق لازم حضرتك توقعي عليها عشان نكمل الإجراءات.

 

في اللحظة دي كان راضي خارج من الصالة.

 

أول ما سمع الكلام اتوتر.

 

وقال بسرعة:

 

ـ لا لا… خلاص أنا موجود.

 

الراجل بصله باستغراب.

 

ـ بس الإجراءات كلها كانت شغالة باسم المدام من البداية.

 

ولأول مرة شفت سارة ساكتة.

 

مابقتش فاهمة حاجة.

 

بصت لراضي وقالت:

 

ـ يعني إيه باسم المدام؟

 

راضي حاول يضحك.

 

ـ إجراءات عادية يعني.

 

لكن الراجل كمل من غير قصد:

 

ـ بصراحة لولا تعب المدام المشروع ده كان وقف من أول سنة.

 

سكت البيت كله.

 

وسارة بصالي لأول مرة بنظرة مختلفة.

 

مش نظرة شفقة.

 

نظرة خوف.

 

لأنها بدأت تفهم إن الست اللي واقفة قدامها مش مجرد زوجة مهملة زي ما راضي صورلها.

 

بعد ما الراجل مشي، راضي دخل الأوضة بعصبية.

 

ولأول مرة سارة ما دخلتش وراه.

 

فضلت قاعدة في الصالة.

 

أما هو دخل وقفل الباب وقال من بين سنانه:

 

ـ إنتي ليه مخلياه يكلمك بالطريقة دي؟

 

ضحكت.

 

ضحكة هادية جدًا.

 

ـ طريقة إيه؟

 

ـ كأنه المشروع بتاعك.

 

بصيتله بثبات.

 

ـ عشان يعرف الحقيقة.

 

ـ حقيقة إيه؟

 

ـ إنك كنت بتبعت الفلوس… وأنا كنت ببني.

 

سكت.

 

ولأول مرة عينه نزلت من عيني.

 

كملت وأنا بفتح الملف اللي قدامي:

 

ـ تعرف إن عندي كشف بكل جنيه دخل وخرج؟

 

تعرف إن كل جمعية اتعملت متسجلة؟

 

تعرف إن فيه ورق لو اتفتح قدام أي حد هيعرف مين اللي كان شايل البيت والمشروع أربع سنين؟

 

وشه بدأ يتغير.

 

أما أنا فكنت لأول مرة حاسة بالقوة.

 

وفجأة سمعنا صوت سارة من بره وهي بتنادي:

 

ـ راضي… ممكن تيجي دقيقة؟

 

خرج بسرعة.

 

أما أنا فوقفت عند باب الأوضة أراقب.

 

لقيتها واقفة ماسكة موبايلها.

 

وقالت بهدوء:

 

ـ هو كلام الراجل ده صح؟

 

راضي اتوتر.

 

ـ مالك إنتي بالكلام ده؟

 

ـ جاوبني.

 

سكت ثواني.

 

فسارة بصتله وقالت:

 

ـ أصل لو الست دي عندها كل النفوذ ده في المشروع… يبقى إنت مش قوي زي ما كنت بتقول.

 

الجملة نزلت عليه زي الصفعة.

 

وأنا واقفة بعيد بتابع.

 

لأول مرة بدأت أشوف الشرخ الحقيقي بينهم.

 

لأن العلاقة اللي مبنية على الاستغلال أول ما تدخلها الحقيقة… بتبدأ تقع لوحدها.

 

وساعتها بالضبط رن تليفوني.

 

بصيت للشاشة.

 

وكان الاسم اللي ظهر قدامي خلاني أرفع حاجبي بدهشة.

 

المتصل كان… المحامي.

 

المحامي اللي كنت مكلفاه من شهور يراجع كل أوراق المشروع تحسبًا لأي ظرف.

 

رديت.

 

وسمعته بيقول:

 

ـ مدام… فيه حاجة مهمة جدًا لازم تعرفيها فورًا. أنا اكتشفت معلومة تخص الأستاذ راضي، ولو طلعت صحيحة فالموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي.

 

سكت مكاني.

 

وقلبي بدأ يدق بقوة.

 

وقلت:

 

ـ معلومة إيه؟

 

فرد بصوت جاد:

 

ـ الأستاذ راضي… ماكانش مسافر لوحده طول الأربع سنين اللي فاتوا…!

 

قلبي دق بقوة، حسيت وكأن الأرض بتتميل بيا، لكن ثبت نفسي وطلعت بلكونة المطبخ بعيد عنهم، ووطيت صوتي على قد ما أقدر:

“اتكلم يا أستاذ صابر، إيه اللي اكتشفته؟”

صابر المحامي اتنهد بتقل وقال: “مدام، أنا كنت براجع التوكيلات اللي بعتها لي، ولقيت ورقة قديمة من مصلحة الجوازات والسفر، راضي متجوز “سارة” دي من أكتر من 3 سنين، ومسجلين خروجهم من البلد اللي كان فيها في نفس التوقيت، ورجعوا مصر من أربع شهور بس، قبل ما هو يرجع رسمي بفترة!”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. الأربع سنين اللي فاتوا، كل لحظة غياب، كل جنيه كان بيتبعت، كل وعد كان بيترسم في التليفونات، كان تمثيلية. هو مكانش متغرب بيشقى عشاني وعشان ولاده، هو كان بيبني حياة تانية مع “الست” دي، وأنا هنا كنت “الموظفة” اللي بتخلص له ورق مشروعه، وبتدفع له الجمعيات، وبتشقى عشان لما يرجع “البرنس” يلاقي كل حاجة جاهزة، وبعدها يرميني ويتمم جوازه عليها رسمي!

قعدت على كرسي المطبخ، حطيت إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. فجأة كل حاجة بقت واضحة، برود أعصابه، استهزاؤه بيا، حتى نظرات سارة ليا اللي كانت نظرات “واحدة داخلة تاخد حقها ومستعجلة”.

قفلت مع المحامي وأنا حاسة ببركان بيغلي جوايا، بس الهدوء اللي كان متمكن مني زاد. مسحت دموعي، وقفت قدام مراية المطبخ، وبصيت لنفسي.. أنا مش الست المكسورة اللي كان بيسيبها ويسافر. أنا اللي في إيدي مفاتيح كل شيء.

قعدت في ركن بعيد، وفتحت تليفوني وكأنني بكمل شغل، بس كنت في الحقيقة ببعت رسالة للمحامي: “كمل في الإجراءات، بس استنى إشارتي.. اللعبة لسه بتبدأ.”

راضي رفع عينه وبصلي وقال بنبرة فيها تعالّي: “في إيه يا ولية؟ واقفة في المطبخ بتعملي إيه كل ده؟ الشغل عايز تركيز، اخلصي هاتي لنا قهوة.”

سارة ضحكت بدلع وقالت: “معلش يا راضي، هي أكيد تعبت من كتر الترتيب.. سيبها ترتاح.”

بصيت لراضي، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة خلت سارة تبصلي باستغراب، ابتسامة من حد عارف سر هما الاتنين ما يحلموش بيه. قمت بهدوء، دخلت المطبخ، وجهزت القهوة، وخرجت وقدمتها ليهم بإيدي.

حطيت الفنجان قدام سارة، وقربت من راضي، ميلت عليه وقولت بصوت واطي ومسموع في نفس الوقت:

“القهوة دي “تعدل المزاج” يا راضي.. خصوصاً لو الواحد عرف أخبار جديدة عن مشاريعه.”

راضي اتجمدت إيده وهو بياخد الفنجان، وبصلي بنظرة شك: “أخبار إيه يعني؟”

رديت ببرود: “أخبار “قديمة”.. من أربع سنين فاتوا.”

سارة حطت الفنجان ووقفت، وشها اصفر، بس راضي حاول يداري توتره وضحك ضحكة صفراء: “أنتي بتهببي إيه بالكلام؟ ادخلي جوه وخلصي اللي وراكي.”

مشيت من قدامهم، ودخلت الأوضة، قفلت الباب ورايا. قعدت على طرف السرير، وفتحت الدرج، وطلعت الأوراق اللي كنت مخبياها.

بدأت أرتب “خريطتي” الجديدة. هما فاكرين إنهم بيلعبوا بيا، بس الحقيقة إن كل خطوة بياخدوها محسوبة عليا. راضي فاكر إن “المفتاح” في جيبه، بس هو مش عارف إن البيت ده، والورق ده، وحتى اللعبة اللي هو فاكر نفسه بطلها.. بقت في إيدي أنا.

سارة خبطت على الباب بقوة ودخلت، ملامحها متغيرة: “انتي قلتي إيه لراضي دلوقتي؟ وإيه نظراتك دي؟”

بصيتلها، وبكل برود قولت:

“يا حبيبتي.. اللي بيقعد في بيت مش بيته، لازم يعرف إن صاحبة البيت ممكن تغير الكوالين في أي وقت.”

خرجت من الأوضة وسيبتها واقفة مذهولة، وراضي قاعد في الصالة تليفونه مش بيسكت من الرسايل، وقلقه بدأ يبان على وشه.

بدأت “خطة الاستنزاف”.. هخليهم يعيشوا في رعب من غير ما أنطق كلمة واحدة، هخليهم يحسوا إن الأرض بتهتز تحت رجليهم، لحد ما يغلطوا الغلطة اللي تنهي اللعبة خالص.

ودى كانت اخر خطوه وأهم خطوه اللى مصبرانى وانا بتخيل منظرهم لما يعرفوا الحقيقه

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *