ج الاخير انا مخطوبة حكايات روماني مكرم
الكل وقف في الصالون، والأوضة بقت زي المرجل اللي بيغلي. بابا وقف وطوله مفرود، النظرة الطيبة اللي في عينه اختفت وحل مكانها هيبة تخوف، بص لخطيبي وصوته طلع رخيم وهادي، بس الهدوء اللي يسبق العاصفة: “صوتك ميعلاش في بيتي يا بني، وإنت واقف قدامي.. الأصول اللي بتتكلم عنها بتقول إنك تحترم الراجل اللي فاتحلك بيته ومأمنك على عرضه.”
أخوه الكبير شد خطيبي من إيده وقعده بالعافية وهو بيقول: “إهدى يا مصطفى مش كده، الحاج أحمد مقام والملامة مش عليه.”
حماتي لوحت بإيدها وقالت بنبرة حامية: “ومقامنا إحنا فين يا أبو سليم؟ لما ابنك يتهان في بيت حماه، وخطيبته تقلب وشها وتتعامل كأننا جايين نسرقها؟ أنا قولت كلمة حق، البنت جهازها على أهلها، وفلوسها تسند جوزها.. مفيهاش عيب ولا حرام!”
في اللحظة دي، حسيت إن السكات هيبقى ضعف، وإن دموعي اللي نزلت ليلة امبارح غسلت كل الخوف اللي جوايا. وقفت وبصيت لحماتي وبصيت لخطيبي، وقولت بصوت ثابت من غير ما أهتز: “العيب والحرام يا طنط إنكوا تطلبوا حاجة مش حقكوا وتسموها عشم.. أنا مدخلتش الجمعية دي عشان أصيف بيها، أنا دخلتها عشان أشيل حمل من على كتاف أبويا اللي بقاله سنين شقيان عشاني وعشان إخواتي.. الفلوس دي كانت هتجيب حاجات لبيتي، يعني كنت هسند بيها ابنك برضه، بس بالطريقة الصح اللي تحفظ كرامتي وكرامة أهلي، مش بطريقة إن أهلي يتلوى دراعهم عشان إنتوا تاخدوا الفلوس كاش في إيديكوا!”
خطيبي وشّه احمر من الغيظ، ووقف تاني وهو بيشاور عليا بصابعه ويقول لبابا: “شايف يا عمي؟ شايف بنتك بترد على أمي إزاي وقدامك؟ دي اللي هتدخل بيتي وتصون سري؟ دي من أولها بتتحامى في فلوسها وشايفاني طمعان فيها!”
أمي اتكلمت بحرقة قهر قائلة: “يا بني طمعانين إيه بس؟ إنتوا اللي دخلتوا الدخلة دي.. مفيش عروسة بتاخد قبضتها وتروح تديها لحماتها عشان تشطب الشقة! الشغل ده شغل رجالة، والراجل ميبصش في جيب مراته ولا يتكل على شقاها من قبل ما يتقفل عليهم باب واحد.”
حماتي وقفت، ولمت شنطتها وقالت بكبرياء مصطنع: “لحد هنا وكفاية قوي.. إحنا ناس بنشتري بني آدمين، ومبنقعدش في مكان نتلقح فيه بالكلام.. يلا يا مصطفى، يلا يا بني.. اللي أولها فلوس وورث، آخرها معروف.”
خطيبي بصلي نظرة أخيرة، نظرة كلها قسوة وتحدي، وكأنه كان مستني مني أضعف أو أعيط وأقوله متمشيش.. بس أنا فضلت واقفة، راسي مرفوعة، وعيني في عينه ومتهزتش شعرة واحدة.
أخوه الكبير بص لبابا وقال بأسف: “حصل خير يا حاج أحمد، النفوس شايلة والرجوع للحق فضيلة.. إحنا هنمشي دلوقتي وللحديث بقية لما الأعصاب تهدى.”
بابا مشي معاهم لحد الباب، ومقالش كلمة زيادة، قفل الباب وراهم ورجع الصالون.. الأوضة رجعت تضلم بالسكات تاني، بس المرة دي السكات كان فيه ريحة قرار مصيري.
أمي قعدت على الكنبة وحطت إيدها على وشها وبدأت تعيط، وأنا رجلي مكنتش شايلاني، قعدت جنب بابا.. بابا بصلي وطبطب على كتفي وقال بنبرة حنينة بس حاسمة: “يا بنتي، القرش بيروح وييجي، والشقى بيتعوض.. بس الإنسانية والأصل لو مش موجودين من الأول، عمرهم ما هيتشتروا بفلوس الدنيا.. أنا صنت الراجل ده وشيلته فوق راسي، بس هو مستاهلش الصون، وباعك وباعنا في أول محطة عشان الفلوس.”
نزلت دمعة سخنة من عيني وقولت: “أنا أسفة يا بابا.. أسفة إني حطيتك في الموقف ده، وأسفة على الكلمة اللي قولتها لأمه، بس من حرتي..”
قاطعني بابا وقال: “متتأسفيش.. إنتي مقولتيش غير حقيقة هما مش عايزين يشوفوها.. نامي وتصحي على خير، واليومين دول مفيش نزول لشرا جهاز ولا كلام في أي حاجة.. لحد ما نشوف آخرة العقدة دي إيه.”
دخلت أوضتي، الظرف لسه في الشنطة.. حسيته مابقاش لعنة، بالعكس، الفلوس دي كانت السبب اللي كشفلي الحقيقة قبل ما يتقفل عليا باب وأبقى في بيت ناس شايفين إن أهلي “فرض عليهم يقطموا وسطهم” عشان هما يرتاحوا.
مكنش عدا ساعتين على مشيهم، والساعة دخلت في حداشر بالليل، ولقيت موبايلي بينور برقم غريب.. رديت وأنا قلبي مقبوض، وجالي صوت مكنتش أتوقعه أبداً.. صوت غير كل الحسابات وقلب الحكاية كلها..حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
فتحت الخط وأنا حاطة إيدي على قلبي، والصوت اللي جالي كان صوت “سحر” أخت مصطفى الكبيرة. سحر متجوزة ومبرة برا المحافظة، وعلاقتي بيها طول السنة اللي فاتت كانت طيبة، بس مكنتش متوقعة مكالمتها في وقت زي ده.
صوتها كان واطي ومكتوم، كأنها بتتكلم ومستخبية من حد: “ألو.. إزيك يا حبيبتي؟ أنا عرفت باللي حصل كله دلوقتي.. أمي ومصطفى لسه واصلين، والبيت قايد نار ومصطفى عمال يحلف ويتوعد، وأمي عمالة تزيده وتملى راسه.”
خدت نفس طويل وقولت بنبرة حاولت تبان قوية: “الحمد لله يا سحر.. بس متهيألي ملوش لزوم الكلام دلوقتي، مصطفى وأمك جم بيتنا وطلعوني غلطانة أنا وأهلي عشان مديتهمش شقايا.”
سحر اتنهدت بحسرة وقالت: “يا بنتي اسمعيني، أنا مكلماكي من وراهم عشان ضميري ميريحنيش لو سكتت.. مصطفى أخويا وأمي على عيني وعلى راسي، بس هما غلطانين. أمي من يوم ما عرفت بجمعيتك وهي حاطة عيونها عليها، ولما لقت مصطفى مزنوق في فلوس المحارة والنقاشة، قعدت توز في ودنه وتقوله خطيبتك معاها مبلغ وقدره، تدهولك وبلاش منظرة في الجهاز.. مصطفى مكنش حابب يدخل الدخلة دي بنفسه عشان صورته قدامك، فأمي قالتله سيبلي أنا الطلعة دي ولما توافق يبقى خير، ولما رفضتي، قومت الدنيا عليكِ عشان تطلعك إنتي اللي مقصرة في حقه!”
الكلام نزل عليا زي الميّة الساقعة.. يعني الموضوع مكنش “كلمتين عشم” زي ما مصطفى زعق وقال، دي كانت خطة ومترتبة عشان الفلوس تطلع من جيبنا برضايا أو غصب عني.
سحر كملت: “أنا بقولك كدة عشان تبقي عارفة راسك من رجليكِ، مصطفى مش ناوي يتنازل، وناوي يضغط عليكِ بكرة ويبعتلك رسالة يخيرك فيها بين الفلوس وبين الخطوبة.. هما فاكرين إنك عشان جهزتي نص حاجتك وبقالك سنة مخطوبة هتخافي على شكلك قدام الناس وتوافقي.. فكري كويس يا بنتي وشوفي مصلحتك فين.”
شكرت سحر وقفت السكة.. قعدت في سريري والنور مطفي، بس البصيرة جوايا كانت قايدة نور أبيض وواضح. الخوف اللي كانوا مراهنين عليه اتبخر.. الناس دي مش بس طمعانة، دول بيفكروا بعقلية المؤامرة والضغط، واللي يقبل يتلوى دراعه في الخطوبة، هيتكسر ضهره بعد الجواز.
تاني يوم الصبح، زي ما سحر توقعت بالظبط، الساعة عشرة الصبح لقيت رسالة طويلة عريضة منه على الواتساب.. كلام ناشف ومفيهوش ريحة الود:
“قدامك ٢٤ ساعة يا بنت الأصول.. تفوقي لنفسك وتعرفي إن أمي خط أحمر، وتيجي معاكي الفلوس اللي قولتِ عليها عشان الشقة تخلص، والشبكة اللي في إيدك تفضل مكانها.. يا إما كل حي يروح لحاله، وإنتي اللي اخترتي تبيعي جوزك وبيتك عشان قرشين.”
قريت الرسالة وأنا ببتسم ابتسامة وجع، بس كانت ابتسامة حد عرف خلاصه فين. ماردتش على الرسالة.. قمت من مكاني، روحت لأبويا في الصالة، ووريتله الموبايل.
بابا قرا الكلام، وهز راسه بهدوء وقال: “الراجل اللي يخير مراته بين فلوسها وبين كرامتها، ميتأمنش على عرض يا بنتي.. جهزي حاجتك.”
دخلت أوضتي، طلعت علبة القطيفة اللي فيها الشبكة، وبصيت للدبلة اللي حفرنا عليها أسامينا بيوم من الأيام.. مكنتش حزينة عليها، كنت حاسة إنها قيد وبيروح. شيلت العلبة، وحطيت جنبها كل الهدايا اللي جابها لي في المناسبات، والظرف بتاع الجمعية لسه في مكان الصون بشنطتي.. تعبي هيفضل معايا، وهيبني لي مستقبلي مع اللي يستاهله.
أبويا اتصل بأخو مصطفى الكبير، وقاله بكلمتين مفيش غيرهم: “يا أبو سليم، هات مصطفى ووالدتك وتعالوا بكرة بالليل.. عشان الفلم ده ينتهي، وكل واحد ياخد حقه بالمعروف.”
الليلة دي كانت أهدى ليلة عديت عليا من شهور.. حاسة براحة غريبة، كأن جبل انزاح من فوق صدري. بكيت اه، بس دموع راحة مش دموع قهر.
وجيه المعاد.. جرس الباب رن تاني يوم بالليل، ودخل مصطفى وأمه وأخوه، والمرة دي مصطفى كان داخل وراسه مرفوعة، فاكر إن الميعاد ده عشان أقدم فروض الولاء والطاعة وأسلم الفلوس وننزل نشتري النقاشة.. قعدوا في الصالون، وبابا طلب مني أدخل بالعلبة..
دخلت وأنا لابس فستان شيك، وشي هادي، وعيني ثابتة.. حطيت علبة الشبكة والهدايا على التربيزة في النص، وقعدت جنب بابا.
أمه بصلت للعلبة وبصتلي وقالت بضحكة صفرا: “إيه ده يا حاج أحمد؟ هما العرايس اليومين دول بيشيلوا الشبكة في علب وهي نازلة تشتري حاجتها؟”
بابا سكت، وبص لمصطفى وقال كلمته الأخيرة اللي قطعت الشك باليقين..
بابا بصلهم وبكل هدوء وثقة الدنيا قال: “العرايس بيشيلوا الشبكة لما يكونوا خلاص سابوا أصحابها يا أم مصطفى.. دي حاجتكم كاملة مكملة، والخطوبة دي لحد هنا وانتهت.”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة.. مصطفى وشه اتخطف، والنفخة الكدابة اللي كان داخل بيها اتهدت في ثانية. بص للعلبة وبصلي وهو مش مصدق، وقال بزهول: “أنتِ بتتكلمي جد يا عمي؟ عشان خاطر قرشين تبيعوا خطوبة سنة وتخربوا البيت قبل ما يتبني؟”
بابا رد عليه بمنتهى الحسم: “البيت ميتخربش لأنه متبناش أصلاً يا بني.. والبيت اللي يتبني على الطمع وتلوية الدراع يبقى بيت من قش، يقع مع أول ريح. إحنا صوناك وغلينا مقامك، بس إنت جيت على بنتي وشقاها، وكنت عايز تكسر ضهر أبوها وتجبرنا على حاجة مش حقك.. اللي يبيع بنتي في أول محطة عشان الفلوس، إحنا نبيعه ومنبصش وراه.”
حماتي وقفت، الضحكة الصفرا اتقلبت لغل وبقت تزعق: “جرى إيه يا حاج أحمد؟ إنتوا مصدقين نفسكم؟ إحنا ألف مين يتمنانا، وابني بكره يجيب ست ستها وبفلوسها كمان!”
هنا أنا وقفت، وبصيت لها بكل ثبات وقولت: “ربنا يرزقه ب ست ستها يا طنط.. بس أنا أهلي مربيني أكون غالية، ومتربيتش إن حد يبص في جيب ومصاريف أهلي اللي شقيانين عليا. الفلوس دي شقايا وتعب شهور، والحمد لله إنها كانت السبب اللي كشف لي الحكاية من أولها.”
أخو مصطفى الكبير طبطب على كتف أخوه وأخد علبة الشبكة والهدايا وهو مكسوف من طريقة أمه ومصطفى، وبص لبابا وقال: “حقك علينا يا حاج أحمد، وكل شيء قسمة ونصيب، وربنا يعوض على الجميع.”
خرجوا من الباب، وقفلت وراهم.. ولأول مرة من سنة كاملة، أحس إن الهوا اللي بيدخل صدري نضيف ونقي. مكنش في قلبي أي ندم، ولا دمعة واحدة نزلت من عيني المرة دي.. بالعكس، كنت حاسة بفخر وعزة نفس متتوصفش.
أبويا خدني في حضنه وقال لي: “رفعتي راسي يا بنتي.. والفلوس اللي شقيتي فيها، بكرة تجيبي بيها أحسن حاجة، ومع الراجل اللي يستاهلك ويصونك بجد.”
### الحكمة من الحكاية:
> **”شقاكِ ورزقكِ هو أمانكِ، والراجل اللي عينه في جيبك من بره البيت، عمره ما هيصونك جوه البيت.”**
> الأصول مش كتل خرسانية وطوب ومحارة تتبني بشقى العروسة وضغط الأهل، الأصول هي “النفس الشبعانة” والكرامة اللي متقبلش الطمع. أوقات كتير ربنا بيبعت لنا اختبارات صعبة ومواقف توجع، مش عشان يكسرنا، لكن عشان يكشف لنا حقيقة الناس قبل ما يتقفل علينا باب واحد، وتكون النتيجة ندم العمر كله. خليكِ دايماً غالية، واللي يقيس قيمتك بفلوسك.. سيبيه ومتبصيش وراه.
>
