زهايمر جدتي ج الاخير للكاتبة نرمين عادل همام
ج الاخير
عبير فجأة وشها اتقلب وبقى أصفر زي الليمونة، يمكن أدركت وعرفت في ثانية إن المركب غرقانة وإن عصام مش هيحميها ولا هينفعها لما مباحث الأموال العامة تبدأ تسين وتجر رجل، أو يمكن الدفتر كشف كل المستور.
مالت على المحامي بتاعها وفضلت توشوشه وتزن في ودنه كتير وعايزة تخلص نفسها، والكل في طرقة المحكمة عرف ولمح إنها بتحاول تبيع عصام جوزها وتعمل صفقة مع النيابة لنفسها عشان تطلع منها بريئة وترميه هو في المدفع.
عصام اتجنن وطار عقله لما حس بالملعوبة وعرف؛ مكنش غضب شرف ولا زعل، ده كان غضب وقذارة فار محبوس في مصيدة ومش عارف يخرج.
زعق في عبير في الممر الممر وشتمها بألفاظ قبيحة قدام الناس، وقال لها إنها من غيره ولا حاجة وهي اللي وزته. ستي، اللي كانت قاعدة ساكتة ومغمضة عينيها طول الجلسة، رفعت راسها فجأة وبصت له بنظرة واعية، حادة وصافية صدمت وذهلت الكل في الطرقة حتى عسكري القاعة واقف متنح.
بصت في وشه وقالت له بصوت واطي بس قوي زلزل طوله:
— “أنا كنت بأكلك من لقمتي يا عصام وبكبرك.. وإنت جاي دلوقتي تأكل في عضمي وتبيعني بالرخيص؟”
السكوت والصمت الرهيب اللي حصل بعد الكلمة دي في الطرقة كان أصعب وأقوى من أي زعيق أو خناق. وش خالي عصام قلب أبيض كأنه ميت، وبعدين أحمر وعروقه برزت، وبعدين مابقاش فيه أي تعبير واللقمة وقفت في زوره. لأول مرة في حياته كلها، حس وعرف إنه وصل لنهاية الطريق المسدود، وإن الفهلوة، والتمثيل، ولسانه الناعم مابينفعوش هنا قدام القانون والحق.
القاضي في الجلسة حكم بـتجميد كل فلوس البيع بتاعة البيت فوراً،
وحول الملف والورق كله للنيابة العامة لإجراء التحقيق الجنائي، وأصدر قرار رسمي بحماية ستي فوراً وتحت وصايتي. مكنتش النهاية الخالصة، بس كانت أول مرة الحقيقة تخرج من السكات وتتكتب في ورق رسمي ومحاضر.
برا قاعة المحكمة، الصحفيين والمصورين اتلموا على الخبر عشان ينشروه، وعصام حاول يستخبى ويهرب من الباب الخلفي للمحكمة، بس اتنين من رجالة المباحث وقفوه وحجزوه عشان يسألوه ويحققوا معاه عن تحويلات مشبوهة تانية وقرض. المنظر ده بالذات كان أحلى وأغلى من أي تعويض في الدنيا.. منظر النصّاب وقليل الأصل وهو بيكتشف إن الدنيا دارت ووقعت فوق دماغه واتكشف. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
الشهور اللي عشناها بعدها كانت زحمة أوراق، ومحاكم، ودكاترة، بس الصراحة كانت فيها راحة بال وأمان ملوش تمن. نقلت ستي لشقة تانية جديدة وجنب جارتنا، شقة شمسها حلوة وبتدخلها الروح،
ريحتها لافندر ونضافة بدل ريحة الكمكمة، والخوف، والضلمة اللي كانت عايشة فيها معاهم. جبت لها ممرضة أمانة بجد تتقي الله فيها، وبقت بتنام بالليل وهي مطمنة ومستريحة. ساعات لسه بتصحى تايهة وتسأل حاجات قديمة بحكم السن، بس مابقتش بتصحى مرعوبة ولا بتصرخ زي الأول.
وأرباح وإيجارات عمارة المنيل بدأت تطلعلنا وتدخل حسابنا بقرار رسمي من المحكمة، وبقيت بشتري الفاكهة والأكل اللي نفسي فيه من غير ما أحسب هيفضل كام في جيبي وهيكفي ولا لأ، وصلحت الكرسي المكسر في الصالة، ومابقتش بختار ولا أحتار بين دواء ستي وبين وصل النور والغاز أول الشهر.
بقيت بشتغل في العبايات بتركيز ورواق، ومابقتش بقبل أي شغل تصميم رخيص أو زبون يذلني عشان قرشين؛ بقيت حرة.
وفي يوم من الأيام المشمسة وستي قاعدة معايا وفايقة ورايقة، مسكت إيدي وقالت لي بنبرة حنينة:
— “عارفة يا دنيا يا بنتي؟ جِدك الله يرحمه خبي وعان ورق عمارة المنيل دي بعيد لما عصام وهو لسه شاب صغير زور إمضاء مورد وسرق فلوسه في المحل، وجيه وقتها عيط واتمسكن وباس الرجلين عشان نسامحه وما نبلغش عنه..
جِدك سامحه وقتها عشان فضيحته وسط الناس، بس فهم وعرف من يومها إنه واد ملوش أمان وعينه فارغة. خبي العمارة دي وأمنها زي ما الواحد بيخبي قرشه الأبيض ليومه الأسود، لأنه عرف إن أخطر وأقذر ناس في الدنيا هما اللي قاعدين بياكلوا معاك على نفس الطبلية وبيغدوا بيك.”
بصت في وشي وطبطبت على إيدي وقالت بصوت هادي يداوي الروح:
— “هما فضلوا يا بنتي طول السنين اللي فاتت يقولوا عليكي فاشلة وخايبة في وشك عشان تتعودي تعيشي أقل من اللي تستحقيه وتفضلي مكسورة.. بس إنتي طلعتي بمية راجل، وست الستات كلهم.”
الجملة دي بالذات لما طلعت منها، لمست حتة وجع جوايا كانت محتاجة تتداوى وتتطيب بقالها سنين طويلة من قهرتهم ليا.
وحبل المشنقة القانوني بدأ يضيق ويقفل حول رقبة خالي عصام بالتدريج، وبعدين فجأة كل حياتهم وعزهم انهار واتهد على الأرض. عبير مراته أول ما حست وعرفت إن المركب بتغرق وإنها داخلة السجن داخلة، وافقت علطول تشهد ضده في النيابة مقابل إن حكمها يخف وتطلع منها؛ وسلمت للنيابة كل حاجة كانت مأمناها معاها؛ إيميلات، أرقام حسابات سرية، وحتى تسجيلات صوتية تانية كانت مخبياها في درجها عشان تذله وتلوي دراعه بيها في يوم من الأيام لو اختلفوا.. خباثتها الأنثوية وتأمين نفسها هي اللي بقت سبب صحوة ضميرها الوحيدة عشان تنجد رقبتها.
وشهادة الممرضة لوزة أكدت موضوع الأدوية المنومة والغلط، وخبير الخطوط في المحكمة أثبت إن إمضاءات وبصمات ستي على ورق البيع كانت تحت ضغط، وتخدير، وعدم وعي.
لما صدر الحكم النهائي والتاريخي في القض..ية، كلام القاضي ومنصته مكنش مجرد نصوص ومواد قانونية بتتقرأ، ده كان محاكمة أخلاقية ودرس في الأصول يدرس.
البيع اتمسح واتلغى من الدفاتر وكأنه لم يكن واعتبر باطلاً، وكل أملاك ستي وعمارة المنيل رجعت كاملة وتحت وصاية دنيا مريم بقرار حماية رسمي من الدولة. المحكمة أقرت وكتبت في الحيثيات إن دنيا متصرفتش ولا جريت عشان طمع في ورث أو فلوس، لكنها اتصرفت بشهامة وأصل عشان تحمي كرامة وحياة ست مسنة وعجوزة أهلها ولحمها رموها للضياع والموت في الشارع.
بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
عصام ملحقش يروح الساحل ولا يشم هواه..
راح النيابة علطول بـالكلابشات، وبعدها على المصادرة، وقعد يتفرج ويشوف كل العز الوهمي والمنظرة الكدابة اللي بناها بـالحرام وهي بتنهار وتتطربق فوق دماغه ودماغ مراته. النصّاب اللي كان فاكر ومقتنع إن غدره وألاعيبه ذكاء وفهلوة، اكتشف في الآخر وهو ورا القضبان إنه كان مجرد ندالة مكشوفة ورخيصة ملهاش غطا.
عبير اختفت تماماً من الصورة في تسوية قانونية هربت بيها من السجن، وراحت عاشت في شقة صغيرة ضيقة في آخر الدنيا ومحدش من أهلها يعرف طريقها ولا يعرف تاريخها الأسود وعمايلها.
أما القرايب البعيد اللي كانوا زمان بيقولوا عليكي “بتاعة دراما ومشاكل وتأليف”، بدأوا فجأة يبعتوا رسايل حنونة ومقرفة، وإنهم طول عمرهم كانوا حاسين ومستشعرين إن فيه حاجة غلط ومش مظبوطة من ناحية عصام..
الجُبن دايماً بيلبس قناع الحكمة والشهامة لما الحقيقة بتبان وتتكشف للكل. طبعاً ماردتش على حد فيهم ولا عبرت مخلوق؛ اللي يبيع في الأول، ملوش مكان في الفرح.
بدل كل الهرس ده والتفاهات، شمرت إيدي وبنيت لنفسي حياة جديدة ونضيفة من أول وجديد. جزء من أرباح عمارة المنيل الكبيرة راح علطول لرعاية ستي وعلاجها، وجزء لتصليح العمارة وترميمها، وجزء
— لأن جدي الله يرحمه ويحسن إليه كان فاهم الدنيا وألاعيبها أكتر من أي حد في زمانه
— راح ليّ أنا شخصياً. أجرت استوديو صغير وجميل في الدور الأرضي، دهنت حيطانه كلها باللون الأخضر الرايق اللي ستي بتحبه ويريّح عينيها، وعملت وأسست فيه مكتب ديزاين وتصميمات بجد على نضافة..
مكتب مابيتهزش ولا حد يملي عليا شروطه فيه، وشباكه كبير وبصص على الناس، وحركة الشارع، والرزق، مش على حيطان سد وضلمة زي زمان. وعلى الباب الإزاز الخارجي للمكتب، لزقت استيكر صغير لـ أسد سبع دهبي بيلمع في الشمس.
الكاتبة نرمين عادل همام
ستي خدت بالها ولمحته أول مرة راحت معايا هناك عشان تتفرج على المكتب. ضحكت من قلبها، ومش الضحكة التايهة الغايبة بتاعة الغرباء والمرض اللي كانت بتوجعني، لأ.. ضحكتها الحقيقية الصافية، الحنينة اللي مليانة شقاوة ودلع وكأنها صغرت عشرين سنة لورا. وطبطبت على كتفي وقالت لي بوعي كامل:
— “عفارم عليكي يا دنيا يا بنتي.. خليه واقف على الباب ويحرس كل اللي يدخل”. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
الشتا ده بالذات كان فيه أيام وساعات فوقان لستي أكتر بكثير مما كنت بحلم أو أتمنى في صلاتي. مكنتش معجزة طبية طبعاً، بس كان كأن الحب، والنضافة، والراحة فتحوا لها شوية أوض زيادة وممرات في ممر الوقت وعقلها اللي كان مقفول. علمتني وقعدت تقولي جدي كان بيحب الملح قد إيه زيادة في شوربة العدس وهو بردان،
وحكت لي بالتفصيل كانت بتخبي فين جوابات خطيبها القديم السريّة قبل ما تتجوز جدي، واعترفت لي في قعدة صفا إنها كانت دايماً عارفة وقارية إني براقب الناس وتصرفاتهم بدقة أوي لأني عشت عمري وشبابي كله مستنية خيبة الأمل والغدر من اللي حواليا.
وقالت لي جملة وعظة عمري في حياتي ما هنسها وهتفضل حلقة في ودني:
— “المراقبة والوجع ده يا دنيا خلوكي حنينة وبتفهمي الأصول.. بس إياكي في يوم تخليكي صغيرة أو رخيصة في عين نفسك عشان خاطر أي حد”.
في أحسن وأجمل يوم ليها في الفوقان، كان يوم حد والشمس طالعة صافية ومنورة الدنيا بعد مطرة الليل الكسّاحة، طلبت مني بدلع ستات إنها تحط “روج”. ساعدتها بضحك تختار لون توتي هادي ورقيق يليق بشيبتها،
وسرحت لها شعرها الأبيض النضيف زي ما كانت بتحب زمان وتعمل تسريحتها. قعدت جنب الشباك الكبير وحاطة بطانية صوف دافية على ركبها، وفتحت لها الراديو بتسمع الست أم كلثوم، وكان شكلها وروحها هي.. ستي الحقيقية “لبيبة” اللي عشت عمري عارفاها وبحبها. لفت وشها ليا فجأة وبصت في عيني وقالت الجملة الكبيرة اللي كنت هموت وأسمعها من وأنا طفلة صغيرة ومحرومة:
— “يا بنتي.. إنتي عمرك ما كنتِ صعبة في حبك ولا طبعك وحش.. هما اللي كان سهل ورخيص عليهم يكسروا بخاطرك ويستقلو بيكي”.
نامت المغربية دي.. على تالت أغنية اشتغلت في الراديو بعد الغروب. مكنش فيه دراما، ولا صريخ، ولا خطب وداع وموت، ولا أجهزة مستشفى بتصفر وتقبض القلب.. نامت بمنتهى الهدوء والسلام على كرسيها الهزاز،
لافة نفسها بالبطانية الكريمي، وإيدي كانت محطوطة فوق إيدها الدافية، وريحة الشقة كلها شاي بنعناع ومطر ونضافة. لما الدكتور جه وكشف وقال إنها ماتت مرتاحة ومتبسمة، صدقته من كل قلبي.. لأن الدنيا لأول
مرة في عمري اختارت ليها الرحمة والستر، بدل البهدلة والاستعراض في المستشفيات. بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
الوجع بيجي غريب وناغز لما يكون الشخص اللي بتحبه وبتموت فيه كان بيختفي وبيموت قدام عينك حتة حتة وتوهة ورا توهة. عيطت كتير وبكيت بحرقة، مش بس عشان فارقتني وسابت الدار فضيت عليا، بس عشان لحقت في آخر كام شهر أسترد وأخطف منها حتة صافية تخليني أفهم حجم العز والحق اللي اتسرق واتنهب مننا بالباطل. في الجنازة،
الناس والأقارب اللي خذلوها رموها زمان وقفلوا التليفونات، وقفوا واتكلموا بصوت واطي ومنافق عن العيلة والذكريات القديمة وشيبتها، وسيبت كلامهم العفن يعدي في الهوا زي زحمة وضوضاء الشارع ومردتش.
الحاجة الوحيدة والكنز اللي أخدتها وشيلتها معايا جوة قلبي وفي مكتبي هي صورتها وهي قاعدة جنب الشباك في الشمس وحاطة الروج التوتي وبتقول لي الحقيقة في جملة واحدة صافية دوت في ودني.
بعد مرور شهور، المكتب بتاعي بقى شغال كويس جداً والتصميمات مطلوبة، والزباين والناس بقت بتيجي بالاسم والسمعة النضيفة مش بالشفقة ولا الإحسان. خصصت جزء محترم من مكسبي وأرباحي الشهرية عشان أساعد بيه الستات الكبار والعواجيز الغلابة في المنطقة يدفعوا مصاريف محاميين كبار لما عيالهم الأندال يبدأوا يطمعوا في ورق بيوتهم،
أو يزهقوا من مواعيد دواهم وخدمتهم. الست فوزية جارتي الحكيمة سمت المشروع ده بضحك “مشروع الانتقام من الأندال”، وأنا سميته بـأصلي “مشروع الأصول والبر”.
عمارة المنيل اتجددت بالكامل واتدهنت وبقى ليها اسم جديد يرفع الراس؛ مكنش اسم ضخم ولا بتاح شركات استثمار وفشخرة.. بقى اسمها بوضوح بيت لبيبة، اسم ستي مكتوب ومخطوط بحروف نحاس بسيطة وبتلمع على المدخل الرئيسي للعمارة. وجوا في الصالة الكبيرة عند المدخل، بروزت وعملت يافطة كبيرة لسطر من عقد الأمانة والوقف بتاع جدي اللي غير وشقلبت حياتي وحمانا، سطر كاتب فيه جدي:
«يؤول للأصلح.. لمن صان الرعاية بالمعروف حين نكرها الجميع». كل ما بدخل العمارة وبقرأ السطر ده، بحس إنه مش مجرد ورث وفلوس، ده شهادة حق وأصل هعيش وأموت رافعاها.
الناس لسه لحد النهاردة بتيجي وتسألني بـتعجب:
“إنتي جبتِ القوة دي كلها منين عشان تكملي وتوقفي في وشهم وإنتي مكنش معاكي مليم في جيبك ولا حد من أهلك ساند ضهرك؟” الحقيقة المرة، أنا مكنتش عارفة ولا مرتبة؛ أنا بس حبيت ست عجوزة لدرجة إني صدقت وآمنت إن حتى الذاكرة المكسورة والتايهة لسه قادرة تشاور بالصباع على الحقيقة والسر لو فيه حد في الدنيا دي عنده صبر، وأصل، وحنية يسمعها ويداويها.
وفي الآخر.. ده بالذات اللي دمر عصام وعبير وجاب عيلتهم الأرض. مش الحظ، ولا الفلوس، ولا حتى القانون والمحاكم لوحدهم؛ اللي دمرهم وكسر عينهم هو إنهم افتكروا واطمنوا إن ألزهايمر والمرض هيمسح ستي وعقلها قبل ما يفضحهم ويسجنهم.. وطلعوا مغفلين وغلطانين، لأن الذاكرة مابتخونش الصاحب الأصيل.
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت
