المال الحرام ج2 بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

ج2

قعدت بالليل أحكي لكريم اللي حصل وأنا محتارة ومش فاهمة:

“اللي واضح ليا كدة، إن سلفتك دي شكلها غيرانة منك.. الدليل نظراتها اللي كانت واضحة ومن تحت لِتحت”. هو سكت.. بس قلبي أنا مكنش ساكت ولا ملاحق على الأفكار. النظرات دي كانت بتطاردني حتى بعد ما سبت بيتها، كأنها رسايل صامتة مش عايزة تتقال في وشي. كنت بعيد الموقف في دماغي ميت مرة، وبفتكر كل حركة وكل تعبير وش، لحد ما الصورة بقت واضحة وبتنطق:

“يعني كأنها بتقول في سرها: جوزي مبيثمنيش ومبيدلعنيش زي ما جوزك بيدلعك.. ملهاش أي تفسير تاني يا ندى”. سكت لحظة، وبعدين بص في عيني وكمل:

“ولا إنتي إيه رأيك؟” كنت باخد نفسي بالعافية، كأني بدأت أسلم للأمر الواقع وللحقيقة المُرّة اللي بدأت تظهر قدامي، وقولتله:

الكاتبة نرمين عادل همام

“والله كلامك منطقي.. يمكن، يمكن يكون صح فعلاً”. وساد بينا صمت تقيل أوي، صمت شايل في طياته بداية فهم لحاجة مكنتش حابة أشوفها ولا أصدقها في سلفتي.

الليل عدا تقيل وممل، بس دفنت الكلمتين في صدري وحاولت أعدي الموضوع وكأن مفيش حاجة. نمنا، وصحينا الصبح، وكريم نزل راح على مطعمه، وأنا قعدت أروق الفيلا وأرتب حاجتي وأنا بحاول أهدى. مفيش ثواني ولقيت تليفوني بيرن.. كانت سلفتي اللي بتتصل.

“ندى، أنا نازلة ورايا شوية مشاوير الصبح، بس هعدي عليكي خمس دقائق كدة لو مشغولة، أشوفك قبل ما أكمل طريقي”. رحبت بيها من كل قلبي وقولت:

“تنوري يا حبيبتي، أنا هقوم حالا أجهز فطار عشان نفطر سوا”. بس رفضت بنبرة ناشفة وباردة:

“لأ، ملوش لزوم وتتعبي نفسك، هما خمس دقائق بس هقعدهم معاكي وأمشي على طول”. قولتلها براحة:

“خلاص، على راحتك، أنا مستنياكي”.

شوية ولقيتها بتخبط، وكان في إيدها كيس بلاستيك. قعدت، وفتحت الكيس، وطلعت منه الشنطة “الشانيل” اللي كنت لسه مهدياها ليها! أنا وقفت في مكاني مذهولة، مش مجمعة إيه اللي بيحصل ده، وحسيت فجأة كأن الأرض بتميل بيا من غير إنذار.

بصتلي بعينين فيها تردد وقالت:

“أنا آسفة يا ندى، سامحيني يا حبيبتي، بس أنا مش هقدر أقبل منك الهدية دي.. أنا عارفة إنك كريمة وأيدك فرطة وبتعزيني وبتحبي تفرحيني، بس إنتي عارفة عيشتنا وحالتنا المادية، وأنا متعودتش أشيل شنط ماركات غالية بالشيء الفلاني وبالمستوى ده.. أنا ليا ستايل معين في اللبس والشنط، وأخرتي الشنط العادية اللي على قدنا، وأنا مرتاحة أوي كدة وبحمد ربنا”.

حطت الشنطة قدامي على التربيزة، وقالت بسرعة وهي بتتحرك ناحية الباب:

“أمانة عليكي ما تزعلي مني”. وسابتني ومشت..

الموقف ده جرحني جرح عمري ما توقعته في حياتي، ومكنتش قادرة أستوعب تصرفها ده واهانتها ليا، حرجتني حراج شديد أوي ومكنتش أتخيل أبداً إنها تعمل فيا كدة. ومن اليوم ده، السكة انقطعت بينا ومبقناش زي الأول.. 

مرت شهور طويلة وطوقة، مكنتش بشوفها ولا بكلمها ولا حتى بسأل عنها. طبعاً كنت متأثرة جداً وزعلانه من أعماق قلبي على عِشرتنا.

الكاتبة نرمين عادل همام

لحد ما جه يوم، وعرفت إن والدتها عيانة أوي وتعبانة. مكنتش قادرة أدوس على العِشرة والعيش والملح اللي كان بينا، فقولت لازم أروح أزورها وأطمن عليها. أول ما شافتني، ملحقتش أتكلم، لقيتها جريت عليا وأخدتني في حضنها جامد أوي، حضن خلا الدموع تنزل من عيني وعينيها في نفس اللحظة.. وقتها بس عرفت إننا رغم كل اللي حصل، لسه بنشتاق لبعض وبنعز بعض.

قعدنا، وبعد شوية، مكنتش قادرة أكتم أكتر من كدة، وقلبي اتفتح بالكلام: — أنا لازم أقولك على اللي في قلبي.. الحركة اللي عملتيها معايا يوم الشنطة دي جرحتني قوي، وإنتي مش متخيلة وجعتني إزاي وكسرت بخاطري قد إيه. سكتت لحظة، وبعدين رفعت عينها في عيني وقالت بصوت مكسور وخايف: 

— شوفي يا ندى.. أنا مابقتش قادرة أسكت ولا أداري عليكي أكتر من كدة. أنا هقولك على سر، بس تبوسى إيدك شعر ودقن وتوعديني إن محدش يعرف واصل إن أنا اللي قولتلك. قلبي اتنفض وارتجف في مكانه: 

— أوعدك، بس انطقي وقولي، إنتي خوفتيني في إيه؟ أخدت نفس عميق وقالت: 

— أنا متأكدة إنك متعرفيش السر ده.. أنا مأخدتش منك الشنطة دي، وعلى فكرة، حتى الهدايا التانية اللي كنتِ بتجيبيهالي، كنت بوزعها وبديها للناس. سألتها وأنا مذهولة ومش مصدقة: 

— ليه؟ بتعملي كدة ليه؟! ردت عليا بصوت تقيل زي الحجر: 

— عشان كلها من مال حرام! صرخت من غير ما أحس ومن الصدمة:

 — إيه؟! إنتي بتقولي إيه؟! إزاي يعني مال حرام؟! حاولت تهديني وقعدتني مكانير: 

— اسمعيني للآخر وم تخلينيش أندم إني فتحت بقي وقولتلك. قعدت وأنا كلي بترعش من فوق لتحت: 

— قولي.. سامعاكي. قالت: 

— جوزك بيتاجر في الممنوعات.. فلوسه كلها حرام في حرام. وأنا وجوزي مانقبلش يدخل علينا ولا على عيالنا قرش واحد حرام. المطعم اللي شغال فيه ده مجرد غطا وتمويه عشان يبعد الشبهة والعين عنه مش أكتر.. المكان اللي بيقابل فيه الزباين ويسلمهم معروف، وشريكه شغال معاه في السكة دي من زمان. 

حاول يجر أخوه معاه في السكة الشمال دي، بس الحمد لله ربنا ستر وجوزي رفض. وبعدين كملت وصوتها بيتخنق بالدموع: 

— وحصلت بيني وبين جوزك مشاكل وخناقات كبيرة بسبب الموضوع ده.

كنت حاسة إن الـدم هرب من شفايفي، وإن الدنيا بتلف بيا وبتسحبني لبعيد.. قامت بسرعة وجابت لي كوباية مية: 

— اشربي يا ندى، اشربي وسمي بالله. أنا كنت في صدمة كاملة، مكنتش قادرة أنطق حرف. لقيتها كملت وقالت: 

— عمرك ما سألتي نفسك إزاي مطعم صغير وفي مكان عادي كدة، يخليه يركب أفخم العربيات، ويسكن في الفيلا الكبيرة دي، ويصرف يمين وشمال من غير حساب؟ عمرك ما فكرتي يا ندى؟ ولو ناوية تروحي تقولي لأهله وتشتكي، أحب أقولك إنهم كلهم عارفين ومخبين، ومش هاممهم أي حاجة غير القرش والرفاهية والمنظرة اللي عايشين فيها. 

وبعدين مسكت إيدي جامد وقالت: 

— أنا مقولتش الكلام ده عشان أخرب بيتك ولا أوقع بينكم، لا والله يا قلبي.. بس عشان لو بتحبيه بجد، تقفي جنبه وتحاولي تطلعيه من المستنقع والعالم الخطير ده قبل ما يضيع ويضيعك معاه.

الكاتبة نرمين عادل همام

كلماتها الأخيرة كانت بترن في وداني زي ضرب المدافع مبيفصلش: 

“لو بتحبيه فعلاً، حاولي تطلعيه من العالم الخطير ده”. فضلت تتكلم وتتكلم، وأنا بهز راسي وبسمع من غير ما أسمع، كأن دماغي انفصلت عن جسمي. مكنتش قادرة أوصف شعوري من كتر الصدمة؛ عمري في حياتي ما تخيلت إني هسمع كلام زي ده عن الراجل اللي أمنته على نفسي!

خرجت من عندها وأنا بجر رجلي بالعافية على الأرض، وشريط حياتي مع كريم بدأ يمر قدام عيني من أول يوم اتعرفت عليه: كان دايماً مشغول.. مشغول ومبيفضاش خالص، وياما رجع البيت وهو خايف، ومتعصب، وضارب بوز ومش طايق كلمة، ولما كنت أسأله “مالك في إيه؟” ميرضاش ينطق ولا يقولي حاجة!

مش عارفة إزاي جمعت نفسي، شكرتها ومشيت، ورجعت على الفيلا. أول ما دخلت حسيت بدوخة شديدة، الدنيا كانت بتدور بيا، مش عارفة أتصرف إزاي ولا أعمل إيه، ومش قادرة أستوعب المصيبة والكارثة اللي وقعت فوق دماغي. 

دخلت، رميت نفسي على الكنبة، واففتكرت عيشتي في بيت أبويا.. مكنتش مرفهة، كنا على قد حالنا وبنمشي جنب الحيط، بس الحمد لله، كل لقمة دخلت جوفنا كانت بالحلال.. أبويا عمره ما دوقنا الحرام ولا جاب لنا قرش مشبوه.

بصيت لنفسي، للهدوم اللي عليا، للفيلا، لكل حاجة حواليا.. وحسيت بقرف واشمئزاز من كل حاجة! إيه ده؟ كل اللي عايشة فيه ده حرام في حرام في حرام؟! كرهت العيشة اللي كنت بتمناها وبحسد نفسي عليها. 

حتى كريم.. مبقتش شايفاه زي الأول، بقيت شيفاه راجل غريب معرفوش، والخوف بدأ يتسلل لقلبي: معقولة جوزي بيعمل كدة فعلاً؟!

مر وقت، وكريم بدأ يلاحظ إني اتغيرت ومبقتش ندى بتاعة زمان.. فبصلي واستغرب وقال: 

— مالك يا ندى؟ إيه اللي جرالك وقلب حالك كدة؟ مقدرتش أستحمل وصارحته على طول وقولتله: 

— فيه ست أعرفها قالت لي إنك بتتاجر في الممنوعات وفلوسك كلها حرام.. وعلى فكرة، هي مكنتش تعرف في الأول إنك جوزي. لقيته اتنفض وأنكر بسرعة: 

— لا والله! الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة.. وإنتي أي كلمة تسمعيها من أي حد تصدقيها كدة وتيجي تخربي على نفسك؟ بصيت في عينه بثبات وقولتله:

 — سلامتك.. ربنا أداني عقل أفكر بيه ومبقاش مغفلة.

وبدأت أواجهه على بلاطة: واجهته بالأرقام الكبيرة والفلوس اللي معاه، وبالمطعم الصغير اللي ميعملش كل ده، وبالفيلا الواسعة اللي عايشين فيها، وبالعربيات، والسفريات، والهدايا اللي بيغرق بيها أهله، والمساعدات اللي بيبعتها لأخواته، وبحاجات تانية كتير مكنتش بتدخل الدماغ..

أول ما لقى الخناق ضيق عليه ومفيش مفر.. اعترف بكل حاجة!….يتبع للجزء الثالت والاخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *