ج2 بيت العيلة حكايات روماني مكرم
ج2
شريف وقف مكانه وكأنه تمثال من تلج، الكلمات نزلت عليه زي الصاعقة، مش قادر ينطق ولا يدافع عن نفسه قدام أبوه وأبويا. الصدمة كانت لجمت لسانه تماماً، خصوصاً لما شاف نظرات الاحتقار في عين أبوه، ونظرة الانكسار والخزي في عين أمه اللي كانت من ثواني بتصرخ وتدافع عنه.
حمايا وقف بكل هيبة، وبص لشريف وقاله بصوت رخيم زلزل الصالة: “لم هدومك يا شريف.. واطلع برة البيت ده. الراجل اللي يسترخص في لقمة عياله ويزل مراته عشان برت بأمها، ملوش قعاد وسط حريم، ولا يشرفني إنك تشيل اسمي.”
شريف بص لأبوه بذهول وقاله بصوت مرعش: “يا بابا دي غفلتني ومضتني على ورق بيع! دي سرقتني!”
رد عليه حمايا وقاله: “أنت اللي سرقت أمانتها لما فكرت تكسرها باللقمة. اطلع برة قبل ما أمد إيدي عليك قدام نسايبك.”
أبويا قام وقف، وطبطب على كتفي وهو فخور بيا، وبص لشريف وقاله: “بنتي مخدتش حاجة مش حق عيالها، والورق ده ضمان لولادك اللي كنت عايز تجوعهم. اخرج بالمعروف يا شريف، والمحاكم بيننا.”
شريف بصلنا كلنا بنظرة غل وعجز، وعرف إن اللعبة انتهت، وإن البرود واللؤم اللي عاملني بيه اأيام اللي فاتت ردت في صدره رصاصة قضت على كل حاجة. دخل أوضته وهو بيجر رجليه، ولم هدومه في شنطة وطلع برة الشقة وهو مش قادر يبص في عين حد فينا، ورزع الباب وراه.. بس المرة دي، الرزعة متهزتش ليها شعرة فيا.
أبويا وأخواتي وحمايا وحماتي بدأوا يهدوا، وحماتي جت عليّ وأنا واقفة صامدة، وبكت وقالتلي: “سامحيني يا بنتي.. أنا مكانش قصدي، بس الصدمة عمتني. حقك عليا، وأنتِ بـ 100 راجل، واللي تعمل كده مع أمها، تشال على الراس.”
ابتسمت لها وقلت لها: “مسامحاكي يا أمي، أنتِ مالكيش ذنب.”
نزلت معاهم كلهم، ورحنا مطعم كبير وقعدنا واتغدينا، والكل كان بيتكلم عن اللي حصل بذهول، بس الأهم إن كرامتي وكرامة أمي رجعت قدام الكل، وعرفتهم إن الست اللي بتشتغل وبتشيل بيتها، مبيتلويش دراعها بلقمة العيش.
فات شهرين على اليوم ده، وأنا عايشة في شقتي مع عيالي معززة مكرمة، وقضية الخلع كانت ماشية في مجراها القانوني بسرعة. شريف حاول يكلمني كذا مرة، ويبعت ناس عشان أتنازل عن ورق البيت ويرجع، وكان باعتلي رسائل كلها ندم وعياط وبيقولي: “أنا غلطت.. الشيطان عمى عيني، ارجعي وأنا هكتبلك كل اللي عايزاه.” بس قلبي اللي جمد من يومها مكانش فيه مكان للرجوع.
وفي يوم الصبح، وأنا بجهز عشان أنزل الشغل، لقيت الباب بيخبط.. فتحت، ولقيت المحضر واقف قدام الباب ومعاه ورقة.. افتكرتها إعلان جديد من المحكمة بخصوص القضية، بس لما مسكت الورقة وقريت اللي فيها، قلبي دق بسرعة، وعيني برقت من المفاجأة.. شريف عمل حاجة تانية خالص، حاجة قلبت الترابيزة عليا من جديد وفجرت مفاجأة مكانتش على البال ولا الخاطر!
المفاجأة في الورقة كانت..
المفاجأة في الورقة كانت.. إن شريف مارفعش قضية عليا ولا طعن في ورق الشقة زي ما كنت متوقعة، الورقة كانت عبارة عن إنذار رسمي بالطاعة، بس مش في شقتي! شريف اشترى شقة جديدة باسمه في نفس العمارة اللي ساكنة فيها أمي، وفي نفس الدور المواجه لشقتها بالظبط!
ولمحت في آخر الإنذار جملة مكتوبة بخط إيده: “عشان تفضلي تحت رجليها براحتك، وتصرفي عليها وعليا من شقاكي!”
وقفت متنحة في الصالة والورقة في إيدي، دماغي بتلف. الراجل ده مش قصة ندمان أو عايز يرجع وخلاص، ده بيخطط للانتقام وبيتحداني في الحتة اللي توجعني.. أمي. هو عارف إن أمي ست مريضة وبترتبك من المشاكل، ووجوده قصاد بابها كل يوم معناه إنه هيمارس عليها حرب نفسية عشان يضغط عليا ويجبرني أتنازل عن ورق التنازل وقضية الخلع.
نزلت رحت شغلي وأنا بدم الحامي، مش شايفة قدامي من الغيظ. كلمت المحامي بتاعي وحكيتله، قالي بنبرة قلقانة: “الوضع كده اتغير يا مدام.. إنذار الطاعة على شقة جديدة هو مجهزهالك ومعاينة المحكمة لو أثبتت إنها شقة كاملة ومناسبة، هتبقى مشكلة لو منفذناش، وخصوصاً إنه اختار مكان يربطك بيه غصب عنك بسبب والدتك. إحنا لازم نعمل اعتراض على إنذار الطاعة ده فوراً وفي خلال 30 يوم، ولازم نثبت إنه غير أمين عليكي نفسياً ومادياً.”
طول اليوم في الشغل وأنا برتب أفكاري، شريف فاكر إنه كده حاصرني، وفاكر إن نقل المعركة عند بيت أمي هيخليني أترعب وأستسلم خوفاً على صحتها. بس هو لسه معرفش “روماني” لما بتقفل دماغها على حقها.. أنا مش هسيب أمي تتبهدل، ومش هسمحله يشم نفسه ثانية واحدة.
يوم الخميس بالليل، رحت لأمي الشقة عشان أطمن عليها من غير ما أحسسها بحاجة. وأنا طالعة على السلم، لقيت باب الشقة اللي قصادها مفتوح، وشريف واقف في النص ومعاه عمال بيركبوا نجف وفرش جديد، والضحكة الخبيثة لغاية ودنه. أول ما شافني، ساب اللي في إيده وطلع وقف على الباب، وسند ضهره بكبرياء وقالي بنبرة تقطر لؤم: “منورة الحتة يا أم العيال.. شفتي بقى أنا بحبك وبحب حماتي إزاي؟ نقلتلكوا هنا مخصوص عشان تبقوا جنب بعض.. هانت كلها أيام والمحكمة تحكم بالطاعة، وتيجي تنوري بيتك الجديد.. وريني بقى هربك من الخلع والتمكين هيفيدك بإيه هنا؟”
بصيتله من فوق لتحت بثبات، ومردتش عليه بولا كلمة، دخلت عند أمي وقعدت معاها وسندت راسي على رجليها وأنا بحلف في سري إن الضحكة دي مش هتدوم.
يوم الجمعة الصبح، كلمت إخواتي وأبويا، وقلتلهم: “جمعتنا الجاية مش هتبقى في شقتي.. جمعتنا الجاية هتبقى تحت في الشارع قدام العمارة اللي فيها أمي، وعايزاكم تجيبوا معاكم فلان وفلان..” سميتلهم أسامي ناس معينة مكانش شريف يتوقع أبداً إنهم يدخلوا في الخط.
ولما جه يوم الأحد، وهو يوم معاينة خبير المحكمة للشقة الجديدة عشان يشوفوا هل هي صالحة للطاعة ولا لأ، شريف كان واقف لابس ومظبط نفسه ومستني الخبير يوصل عشان يفرجه على الشقة اللي دفع فيها كل اللي وراه واللي قدامه عشان يذلني بيها.
الباب خبط، شريف فتح بابتسامة واسعة وهو بيقول: “اتفضل يا فندم..”
بس الصدمة إن اللي كان واقف على الباب مكانش خبير المحكمة لوحده.. كان معاه خبير المحكمة، وأبويا، وإخواتي، ومعاهم راجل غريب لابس بدلة رسمية ماسك في إيده دفتر وحقيبة جلدية سودا.
شريف ملامحه اتمطت وقالي بغضب: “أنتوا إيه اللي جابكم هنا؟ ودي معاينة محكمة، مالكم ومال الشقة دي؟!”
الراجل الغريب خطى خطوة لجوة الشقة، وبص لشريف بكل برود وطلع كارنيه من جيبه وقاله: “أنا الممثل القانوني للبنك اللي حضرتك واخد منه القرض بضمان الشقة دي.. وحضرتك وقعت في محظور قانوني كبير، والشقة دي من اللحظة دي..”
المفاجأة اللي قالها الممثل القانوني للبنك كانت..

