ج الاخير لو عرفتي ترقصي

ج الاخير حكايات محمد عبده

— “الضيوف قالوا يعني دي..”

توقف كريم السيوفي عن الكلام لثوانٍ معدودة، وكأن الكلمة أثقل من أن يحملها لسانه بعد كل هذه السنين الطويلة من الجفاء، والبحث العقيم، والعيش في ظل الماضي الأليم. بلع ريقه بصعوبة وشعور بالحرقة يستقر في حلقه، وصوته المبحوح يتردد صداه عميقاً ورخيماً ليخترق زوايا القاعة الفخمة، ويلجم ألسنة أكثر من مائتي شخص من القوم والمترفين:

— “أختي..”

ثم التفت ببطء شديد، وركبتاه تكادان لا تحملانه من شدة الرهبة والهول، ونزل بنظراته الدافئة الممتلئة بالدموع الحارة نحو الطفلة سلمى الواقفة بفستانها الأزرق الباهت ومقاسه الفضفاض. مد يده التي طالما وقّعت على صفقات بالمليارات، وبثبات يغالبه الارتجاف مسح على شعرها الصغير برفق شديد وشغف، كأنه يخشى أن تلمس يده طيفاً يختفي في الهواء أو حلم خادع يصحو منه على كابوس.

— “وهي.. تبقى بنت أختي، وحفيدة نادية السيوفي.”

انفجرت القاعة بومضات خاطفة من الهمس الشديد والهمهمات المرتفعة، وارتسمت الذهشة الشديدة على وجوه الحاضرين لتطير بصفو عقولهم. بعض كبار رجال الأعمال والوزراء السابقين وقفوا من أماكنهم يناتشون نظاراتهم الطبية من الصدمة لتأمل ملامح أمينة الخادمة، بينما الموبايلات التي كانت مرفوعة بوقاحة وسخرية للتنمر على الطفولة البائسة انخفضت لأول مرة في الحفل، ليحل صمت مهيب وأشبه بصمت المقابر.

الموضوع لم يعد مجرد استعراض قوة أو حفلة مجتمع راقٍ يُعلن فيها عن خطبة ملياردير لامرأة متبجحة؛ بل تحول في لحظات إلى مشهد درامي مهيب لانقشاع سر عائلي دفين، ولحظة توثيق إلهية لعدالة سماء أبت إلا أن تنصف المظلوم والمكسور أمام نفس الوجوه التي ضحكت عليه وسخرت من فتره وقهر ثيابه.

على الجانب الآخر من القاعة، كانت ليلى الكيلاني ترجع خطوتين إلى الوراء برعب وثقل، تكاد تقع على حافة المائدة الفاخرة. أمسكت فستانها الأوف وايت المرصع بحبات السواروفسكي بأيدي تتفصد عرقاً وترتعش بلا انقطاع، وصوتها يخرج هستيرياً، حاداً ومختنقاً كأن سكيناً يقطع حبالها الصوتية:

— “مستحيل! أكيد ده تمثيل! أكيد دي كذبة ومؤامرة رخيصة ملعوبة صح عشان تبوظوا الحفلة وتشوّهوا منظري واسمي قدام الناس والقنوات!”

لكن أحداً من الحضور لم يلتفت إليها، ولا حتى ألقى نحوها نظرة عطف واحدة أو أعطاها أدنى اهتمام. كانت واقفة كالغريبة المشردة في وسط الفيلا الأسطورية التي ظنت قبل دقائق قليلة أنها أصبحت ملكها بلا منازع، تحيط بها نظرات الاحتقار والازدراء من الحاضرين الذين أدركوا دناءة سلوكها.

في منتصف المساحة الرخامية، كان كريم قد نزل على ركبتيه بالكامل على الأرض قدام سلمى وأمينة، غير أبهٍ ببسلسلة بدله الفاخرة ولا بتراب الأرضية. يده كانت ترتعش برهبة وشوق وهو يمسك باليد المتورمة لأخته أمينة، اليد التي تشققت من شغل الخدمة وغسيل الأواني ونظافة بيوت الأغراب. بص في عينيها الغائرتين والمبتلتين، وقال بنبرة يمتزج فيها الوجع بالندم والحسرة:

— “كنتي فين كل السنين دي يا أمينة؟ إزاي سيبتيني للوحدة والفلوس اللي ملهاش قيمة؟! أنا دورت عليكي في كل شبر في القاهرة والزمالك بعد ما القصر اتصادر وباعوه المحامين، والناس الكبار قالوا لي إنك اختفيتي ومحدش يعرف لك طريق!”

سحبت أمينة نفساً طويلاً وموجعاً من أعماق صدرها، وهي تحاول أن تسيطر على نبرة صوتها التي تهتز بآلام السنين: — “بعد ما القصر والمال والأطيان اتصفوا ورا ديون العيلة القديمة، الناس الأوصياء اللي كان المفروض يراعوني بعد موت أمنا اتخلوا عني، وباعوا الباقي واستولوا عليه.. أنا اترميت في دار رعاية وملجأ صغار، وكبرت لوحدي بعرق جبيني وقسوة الأيام. ولما اتجوزت وغدرت بيا الأيام ومات جوزي وتراكمت عليا قروض صالة الرقص الصغير، ضاقت عليا الدنيا أنا وبنتي، واضطريت أشتغل بشرفي في خدمة البيوت باليومية عشان م أمدش إيدي لحد ولا أطلب حسنة من مخلوق!”

الصدمة كانت تقيلة، مؤلمة، وموجعة على قلب كريم وكل من يستمع. غمض كريم عينيه لثوانٍ، والدموع تنزل حارة على خديه تتساقط على بلاط الرخام، واسترجع في ذهنه صورة أمه الراحلة “نادية السيوفي” وهي تحتضر على فراش الموت وتوصيه بصوت خافت: “أختك الصغيرة يا كريم.. أختك أمانة في رقبتك.”

فتح كريم عينيه والشرار يمتزج بالدموع، ثم التفت نحو الطفلة سلمى التي كانت تبص له ببراءة ورقة طفولية متناهية، وقال لها بصوت داكن يفيض حناناً: — “وإنتي يا سلمى.. تعلمتي الرقص الكلاسيكي الصعب ده إزاي؟ ومنين عرفتي سر المعزوفة دي بالذات؟”

سلمى ابتسمت بخجل طفولي رقيق، ورفعت كتف فستانها الكبيرة بحركة بريئة وقالت: — “أنا بحب الرقص أوي زي ستي نادية.. وماما كانت بتشغل الأغنية دي على تليفونها القديم كل يوم بالليل لما نكون زعلانين، وتقعد تدربني خطوة بخطوة عشان أبقى شاطرة وأرقص في القصر لما نكspace.”

ضحكة صغيرة، دافئة، ومكتومة خرجت من شفتي كريم وسط دموعه الجارية، وأخذ سلمى الصغيرة بيده الشمال واحتضن أمينة بيده اليمين وضمهم لقلبه بقوة وحنان أمام المائتي ضيف وشاشات الموبايلات.

في اللحظة هذه بالذات.. كل الموازين في القاعة اتقلب ورأساً على عقب. بنت الخادمة التي حاولوا سحق كرامتها وجعلها مادة للضحك والتهكم، أصبحت هي الحفيدة الشرعية ذات النسب الشريف وصاحبة القصر والعز والجاه. والحفلة التي كانت مقامة بباذخ الأموال لإعلان زفاف ليلى الكيلاني، أصبحت لحظة التاريخ لإنصاف مظلوم ولم شمل عيلة شتتها الفقر والغربة لسنين طويلة.

أما ليلى الكيلاني.. فكانت تقف منبوذة في زاوية القاعة المظلمة، مكسورة الكبرياء، مسلوبة الثقة، لا أحد ينظر إليها ولا أحد يهتم برأيها أو وجودها. اللعبة الخبيثة التي بدأتها بغرور واستعلاء وسخرية من فقراء القوم، انتهت بانتصار ساحق وحاسم لم يكن لأحد في القاعة كلها أن يتوقعه.

استجمع كريم وقفته، ووقف بثبات وشامخ الرأس، والتفت نحو الحضور والمصورين بمنتهى الجدية والشراسة القيادية، ليرتفع صوته يهز أركان الفيلا والحدائق:

— “المليون جنيه اللي اتقال عليهم في الرهان المريض ده..”

ثم انحنى نحو سلمى وابتسم بنشوة، فخر، واعتزاز: — “دي أقل حاجة ممكن تبدأ بيها بنت أختي وحبيبتي حياتها المرفوعة..”

ثم التفت نحو أمينة وأمسك يدها المجهدة ورفعها أمام عيون الجميع بكرامة وعزة: — “بس اللي أهم وأعظم من المليون والجاه والقصور.. إنكم رجعتوا بيتكوا وأصلكوا، ومن النهارده، قسم بالله اللي يفكر بس يمس كرامتكم أو يجي عليكم بنظرة، هكون أنا وقوتي وفلوسي حبل المشنقة اللي يلف على رقبته!”

الصمت العميق الذي خيم على القاعة الفخمة تحول فجأة إلى نوع جديد ومختلف تماماً من الهمس بين الحاضرين؛ لم يكن همس سخرية ولا تنمر كما كان في بداية الليلة، بل كان همس احترام وذهول وإجلال لمشهد العدالة الإلهية الذي تجسد أمام أعينهم.
كل العيون والأضواء الكاشفة في القاعة بقت متجهة ومسلطة نحو أمينة وبنتها الصغيرة سلمى؛ لم يعد الحضور ينظرون إلى الفستان الأزرق الباهت الفضفاض أو الثياب البسيطة المتربة، ولا إلى المجوهرات والألماس الفاخر الذي يتلألأ على أجساد السادة، بل كانت الأبصار معلقة بالحقيقة الناصعة والشرف الأصيل الذي اتكشف قدام الجميع.
استجمع كريم السيوفي قوته، ووقف بثبات وشموخ وقار على الرخام البراق، وصوته الجهوري الرجولي رجع قوي ورخيم يهز أركان المكان:
— “اللي حصل النهارده.. مش مجرد صدفة عابرة.”
بص كريم حوالين القاعة الحاشدة بالنخب ورجال الأعمال، وعيونه الحادة تتفحص الوجوه المذهولة:
— “دي حاجة كان لازم تحصل من زمان.. حق غائب، وحقيقة كان لازم تظهر للجميع.”
وبعدين التفت كريم فوراً بصرامة قيادية ووجه كلامه للمدير المالي والقانوني لمجموعته، الذي كان يقف مذهولاً بين الضيوف:
— “من بكرة الصبح، تبدأ الإجراءات الرسمية، ويتم نقل وتحويل قصر الزمالك ورصيده بالكامل باسم أختي الوحيدة.. أمينة نادية السيوفي!”
شهقة كبيرة وعالية خرجت من أفواه الحضور، وساد الذهول جنبات الحفل أمام حجم القرار والمليارات التي جرى التنازل عنها في لحظة.
أمينة اتسعت عيناها بذهول، وهزت رأسها بسرعة وبإيدين بترتعش:
— “لا يا كريم.. لا يا فندم! أنا مش عايزة قصور ولا ملايين.. أنا كفاية عليا إني شفتك وعرفت إن لي أصل وأخ في الدنيا!”
كريم قاطعها بهدوء، ومسك يدها المجهدة وحضنها بنبرة حنونة لا تقبل النقاش:
— “إنتي مش بتاخدي حاجة غريبة يا أمينة.. إنتي بترجعي حقك وشقا أمنا اللي اتسلب منك في ظروف قاسية.”
دموع أمينة نزلت بغزارة على جفنيها المنهكين، لكنها المرة دي ما كانتش دموع قهر ولا ذل من خدمة البيوت، كانت دموع راحة، وأمان، وانفراج لكربة سنين طويلة عاشتها في الخوف والديون. أما سلمى، فكانت واقفة بينهما ماسكة إيد أمها بطفولة ورقة، ومش فاهمة كل التفاصيل القانونية ولا الملايين، بس كانت حاسة بقلبها الصغير إن الدنيا الصعبة ابتدت تبتسم لهم ولأمها أخيرًا.
وفجأة.. قطع هذه اللحظة الدافئة صوت كعب عالي يقرع الأرضية بحنق وعصبية.
تقدمت ليلى الكيلاني بخطوات مسرعة، ملامح وجهها المزين بالمكياج الغالي كانت متغيرة ومربكة برعب وفزع، لكنها لسه بتحاول تتمسك بكبريائها الزائف وغرورها المنهار:
— “كريم! يعني إيه الكلام ده؟ إنت اتجننت؟! أنا خطيبتك.. والناس والقنوات مستنية إعلان خطوبتنا الليلة!”
بص لها كريم السيوفي نظرة هادئة، باردة كالثلج، لكنها حاسمة وممتلئة بالازدراء الذي لا يرحم:
— “كنتِ خطيبتي.”
الجملة نزل عليها وعلى القاعة كالصاعقة أو ضربة قاضية أطارت صوابها.
كريم كمل كلامه بنبرة صارمة حادة قطعت الماي والكهربا:
— “إنتي حولتي إنسانة غلبانة وبنتها الصغيرة لمجرد أداة تسلية وسخرية قدام الناس عشان ترضي غرورك، وده شيء أنا مستحيل أقبله في حياتي، ولا يشرفني تكوني أم لأولادي.”
حاولت ليلى تتكلم، تبرر، تصرخ، أو حتى تبتسم ابتسامة تصنع كاذبة.. لكن ولا كلمة قدرت تطلع من شفايفها المرتجفة.
لأول مرة في حياتها، هي التي أصبحت واقفة لوحدها مكسورة، معزولة في منتصف القاعة الشاسعة، نفس المكان الذي كانت فيه قبل دقائق قليلة محور اهتمام الجميع وسيدة الفيلا، أصبح الآن شاهدًا على سقوطها المدوي وضياع أحلامها أمام كبرياء بنت الخادمة.
إحدى السيدات الكبار في المجتمع همست للي بجوارها بصوت مسموع:
— “واضح إن الفلوس والمظاهر مش كل حاجة.. الأخلاق هي الأساس.”
ورجل أعمال بارز رد عليها باحترام:
— “فعلاً.. الأصول والاحترام هما اللي بيفرقوا ابن الناس عن غيره.”
انظرف كريم عن ليلى تماماً، ونزل لمستوى الطفولة الصافية، ومد إيده لسلمى بابتسامة دافئة من القلب:
— “تحبي تيجي معايا يا سلمى تشوفي أوضة الرقص الكلاسيكي القديمة في القصر؟”
عين الطفلة لمعت ببريق وحماس شديد، ورفعت رأسها بطفولة:
— “بجد يا عمو؟! هي فيها مرايات كبيرة زي اللي ماما كانت بتحكي لي عنها؟”
ضحك كريم لأول مرة من أعماق قلبه، ضحكة خففت عنه ألم سنوات الجفاء:
— “أكبر بكتير كمان يا روح قلب عمك!”
سلمى بصت لأمها بجمال ورقة تستأذنها بأدب، فأبتسمت أمينة وسط دموع الفرح ومسحت خدها:
— “روحي يا حبيبتي.. روحي مع عمك.”
مسكت سلمى إيد كريم السيوفي القوية بكتفها الصغير وإيدها اللطيفة، ومشوا سوا نحو بوابة القاعة الخارجية بكرامة وشموخ. لم يكونا مجرد رجل ملياردير وطفلة فقيرة، بل كانا عماً وابنة أخته، أخيرًا جمعهم الحق، ورجعوا لبعض بعد طول غياب وتعب.
وأثناء ما كانوا خارجين من القاعة ببهاء وكرامة، بين صفين من الحضور المعجبين، قال واحد من كبار الضيوف بصوت عالي وواضح سمعه الجميع:
— “واضح إن اللي كسب الليلة دي مش اللي رقص بأفخر فستان ولا أغلى مجوهرات..”
سكت الرجل لحظة، وبص على سلمى وأميتها وهي ماشيـة وراسها في السما، وابتسم بتقدير:
— “..لكن اللي رقص بصدق، وأصل، وكبرياء!”

[النهاية]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *