ج الاخير بنت عمي

زهرة الربيع

​مراتي سابتني في نفس اليوم، لمّت هدومها ورجعت بيت أهلها في القاهرة وهي بتقولي بوضوح: “اللي يبيع أهله ويفتري على شرف أخته عشان مصلحته، يبيع أي حد في أي لحظة.. أنا مآمنش على نفسي مع راجل زيك”. وبعد شهرين من القضايا والمحاكم، أخدت مؤخرها ونفقتها وطلبت ، وحسيت إن كل البرج العالي اللي بنيته في القاهرة إنهار فوق دماغي في لحظة.
​حاولت أهرب لشغلي في القاهرة، بس عقلي مكانش معايا. الخسائر بدأت تزيد، والديون كثرت عليا، وفي خلال سنة واحدة بس لقيت نفسي مفلس تماماً، وشقتي اللي كنت فاخر بيها ارهنت للبنك. ملقيتش قدامي غير باب واحد بس.. باب البلد اللي هربت منه زمان وأنا فاكر إني بطل.

​رجعت البلد بس المرة دي مش راكب عربية شيك ولا معايا زوجة قاهرية أتباهى بيها، رجعت بشنطة هدومي القديمة وكسرة في نفسي مابتتمحيش. البيت الكبير اللي كنت شايفه ، بقى هو المأوى الأخير ليا.
​بس الصدمة الحقيقية كانت لما نزلت الشركة عشان أطلب من أبويا حصتي في أرباح الأرض والمحصول. دخلت المبنى الفخم اللي أنشأته منار في مركز المدينة، واستنيت في مكتب الانتظار زي أي موظف أو عميل صغير. الموظف بصلي وطلب مني أستنى لما “الدكتورة منار” تفضى.
​قعدت ساعتين كاملين على الكرسي، أدوق طعم الذل والانتظار اللي ذقتهولها زمان. ولما أذنتلي أدخل، دخلت المكتب.. كانت

قاعدة ورا مكتب خشبي عريض، حواليها أوراق ومخططات هندسية، وراها شهادات تقدير ودروع تكريم من المحافظ.
​رفعت عينها عن الأوراق وبصلتي ببرود، وبصوت هادي خال من أي تشفي قالت: “خير يا شريف؟ أظن المحاسب سلمك مصاريفك الشهرية اللي عمي حددها لك”.
​قلت بحشرجة وصوت واطي مش طالع: “أنا مهندس يا منار.. محتاج أشتغل هنا، محتاج أرجع أقف على رجلي.. أنا خسرت كل حاجة في القاهرة”.

​سكتت لحظات، وابتسمت ابتسامة خفيفة أشد قسوة من أي شتيمة، وقالت: “الشغل هنا للناس اللي بتخاف على اسم الشركة وشرف العمل.. أنت جربت قبل كده تهدم كل حاجة في لحظة عشان هوى نفسك. لو عايز تشتغل، في وظيفة مهندس موقع تحت التمرين في مشروع الصحرا الغربية.. المواعيد من ٧ الصبح، والمرتب على قد المجهود.. تناسبك؟”
​وافقت وأنا باصص في الأرض.. قبلت الوظيفة الصغيرة تحت إدارتها وإشرافها، وبقت هي اللي بتوقع على خصوماتي وتراجع تقاريري الهندسية.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *