ج1 تمن الغربة الكاتبة نرمين عادل همام
ج1 ورا كل باب حكاية

الكاتبة نرمين عادل همام
— ما إحنا بنحط الحاجات هنا مؤقتًا. وبعدين أمي قالتلنا إنها مش محتاجة الأوضة.
لفيت له.
— أمال أمي بتنام فين؟
سكت.
محدش رد.
مشيت لآخر البيت.
جنب الغسالة، لقيت أوضة صغيرة أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنها مستخدمة.
أوضة من غير شباك.
السقف فيه بقع رطوبة.
وسرير صغير محشور بالعافية جواها.
وعلى ترابيزة بلاستيك صغيرة كانت صورة أبويا الله يرحمه.
أمي كانت بتنام هنا.
أمي…
الست اللي أنا قضيت عشر سنين من عمري بعيد عنها، وشقيت واتغربت عشان أرجع لها وأعيشها أحسن عيشة…
كانت بتنام جنب الغسالة.
وأخويا حاطط حاجات مراته في الأوضة اللي أنا بنيتها لأمي.
تاني يوم الصبح، جارتنا الحاجة فاطمة، اللي ساكنة جنبنا من سنين، دخلت علينا.
واضح إنها سمعت جزء من الكلام اللي حصل.
بصت لسامح وقالت فجأة:
— هو إنت معاك فلوس تصرف على أمك أصلًا؟
سامح بص لها باستغراب.
فكملت:
— غريبة والله. ده إنت من شهرين كنت جاي تستلف مني ميتين جنيه عشان تجيب الدوا!
بصيت لسامح.
وشه اصفر.
وساعتها فهمت إن طبق الفول البارد، والأوضة الضيقة اللي فيها رطوبة، ما كانوش أسوأ حاجة.
أسوأ حاجة كانت إني أعرف الفلوس اللي أنا بعتها لأمي سنين طويلة…
راحت فين؟
لكن سامح ما كانش يعرف إن اللي هيكتشفه بعد كده…
هيكون أكبر بكتير من مجرد فلوس ضاعت.
في نفس اليوم، فتحت حسابي البنكي.
الأرقام ما بتكدبش.
خلال تلات سنين، كنت محوّل لسامح أكتر من ستمية ألف جنيه، ما بين مصاريف شهرية، وتصليحات، وحالات طوارئ.
حطيت اللابتوب قدامه.
— فهمني الفلوس دي راحت فين؟
سامح بلع ريقه وقال:
— الفلوس اتصرفت على البيت يا سيد. كهربا، وميه، وأكل، ودهانات، وعفش…
قاطعته:
— الكنبة جابها أهل مراتك.
سكت لحظة، وبعدين كملت:
— ولما بعتلك أربعين ألف جنيه عشان تصلح الرطوبة في أوضة أمي، إنت بالكاد حطيت شوية محارة على السقف.
سامح بدأ يعرق.
وقبل ما يلحق يخترع لي حجة تانية، دخلت مريم.
مريم كانت حبيبتي زمان، قبل ما أسافر وأشتغل في الخليج.
سافرت وأنا واعد نفسي إني هرجع أول ما أقدر أعمل حاجة أحسن، لكن السنين عدت، والسنة بقت عشرة.
مريم حطت كيس أدوية قدام أمي.
— جبتلك علاج الضغط يا حاجة زينب.
وبعدين ادتني علبة معدنية صغيرة.
فتحتها.
كان جواها روشتات، وتحاليل، وورقة دخول مستشفى من حوالي ست شهور.
أمي كانت دخلت المستشفى بعد ما أغمي عليها من شدة الضعف، ومع أزمة ضغط.
في الأسبوع ده، سامح كان كلمني في التليفون وقاللي:
— أمي تعبانة شوية، بس أنا معاها وبخلي بالي منها. ما تقلقش.
حسيت بالعار.
بس الغضب كان أكبر.
بصيت لمريم وقلت:
— ليه ما قولتيليش أي حاجة يا مريم؟
بصتلي في عيني وقالت:
— عشان أمك منعتني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت:
— كنت خايفة تسيب شغلك وترجع. بس ما تسألنيش أنا ليه ما قلتلكش. اسأل نفسك إنت ليه طول العشر سنين ما حاولتش تعرف مين اللي كان بيروح مع أمك للدكتور.
ما عرفت أرد.
وفي نفس الليلة، جتلي ضربة تانية.
عمرو، صاحبي المحامي، اتصل بيا.
قاللي إن البيت لسه ملكي بالكامل.
لكن سامح كان راح يسأل من كام شهر إزاي يثبت إنه هو اللي كان بيدير البيت وبيصرف عليه وبيعمل فيه إصلاحات بقاله سنين.
وفوق ده كله، لقينا توكيل أمي كانت موقعة عليه.
لما وريتهولها، عقدت حواجبها وقالت:
— سامح جابهولي وأنا كنت تعبانة. قاللي إنه محتاجه عشان يخلص إجراءات في العيادة. كنت دايخة… ومضيت في المكان اللي هو أشارلي عليه.
بصيت لأخويا.
— إنت كنت عايز تساعدها؟ ولا كنت بتجهز ورق عشان تضمن البيت لنفسك؟
سامح وطى راسه.
وسكوته كان كفاية.
تاني يوم جمعتهم كلهم.
حطيت على السفرة طبق فول بارد ورغيفين عيش ناشفين.
وبصيت لسامح.
— كل يا سامح.
بصلي باستغراب.
— إيه الهبل ده؟
— ده الأكل اللي أمك كانت بتاكله وإنت قاعد فوق بتستعرض بالأكل قدام أهل مراتك.
الحاج فوزي، أبو نادية، خبط بإيده على السفرة وقال:
— كفاية! إحنا كمان صرفنا فلوس في البيت ده. لو عايز تبيع، رجّع لنا الأول كل اللي دفعناه.
عمرو طلب منه الفواتير.
بدأت تظهر إيصالات من غير تاريخ، وورق مكتوب بخط الإيد، وإيصالات أصلًا مش مطابقة لحاجات حصلت في البيت.
سامح اتحشر.
وساعتها عمل أقسى حاجة ممكن يعملها.
لف ناحية أمي وقال:
— قولي لها حاجة يا أمي. لو سيد باع البيت، نادية هتسيبني. عايزاني أترمي في الشارع؟
أمي بدأت تترعش.
وقبل ما ألحق أعمل أي حاجة، نزلت على ركبتها قدامي.
— سيد… والنبي يا ابني. ما تعملش كده. اعملها عشان أخوك.
جريت عليها وشيلتها من على الأرض، وعيني مليانة دموع.
— عايزاني أسيب البيت للناس اللي خلوكي تنامي جنب الغسالة؟
سامح حتى ما حاولش يساعدها.
في الليلة دي، قررت إن مفيش حاجة هتغير قراري.
لكن الساعة 11 بالليل، عمرو بعتلي مستند تاني.
سامح ما كانش بس بيسأل إزاي يطالب بحقه في البيت.
ده كان مقدم ملف بيقول فيه إن فيه تجديدات في البيت بمئات الآلاف من الجنيهات، ومعاه مصاريف وأرقام ما لهاش علاقة باللي حصل فعلًا.
بصيت للمستند وأنا مش مصدق.
لو الكلام ده طلع زي ما باين…
يبقى أخويا ما كانش بس بيخبي الفلوس.
ده بدأ يألف حكاية كاملة عشان يقدر يحتفظ بجزء من البيت.
وعمرو كان لسه لاقي الدليل اللي ممكن يهد كل حاجة.
تاني يوم الصبح، وقبل ما أواجه سامح، وصلت الحاجة فاطمة وهي ماسكة موبايلها في إيدها.
قالتلي:
— يا سيد، اسمع التسجيل ده الأول.
التسجيل كان من زيارة قديمة لأهل نادية.
وصوت مرات أخويا كان واضح جدًا.
— يا حاجة زينب، معلش كلي تحت في المطبخ. فيه شوية ناس من أهلي جايين، وناس مهمين كمان. إنتِ عارفة القعدات دي بتبقى عاملة إزاي… وبالهدوم دي كمان هيبدأوا يسألوا أسئلة.
وبعدين جه صوت سامح:
— أيوه يا أمي، هي كام ساعة بس. ما تخليش نادية تحس إنها مش مرتاحة.
بعدها ساد الصمت.
وبعدين سمعنا صوت أمي، تعبان ومكسور:
— حاضر يا ابني.
حسيت بالغضب بيغلي جوايا، وبالعافية كنت مسيطر على نفسي.
طلعت فوق، وشغلت التسجيل قدامهم، واستنيت.
نادية وشها اصفر.
— إنت بتطلع الكلام من سياقه.
بصيتلها وقلت:
— وإيه السياق اللي يخلي ست عندها سبعين سنة تبقى حاجة لازم تتخبى عن الضيوف؟
ظهرت أمي ورايا.
ولأول مرة، ما حاولتش تدافع عنهم.
بصت لنادية وقالت بصوت بيرتعش:
— يا نادية، أنا عمري ما طلبت منك تطبخيلي أو تغسليلي هدومي. من أول ما دخلتي العيلة وأنا عاملتك زي بنتي. كل اللي عملته إني كنت ببعد عن الناس كل مرة تطلبي مني ما أظهرش قدام ضيوفك.
نادية انفجرت:
— عشان العيشة معاكي ما كانتش سهلة برضه! كل الناس فاكرينك ست عجوز مش قادرة تعمل حاجة. وأنا اللي شلت البيت ده سنين!
سامح، وهو متوتر، صرخ:
— يا أمي اسكتي بقى! كل الموضوع كبر بسببك!
صرخت فيه:
— إنت ما تتكلمش معاها بالطريقة دي تاني!
صوتي دوّى في البيت كله.
وقفت قدام سامح.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة أخدت مني عشر سنين عشان أفهمها:
إني أبعت فلوس لأمي مش معناه إني أديت لنفسي الحق أقول إني الابن المثالي.
أنا كمان غلطت.
في نفس الليلة، روحت أدور على مريم.
كانت ساعات بتروح البيت القديم اللي إحنا اتربينا فيه وتطمن عليه. أمي كانت رافضة تبيعه، عشان ذكريات أبويا الله يرحمه كانت فيه.
قعدنا في الحوش.
قلت لها:
— كنت فاكر إني بعمل اللي عليا لما ببعت الفلوس. كنت فاكر طول ما أمي عندها بيت كبير، أنا كده مش هكون مقصر تاني.
مريم هزت راسها بهدوء.
— أمك عمرها ما كانت عايزة بيت كبير. قبل ما تسافر، قالتلي إنها نفسها بس ترجع من الغربة في يوم من الأيام وتقعد معاك على السفرة وتتغدى معاك.
الكلام نزل عليا زي الصدمة.
عشر سنين وأنا ببني حيطان…
والست اللي بحبها كانت مستنية بس كرسي فاضي جنبها.
بعد كام يوم، جه أول ناس عايزين يشتروا البيت.
سامح ونادية عملوا كل اللي يقدروا عليه عشان يخوفوهم.
سابوا البيت في حالة فوضى، وشغلوا مزيكا بصوت عالي، وقالوا إن البيت عليه مشاكل وإن موضوعه لسه متنازع عليه.
سامح قاللي:
— لو الناس دي فضلت تيجي، هنعمل نفس الكلام كل مرة. نشوف بقى مين اللي هيشتري.
ما جادلتوش.
عمرو جهز إنذار رسمي.
تلاتين يوم عشان يخلوا البيت.
وساعتها بدأت أفهم ليه سامح كان مستميت بالشكل ده.
كان مديون.
ومديون بمبالغ كبيرة.
كان شاري عربية بالقسط، وساعات غالية، وموبايلات، وهدوم أسعارها نار.
وكان بيعمل عزومات وحفلات عشان يبان قدام أهل نادية إنه راجل ناجح، وبيصرف من جزء من الفلوس اللي أنا كنت ببعتها مخصوص لمصاريف أمي عشان يحافظ على المنظر ده.
الحاج فوزي، أبو نادية، كان طول السنين بيقدمه قدام الناس على إنه:
«جوز بنتي الناجح اللي بنى البيت ده بإيده.»
سامح كان بيفضل ياخد من الفلوس حتة حتة، بدل ما يعترف إن البيت مش بتاعه.
ولما نادية اكتشفت الديون اللي مخبيها عنها، انفجرت فيه.
— إنت رهنت الدهب بتاعي كمان؟
سامح صرخ:
— عملت كل ده عشانك!
— عشانّي أنا؟
— أبوكي عمره ما بطل يقارني بأزواج أخواتك! لو واحد اشترى عربية، تقولي إمتى هجيب عربية. لو حد اشترى أرض، تسألي إمتى هنشتري أرض!
بصتله وقالت:
— وعشان كده أخدت فلوس أمك؟
لأول مرة، نادية وقفت وبصت لنفسها.
كأنها بدأت تشوف الصورة الحقيقية.
لكن قبل ما الكلام ده يخلص، حصلت حاجة أسوأ.
في الليلة دي الدنيا قلبت مطر.
دخلت أوضة أمي…
لقيت السرير فاضي.
شنطتها الصغيرة وهدومها الاحتياطي اختفوا.
— أمي!
لفينا البيت كله.
مفيش.
اتصلت بمريم، وبالحاجة فاطمة، وبالجيران.
حتى سامح نزل الموتوسيكل وخرج يدور عليها وسط المطر.
بعد حوالي ساعتين، لقيناها تحت سقف البيت القديم.
كانت مبلولة للآخر، وحاضنة كيس بلاستيك فيه شوية هدوم.
جريت عليها.
— أمي، إنتِ بتعملي إيه هنا؟
بصتلي بعينين عمرهم ما هيتنسوا.
وقالت:
— لو مشيت، مش هتضطروا تتخانقوا أكتر. خليهم ياخدوا البيت، يبيعوه، يمشوا… اعمل اللي إنت عايزه يا ابني.
نزلت على ركبتي وحضنتها.
— لأ يا أمي. سامحيني. إحنا بنتخانق عشان بيت، ومش واخدين بالنا إن الشخص الوحيد اللي بقى من غير بيت هو إنتِ.
عيطت ساعتها زي ما ما عيطتش من يوم وفاة أبويا.
تاني يوم الصبح، أخدت أمي وروحت بيها عند مريم.
بيتها كان بسيط، بس فيه أوضة نضيفة، وشباك بيطل على كام زرعة جهنمية.
أمي نامت الليلة دي من غير ما تسمع صوت غسالة ورا الحيطة.
وساعتها أخدت القرار النهائي.
أنا مش هبيع البيت عشان أثبت إني جامد.
هبيعه لأنه ببساطة ما بقاش بيت.
سامح حاول يعمل حركة أخيرة.
بعد كام يوم، راح عند مريم، ونزل على ركبته قدام أمي وطلب منها تسامحه.
— ارجعي معايا يا أمي. والله هنتغير.
أمي ضعفت.
ووافقت تديله فرصة.
لكن تاني يوم ظهر مشتري جديد.
سامح قعد أمي في الصالة، وظبط لها المخدة، وبدأ يقدملها فاكهة، وبعدها قال للمشتري:
— زي ما حضرتك شايف، أمي عايشة هنا، وإحنا كلنا متفقين إن البيت يفضل بتاعنا. لو حضرتك اشتريت، ممكن تدخل في مشاكل عائلية.
مريم واجهته:
— سامح، إنت جاي عشان وحشتك أمك؟ ولا جاي عشان محتاجها تقعد هنا وتخوف بيها الناس اللي جاية تشتري؟
أمي سمعت كل حاجة.
قامت بالراحة.
وبصت لسامح وقالت:
— ما تقوليش يا حبيبي تاني. إنت ما افتكرتنيش غير لما حسيت إنك هتخسر البيت.
سامح اتهد.
وفي نفس الأسبوع، نادية لقت رسايل مرهونة مستخبية وسط هدومها، واتأكدت إن جزء من دهبها كان مترهون.
سامح لم هدومه وحزم شنطته ورجع على بيت أهل نادية.
الحاج فوزي ما سابهاش حتى تدخل البيت براحتها.
قالها:
— مشاكل الجواز تتحل جوه البيت. الناس هتقول إيه لما ترجعي لبيت أبوكي وإنتِ مطلقة؟
نادية وقفت على باب البيت وهي بتعيط.
الراجل اللي طول عمره بيعلمها إن أهم حاجة شكلهم قدام الناس، أثبتلها إن عنده بنت متجوزة تعبانة أهون بكتير من بنت مطلقة تخلي الناس تتكلم.
سامح كان وصل لآخره.
وفي يوم، راح بيت مريم.
المرة دي من غير خناقات، ولا دموع مصطنعة، ولا كلام كتير.
قعد قدام أمي وقال:
