ج 2 بعد ولادتي
حكايات روماني مكرم

القاضي بص للأوراق ورجع بص لمحامينا، وقال: “دفاع المدعى عليها يتفضل.”
محامينا قام بثبات، وطلع ملف أوراق أبيض من شنطته وقال بصوت هادي ومتمكن:
“سيادة القاضي، العدل لا يكتمل إلا بالحقائق، وليس بالادعاءات المرسلة. موكلتي لم تهرب دلعاً ولا إهمالاً، بل هربت بطفلها نفاذاً بجلدها وحياتها من موت محقق!”
المحامي قدم للمحكمة التقرير الطبي الصادر من المستشفى الحكومي وتقارير الداية والوحدة الصحية في الصعيد، الموثقة بتاريخ وصولي بعد حادثة الهروب بساعات:
“سيادة القاضي، هذا تقرير طبي يثبت أن الأم وصلت إلى بلدتها بعد الولادة بأربعة أيام فقط، وهي تعاني من هبوط حاد في الدورة الدموية، وانفتاح جزئي في جرح العملية القيصرية، وتلوث جراحي كاد يؤدي بحياتها! وذلك بسبب إرغامها على القيام بأعمال منزلية شاقة وتكليفها بتنظيف مغلقة منذ سنتين فور ولادتها!”
حماتي وشها اتغير في القاعة وقعدت تململ في مكانها، محاميهم حاول يقاطع بس القاضي أشار له بالسكوت وقال لمحامينا: “كمل يا أستاذ.”
محامينا طلع كارت ثاني، وهو شهادة البواب بتاع العمارة في القاهرة، اللي أخدنا أقواله في المحضر الرسمي وشهادة التوكتوك:
“سيادة القاضي، البواب شهد أن الزوجة خرجت في الخامسة والنصف صباحاً وهي تبكي وتنزف وتترنح، ولم يخرج الزوج لنجدتها أو البحث عنها إلا بعد ساعات! فأين هي أمانة الأب الذي يرى زوجته تنزف بعد قيصرية وأمه تؤنبها، فيقف مكتوف الأيدي؟”
ثم أضاف المحامي ضربة القاضية، لما طلع شهادة التقرير الطبي الخاص بالطفل، اللي أثبت إن وزن الطفل ونموه في حيازة الأم الآن ممتاز، وإنه يتلقى الرضاعة الطبيعية كاملة، وإن إبعاده عن أمه في هذا السن يهدد حياته بالخطر وفقاً للقانون الذي يجعل حضانة الصغير في هذا السن حشواً حصرياً للأم ما لم يثبت مانع صحي أو أخلاقي، وهو ما عجز المدعي عن إثباته.
القاضي حط الأوراق على المكتب، وبص للجوز اللي كان واقف منصدم ومحاميه مش عارف يترد بإيه بعد ما الملفات الطبية والشهود قفلت كل ثغرة.
بعد مداولة قصيرة، نطق القاضي بالحكم اللي زلزل القاعة:
“حكمت المحكمة برفض دعوى إسقاط الحضانة المقامة من المدعي، وإلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة، مع استمرار حضانة الطفل لوالدته.. وتحديد حق الرؤية للأب في أقرب مركز شباب لمحل إقامة الطفل بالصعيد، لمرة واحدة أسبوعياً لمدة ثلاث ساعات فقط، شريطة عدم نقل الطفل خارج المحافظة!”
