ج 2 بعد ولادتي
حكايات روماني مكرم

مرة في مرة، حماتي تعبت من المشوار. ظهرها ما بقاش يستحمل القطر، والسفر الصعيدي في الحر هد حيلها. بدأت تشتكي وتقول لابنها: “أنا مش ماشية معاك التبهدلة دي تاني، روح لوحدك يا فلان، القعدة في مركز الشباب على الدكك دي تهين كرامتي!”
رد عليها وابنه في حضنه وبكاء مكتوم في قلبه: “كرامتك يا أمي؟! ما أنتِ اللي جبتينا للوضع ده! ما أنتِ اللي طمعتِ وقلتِ لي أنزلها تنضف شقة أختي وجرحها ما كملش أربع أيام! أهي دلوقتي بتشوف ابنها في حضن أهلها بكرامة، وأنا بشوف ابني بإذن ورقة ورئيس مركز شباب!”
بدأت المشاكل تنخر في بيتهم في القاهرة زي السوس. أخته اللي نزلت من السعودية، قعدت شهور إجازتها تنكد عليه. الشقة اللي كانت عايزاني أنضفها، اضطرت هي وأمها ينضفوها بنفسهم بعد ما ما لقوش حد يرضى يجي بالرخيص. وأخته زعلت من أمها وأخوها لأن القضايا والمحاكم بوظت فرحة إجازتها وفضحتهم قدام قرايبهم ونسائبها في الخليج. سافرت أخته ورجعت جوزها وهي شايلة من أخوها وأمها ومقاطعاهم.
أما جوزي، فبدأ يحس بالوحدة القاتلة. الشقة بقت فاضية عليه، أمه كبرت في السن وبقت تقيلة الحركة، وما بقاش في حد يخدمهم أو يقدم لهم لقمة هنيئة. الشغل بتاعه أهمله من كثر التفكير والسفر كل أسبوع، والمرتب بقى يضيع نصبه على قطارات الصعيد والمصاريف والنفقة اللي المحكمة فرضتها عليه بالسيف.
في يوم جمعة شديد الحرارة، كنت واقفة بعيد في صالة الانتظار بمركز الشباب، مستنية الثلاث ساعات يخلصوا عشان آخد حمزة وأرجع البيت. جوزي كان قاعد على البنش، ماسك إيد الولد الصغير وبيلعبه بلعبة بلاستيك رخيصة جايبها معاه. الولد ما كانش عارفه كويس، كان بيخاف من وشه الغريب وبيصرخ كل ما يحاول يحضنه، ويشاور بعيد عليا ويقول: “ماما.. ماما!”
الكلمة دي كانت بتنزل على قلب جوزي زي مية النار. مسح دموعه بكف إيده، ولما الوقت قرب يخلص، قام من مكانه وجالي يترجاني، وشه كان شاحب وشعره بدأ يطله الشيب رغم صغر سنه.
قرب مني خطوتين وقال بصوت مكسور يقطع القلب:
“شيماء.. عشان خاطر الله وعشان خاطر العيل ده، اسمعيني.. أنا اتدمرت! حياتي جحيم من يوم ما مشيتِ. أمي عاجزة ومش قادرة تتحرك، وأختي قطعت بينا وسافرت، وأنا عايش في البيت زي الغريب.. أرجوكي يا شيماء، ارجعيلي وأنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعمل لك كل اللي تطلبيه، ومش هخلي أمي تفتح بؤها معاكي بحرف واحد طول العمر!”

