ج1 قلم أمي حكايات زهرة

منى حاولت تهدي صوتها وتتكلم بالسياسة: “يا ماما.. الزمن اختلف وكل وقت وله أدانه..”
امي صبرها نفد واتكلمت بضيق
قولتلك اشربي انتي مش هتفهمي اكتر مني
منى حست نفسها غمت وقالت بتصميم
معلش يا ماما مش هقدر..اصلا نفسي غمت انا مش باكل الكوارع ولا بطيق ريحتها .. مستحيل اشربها انا بقرف منها….
محققتش تكمل كلمتها.. ” و نزل على وشها قلم قوي بدون مبررات. الأوضة اللي مساحتها تلاتة في أربعة بقت تخنق من السكوت. منى اتسمرت في مكانها، وحطت إيدها تلقائي على خدها اللي بيولع نار، وعينيها مبرقة مش مصدقة اللي حصل.
في اللحظة دي أنا جريت من البلكونة: “ياما! بتعملي إيه بس؟”
أمي كان نفسها عالي وطالع نازل من العصبية، ومن غير ما تديني فرصة أتكلم، قالت
“الشوربة اللي واقفة أعملها بقالي تلات ساعات على رجلي تقولي بقرف منها؟ فاكرة نفسها بنت بارم ديله وانا الست المقرفه اللي بتعمل اكل يغم نفسك؟!”
خد منى احمر في ثواني. معيطتش بصوت ولا صرخت، سابت دموعها تنزل ساكتة وتغرق لفة بنتها اللي في حضنها.
أنا كنت واقف في نص الأوضة مشلول، عاجز..
بين أمي الست الغلبانة اللي فنت عمرها عشان تكبرني وتعمل مني راجل ،وبين مراتي الغلبانة اللي لسه والدة وشايفة الموت بعينيها عشان تجيب طفلنا .
دارت في دماغي كلام كتير، بس لما فتحت بوقي، طلعت مني الكلمة اللي هفضل ندمان عليها وأعض صوابعي عليها لحد ما أموت:
”منى.. معلش دي أمي ومقَامها كبير.. تعالي على نفسك شوية عشان خاطري واشربيها وعدي الليلة.”
منى رفعت عينيها وبصتلي.. نظرة عمري ما هنساها. مكنش فيها عتاب، ولا غل، ولا حتى قهر. كانت نظرة باردة زي التلج.. زي ما يكون آخر شمعة حب ليا في قلبها انطفت واترمت في التراب.
مقالتش لأ، ولا سألتني ليه جيت عليها.. مدت إيدها في سكات وخدت الطبق. وبقت تشرب بق ورا بق.. كانت بتغصب نفسها تبلع الدهن والسمن التقيل ودموعها نازلة .
لما خلصت والطبق مابقاش فيه نقطة، أمي نفخت بارتياح ونفضت إيدها وخرجت للصالة، وسمعتها من بره بتقول بصوت عالي لجارتنا أم محمد اللي كانت بتخبط:
“النسوان بتوع اليومين دول دلوعين وعايزين الكرباج، بس قرصة ودن صغيرة بتخليهم يمشوا مسطرة ويجيبوا ورا.”

