ليلة فرح بنتي حكايات زهرة

كانت الورقة الأولى عبارة عن وثيقة تنازل رسمية عن نصف ممتلكات وأراضي والدي -رحمه الله- ومبنى السكن الذي أعيش فيه، المكتوب باسم ريهام منذ صغرها! والاسم المكتوب في خانة المتنازَل له… كان عمها الكبير! “عبد الجواد”!
عمها عبد الجواد… الرجل الذي كان يبكي في العزاء بحرقة، والذي صرخ في وجهي يوم وفاتها وقال لي “استهدي بالله واستر الميت وسيبك من الجنان!”.. الرجل الذي كان يمسك مروان ويحاول تهدئة الأمور ليتم الدفن بسرعة وبدون شوشرة!

الغل والحسرة أكلوا صدري، بس في نفس اللحظة حسيت بقوة جبارة تملأ قلبي. احتضنت يونس، وبست رأسه، وقلت للمفتش بنبرة صلبة كالحديد: “عبد الجواد لازم يتقبض عليه فوراً، ولازم يتربى في القفص جنب مروان وباقي العصابة!”
في نفس الليلة، وصدرت أوامر فورية من النائب العام بضبط وإحضار عبد الجواد. داهمت القوات بيته في منتصف الليل، وجرّوه بالكلابشات أمام جيرانه وأولاده، وهو يصرخ ويتوسل ويحاول الإنكار، حتى واجهته النيابة بالأوراق والوثائق المضبوطة في المزرعة، ومواجهة مروان له في اللي يتمك وداس على شرفك لكن… في ليلة الجلسة الختامية الحاسمة للطق

بالحكمزوجته وحرم طفله من أمه.
أما عبد الجواد، فقد سِيقَ في الصباح الباكر إلى قاعة المحكمة تحت حراسة مشددة. كان وججهه أحمر وشاحباً، وجسده يرتجف كالورق اليابس في الريح. جلس في قفص الاتهام وحيداً بعد شريكه، وكانت نظرات الحاضرين في القاعة تحاصره كالسياط.
وقفتُ في الصف الأول، أرتدي ثوبي الأسود، ومسكة بيد يونس الصغير الذي كان ينظر حوله بفضول وبراءة، متمسكاً بيدي بكل قوة.
اعتلى القاضي الخشبة، ودق بمطرقته ثلاث دقات هزت جنبات القاعة، ثم قرأ الحيثيات الحاسمة:
“بعد الاطلاع على كافة الأوراق، وما ثبت قطعيًا من

صيحات التكبير والعدالة شقت صمت القاعة، بينما سقط عبد الجواد مغشياً عليه داخل القفص، ليتذوق مرارة الذل قبل تنفيذ القصاص.
خرجت من المحكمة وأنا أحمل يونس بين ذراعي. كانت
في المساء، ذهبت إلى المقابر، ووقفت أمام قبر ريهام. وضعت يدي على التراب الندي، وجعلت يونس يلمس التراب بيده الصغيرة، وقرأت لها سورة الفاتحة بصوت ناعم يفيض وفي تلك الليلة، نمتُ لول مرة منذ سنوات طويلة بنوم عميق وهادئ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *