ليلة فرح بنتي حكايات زهرة

في الوقت ده، اتفتحت باب الغرفة ودخلوا مروان وهو متكلبش بالحديد، حارس من اليمين وحارس من الشمال. كان وشه شاحب زي الأموات، عينيه زي الزجاج المكسور، ويده المعلمة بالخدوش المتغطية بالشاش بتترعش.
أول ما عيني جت في عينه، قمت وقفلت عليه الخطوة. كل حزن الدنيا اتحول لوحش جائع للقصاص جوايا. قربت منه، والحراس حاولوا يمسكوني بس وكيل النيابة أشار لهم يسيبوني.
خرجت من النيابة وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. الناس كانت بتعزيني وتبارك لي إن الحقيقة بانت، بس أنا ما كانش يهمني غير حاجة واحدة بس… ريهام.
رجعت البيت، ودخلت أوضة الغسل تاني، لكن المرة دي المكان كان هادي، وجثمان بنتي كان جاهز ومغسول بأيدي مغسلة ثانية أمينة، ومكفنة بالأبيض الناصع. قربت منها، مسكت إيدها الباردة، وبست رأسها.
قلت لها بصوت واطي ودموعي بتنزل على كفنها: “حقك بان يا حبيبتي… السر اللي جيتي تقولهولي في النوم كشفناه، وما خليتش وبعد ساعات، خرجت جنازة ريهام… كانت منطقة كاملة تبكي عليها، اندفنت عروسة السماء تحت التراب.
بس القصة ما انتهتش هنا… لأن بعد بأيام قليلة، وأنا قاعدة في بيتي الفاضي وسط ذكرياتها وصورها بفستان الفرح، جالي طرد مقفول على عنوان البيت باسم ريهام، مبعوث من مكتب بريد محلي قبل وفاتها بيوم واحد بس!

مسكت الطرد المقفول وإيدي بتترعش زي أوراق الشجر في عاصفة. فتحت الغلاف الورقي المقوى بخوف وذهول، يخرج منه دفتر صغير مذكرات بجلدة سوداء، وجلاشة (فلاش ميموري) صغيرة، ومعاهم ورقة مكتوبة بخط ريهام… خط بنتي اللي أعرفه كويس جداً، بس الكلمات كانت متلخبطة ومكتوبة بسرعة تحت تأثير رعب قعدت على الأرض وركبي مش شيلاني، وقريت الجواب اللي كتبته ريهام قبل وف بساعات قليلة:
“أمي الحبيبة… لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا بقيت في مكان أحسن، أو مروان نفذ لوحده، في ناس كبار هما اللي أمروا بالزيجة دي عشان يستغلوا اسم عيلتنا الهادي ويداروا بيه، وهما اللي أمروه يخلص مني أول ما عرف إني اكتشفت سرهم، ووثيقة التأمين كانت مجرد غطاء عشان يهرب هو بالفلوس برة مصر قبل ما يتخلصوا منه هو كمان! الفلاشة دي فيها المظلمة كلها… خديها واجري يا أمي، متأمنيش لحد، حتى أقرب الناس لينا!”
جمعت نفسي بالعافية، الدموع جفت في عيني واتحولت لشرار يتطاير. مسكت الفلاشة والمذكرات وضمتهم لصدري. إذن، مروان مكانش الوحيد اللي كتم نفس بنتي وخنقها… كان مجرد أداة تنفيذ لشبكة كبيرة من الوحوش اللي ظنوا إن أم أرملة ومكسورة مش هتكون قادرة تقف في وشهم!
ما كملتش ساعتين، ولقيت الباب بيتخبط بصوت مزعج وعنيف هز أركان الشقة. قمت بالراحة، حطيت الفلاشة والمذكرات في جيب جلابيتي الداخلي، وقربت من الباب وبصيت من العين السحرية.
كان واقف برة شخصين باين عليهم الصرامة والقسوة، لابسين بدلات رسمية أنيقة جداً، وملامحهم باردة وثابتة زي الصخر. واحد منهم مسك الميكروفون الصغير في إيده ورن الجرس تاني، وتكلم بصوت واطي بس يخوف: “يا أم ريهام… افتحي الباب بالهدوء. إحنا عارفين إن في طرد وصلك النهاردة الصبح. الطرد ده فيه أمانة تخص ناس كبار أوي، حاجات لو فضلت معاكِ مش هتكملي ليلتك دي، وهتحصلي بنتك في نفس التربة قبل ما الصبح يطلع.”
أنا في اللحظة دي ما خفتش… الخوف مات في قلبي يوم ما شفت بنتي في حادة وبسرعة وبدون ما يعملوا دوشة للتقلق الجيران!
عرفت إن دقيقتين بس ويكونوا جوا الشقة. جيراني في العمارة كانوا ناس طيبين، بس الشارع كان ساكت. جريت فوراً على البلكونة الخلفية اللي بتطل على منور العمارة والشارع الجانبي، ونزلت على سلم الخدمة القديم الخشبي بخطوات سريعة وحذرة، وأنا سامعة صوت كسر الباب الرئيسي للشقة فوقي والرجال بدأت تفتش الشقة وتكسر العفش بجلبه وعنف!
نزلت الشارع الجانبي وأنا بتدارى في الضلمة، قلب يسبق رجلي، أتنفس بصعوبة والجلباب بيتلف حوليا. جريت على أقرب شارع رئيسي، وركبت أول تاكسي قابلني، وقلت للريس بصوت مرعوب بس مصمم: “على مبنى الأمن الوطني والنائب العام فوراً يا أستااااذ!”
سائق التاكسي بصلي في المراية بذهول لما شاف منظري ودموعي، بس داس بنزين وطار بالعربية.
وصلت المبنى ورسيت هناك، وبمجرد ما دخلت وطلبت مقابلة المفتش المسئول، وسلمته الفلاشة والمذكرات وحكيت له على اللي حصل في الشقة والناس اللي بيتي، حالة طوارئ اتعلنت في المبنى كله في أقل من عشر دقائق!
شفت ريهام في المنام تانية… بس المرة دي مكانتش دبلانة ولا كان بقها فاضي. كانت لابسة فستان أبيض ينور في الضلمة، أسنانها متراصة كاللؤلؤ، وابتسامتها تملأ وشها، وفي إيدها طبق أكل مليان، وأول ما شافتني قربت مني، باست إيدي وقالتلي بصوت صافي يفيض بالسلام:
“شكراً يا أمي… أنا دلوقتي شبعت، ومرتاحة.”
صحيت من النوم والدموع مالية عيني، بس المرة دي مكانتش دموع حصرة ولا قهر، كانت دموع راحة وأمل.. شفت بنتي مرتاحة وشبعانة وابتسامتها منورة، وده كان أكبر دليل إن حقها استريح في تربتها.
أنا بقيت قاعدة في بيتي الفاضي، بس المكان ما بقاش موحش زي الأول. صورة ريهام وهي بتضحك كعروسة بقت منورة الصالة، وكل ما أبص لها أحس إنها معيا في كل لحظة.
وفي يوم من أيام الجمعة المباركة، وأنا قاعدة بقرأ سورة يس وبدعي لبنتي بالرحمة، سمعت جرس الباب يرن. قمت فتحت، لقيت واقف قدامي شاب في الثلاثينات من عمره، ملامحه هادية وبسيطة، ومسك في إيده شنطة ورقية صغيرة وبيصلي في الأرض بأدب.
بصيت له باستغراب وقلت له: “أيوه يا بني؟ أؤمر، بتدور على حد؟”
الشاب رفع رأسه وبصلي بعيون مليانة تأثر، وقال بصوت خفيض: “حضرتك والدة الشهيدة ريهام؟”
قلت له ونبرة صوتي اتغيرت: “أيوه يا بني، أنا أمها.. خير؟ أنت مين؟”
اتنهد الشاب وقال: “أنا اسمي كريم يا طنط.. أنا المهندس اللي كان شغال مع ريهام في نفس الشركة. أنا آسف إني جيت لحضرتك بدون ميعاد، بس كان لازم أجيلك.. في أمانة ريهام سابتهالي قبل وفاتها بيومين، وقالتلي لو حصلي أي حاجة، وما قدرتش أرجع الشغل، اسلم الأمانة دي لأمي بأيدك شخصياً ومحدش يعرف عنها حاجة!”
قلبي دقاته سارعت، وحسيت إن شريط الذكريات والحلم بيرجع يلف تاني.. أمانة إيه تاني اللي ريهام سابتها عند زميلها؟ ومروان هل كان عارف بالأمانة دي ولا لأ؟!
دخلت كريم الصالون، وقعد يفرك إيديه بتوتر، وطلع من الشنطة علبة خشبية صغيرة مقفولة بقفل نحاسي صغير، ومفتاحها المربوط بشرطة حمرا.
الدنيا دارت بيّا.. رأسي بقى يلف، الحيطان كأنها بتقرب مني وتخنقني! بنتي الوحيدة عاشت سنتين في جحيم سر مكتوم؟ اتجوزت في السر وسابوها يتحكموا فيها ويهددوها بضناها؟!
مسكت كريم من قميصه وصرخت بهستيريا والدموع مغرقة وشي: “أين الطفل؟! ابن بنتي فين يا كريم؟! قولي ضنى بنتي فين؟!”
كريم نزل رأسه وقال بصوت خفيض: “الطفل عايش يا طنط.. مروان كان حاطه في دار أيتام خاصة في محافظة تانية تحت اسم مستعار، وبيصرف عليه عشان يضمن إن ريهام تفضل تحت إيديه وما تنطقش بحرف.. والدار دي هي نفسها اللي كانت بتستخدمها الشبكة لغسيل الأموال!”
في اللحظة دي، عرفت إن رحلتي ما انتهتش بعد.. وإن بنتي لما جاءت لي في الحلم وهي حاضنة بطنها ومكسورة، مكانتش بس بتقولي على خنقها… كانت بتصرخ وتقولي: “احمي ابنـي يا أمي.. انقذي ضنايا من بين إيديهم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *