حميها حراميها للـ الكاتبة نرمين عادل همام
وراء كل باب حكاية

أمي ضحكت باستهزاء وبجاحة، ولوت بوزها، بلاش هبل وجنان عيال يا واد! ده بيت ابني، وهي اللي تلم هدومها وتغور في داهية لو مش عاجبها.
لفيت وشي وبصيت لها، بهدوء مرعب، هدوء يخوفني أنا شخصيا من نفسي، لأ يا أمي.. ده بيتي أنا، اللي دافع فيه دم قلبي.. ودي مراتي.. وده ابني.. اتفضلي إنتي بره الشقة دي حالا، وياريت متدخليش هنا تاني.
ابتسامتها السمجة اتهزت، ووشها جاب ألوان، وملامحها اتغيرت للصدمة.
شلت سلمى بين إيديا، والواد كان مربوط على صدري في الشيالة، دخلت الأوضة رميت شوية هدوم في شنطة صغيرة بسرعة، وأمي ماشية ورايا في الطرقة لحد باب الشقة، بتزعق وتخبط على صدرها وتتكلم عن الأصول، والعقوق، وغضب الرب، وقلة رباية الجيل ده اللي بيفضل مراته على أمه.
مردتش عليها بنص كلمة. متكلمتش لأن الكلام مابقاش ليه أي لازمة.
خرجت من باب الشقة، وبصيت ورايا بصة واحدة بس.
كانت واقفة على الباب، مذهولة.. الست اللي عاشت عمرها كله فاكرة إنها بتملك البيت، وبتملكني، وبتملك أرواحنا معاها.
ولأول مرة في حياتها كلها.. كان باين في عينيها الخوف الحقيقي والشك.
قفلت الباب، ونزلت بيهم على المستشفى نطمن على سلمى ونعلقلها محاليل، ومنها على أقرب لوكاندة.. عشان نبدأ من جديد، بعيد عن أي وحش.
واجهة اللوكاندة القديمة في وسط البلد كانت بهتانة، حيطانها متقشرة واليافطة بتاعتها نورها أصفر كئيب بيطفي وينور تحت كشافات الشارع، بس بالنسبة لي في اللحظة دي، اللوكاندة دي كانت زي طوق النجاة اللي ظهرلي فجأة في وسط بحر هايج وأنا بأغرق فيه.
سندت سلمى اللي كانت شبه فاقدة الوعي ووشها في الأرض، وطارق ابني الصغير راسه نايمة على صدري جوة الشيالة، ونفسه بدأ يهدى وينتظم واحدة واحدة بعد ساعات من الصريخ المتواصل اللي كان هيشرخ حنجرته الصغيرة.
دخلنا الأوضة البسيطة، ريحتها كانت قديمة بس نضيفة. حطيت سلمى على السرير براحة خالص كأني شايل حتة إزاز خايف تتكسر، وغطيتها بالبطانية كويس. وبعدين طلعت الببرونة، غسلتها وعقمتها بشوية ماية سخنة جبتهم من الكاتل اللي في الأوضة، وعملت لطارق رضعة دافية لحد ما نام في هدوء.
