حميها حراميها للـ الكاتبة نرمين عادل همام
وراء كل باب حكاية

محمود.. الراجل اللي عاش عمره كله مقتنع إن بر الأم معناه إنه يغمض عينيه عن قسوتها وجبروتها.. قعد على الأرض جنب السرير، حط راسه بين إيديه، وانهار. فضلت أعيط في صمت، عياط مكتوم يقطع القلب، لأول مرة أعيط بالشكل ده من وأنا عيل صغير.
فجأة سمعت صوت سلمى بيترعش زي خيط ضعيف هينقطع. محمود.. إحنا فين؟
قمت بسرعة من على الأرض، مسكت إيديها التلج دي وبستها من جوة قلبي. إحنا في أمان يا قلب محمود. إحنا في مكان مفيهوش وحوش، مفيهوش حد هيستقوى عليكي ويجبرك تقفي على رجلك تطبخي وتكنسي وإنتي بتنزفي من تعب الولادة. حقك عليا.. سامحيني.. أنا اللي استأمنتها عليكي وسبتك ليها وأنا فاكر إنها أم هتحن عليكي زي بنتها.
دموع سلمى نزلت زي السيل على المخدة، ومكنتش مجرد دموع من تعب جسمها ولا وجع الولادة، دي كانت دموع قهر مدفون، قهر انفجر وخرج كله مرة واحدة.
قالتلي وصوتها بيقطع، مامتك مكنتش بس بتستعبدني وتخليني أطبخ وأنضف الشقة وأنا مش قادرة أصلب طولي يا محمود.. مامتك عملت حاجات تانية أبشع وأوسخ من كده بكتير.
جسمي كله اتخشب مكاني، وحسيت برعب جديد بيسري في دمي. حاجات إيه يا سلمى؟ قوليلي متخافيش، الست دي خلاص مابقاش ليها أي سلطة علينا تاني، ولا هتقدر تقربلك طول ما أنا فيا نفس.
سلمى خدت نفس بصعوبة، وشهقت وهي بتعيط، الأسبوع اللي فات.. لما إنت كنت في المأمورية بتاعت الشغل في بورسعيد. مامتك جات الشقة بحجة إنها هتقعد معايا تساعدني في شيل البيبي عشان أرتاح. دخلت أوضة نومنا، ولما لقتني رايحة في النوم من التعب والمهدئات اللي الدكتور كتبهالي عشان وجع الخياطة، فتحت الخزنة الصغيرة اللي مدارية ورا الدولاب.. الخزنة اللي إنت نسيت مفتاحها في درج الكومودينو.
سكتت ثانية تاخد نفسها، وكملت كلامها اللي كان بينزل على قلبي زي الرصاص.
أنا صحيت على صوت تكة قفل الخزنة. فتحت عيني نص فتحة، وشفتها بعيني وهي بتلم طقم الألماظ اللي بابا الله يرحمه جابهولي في شبكتي، وبتسحب سبايك الدهب الصغيرة اللي كنا محوشينها وشايلينها عشان نسدد بيها باقي مصاريف المستشفى والولادة. ولما قمت مفزوعة وأنا مرعوبة وبقولها إنتي بتعملي إيه يا حماتي.. بصتلي بمنتهى الجحود والبجاحة وقالتلي، الدهب ده هيتشال في حتة أمان، لأن واحدة زيك جاية من منطقة شعبية وعيلة جعانة متؤتمنش على قرش أحمر من شقى ابني، ومسيرك تسرقيه وتديه لأهلك.

