ج1 كرامة حماتي للكاتبة نرمين عادل همام

ج1 خلف كل باب حكاية

في صباح اليوم التاني، مريم وإيهاب نزلوا شغلهم بدري.. سابوا حلة شوربة خضار وأرز أبيض وفاكهة متقطعة ومية ساقعة في الأزايز على الترابيزة  وفي التلاجة. وقبل ما مريم تقفل الباب، قالت للحاجة أنعام بكل احترام وأدب:

 «يا حماتي، معلش خدي بالك من أمي واقعدوا اتسلوا سوا لحد ما أرجع من المستشفى.»

على الساعة أربعة العصر.. مريم رجعت من شغلها في المستشفى بدري عن ميعادها بساعة.

أول ما فتحت باب الشقة.. لقيت الجو جوة الشقة خانق ومكتوم ويقطع النفَس وكأن الشقة فرن. ولما دخلت أوضة الضيوف، لقيت أمها الحاجة فاطمة قاعدة جنب الشباك المفتوح على منور، بتهوي على وشها بكرتونة بيض فاضية من كتر الحر والخنقة، وبلوزتها مبلولة عرق كأنها مرشوشة مية، وإيديها الاتنين بترتعش من التعب والهبوط والحرارة!

مريم انخضت وركبتها خبطت في بعضها، جريت عليها ودموعها في عينها: «أمي! مالك يا حبيبتي؟! أنتِ أكلتي؟ ودواكي فين؟!»

الست العجوزة بصت في الأرض بكسرة ودمعة محبوسة، ووطت راسها وقالت بصوت يقطع القلب: «أكلت لقمة كشك باردة يا بنتي من الشنطة.. مش عايزة أعمل مشاكل ولا أضايق حد في بيتكم.»

مريم جريت على المطبخ وهي مش فاهمة، شافت السلسلة الحديد والقفل الكبير الملفوف حولين درفتين التلاجة ومقفول! وعلى باب التلاجة ورقة مكتوبة بخط يد أنعام بالجاف الناشف والعريض:

«ابني هو اللي شارك في كل لقمة هنا.. الغرباء مالهومش أكل عندنا ولا يمدوا إيدهم على حاجة.»

وقلبت الورقة لقيت مكتوب في ضهرها بخط يقطر سم:

«البيت ده في الآخر بتاعي وبتاع عيلتي.. اعرفي مقامك وقدرك ولا تتعدي حدودك!»

أنعام كانت قطعت النور والكهربا من الس*كينة عن أوضة الضيوف، وخدت بعضها وراحت تقضي بقية اليوم وتتسامر عند ابنها الصغير إبراهيم.

مريم ما صرختش، ما اتصلتش تشرشح وتعمل هيصة في الشارع، وما حاولتش تكسر القفل ولا تجيب شاكوش.. أخدت الورقة بكل هدوء حطتها في شنطتها، ومسكت التليفون اتصلت فوراً بمكتب المحامي  !

أنعام ما كانتش تعرف إن الشقة دي معروضة للبيع بقالها شهرين، وإن خلاص جه مشتري ودفع العربون، وإن ميعاد التسليم ونقل الملكية الأسبوع ده بالظبط!

في الليلة دي، إيهاب قرا الورقة بصدمة، وبص لحماته المكسورة، وقال جملة واحدة غيرت مجرى العيلة كلها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *