ج3 أنا وسلفتي

حكايات روماني مكرم

بعد أن غادر أولاد خالتي بيت العيلة الكبيرة، تركوا خلفهم جدرانًا تهتز بصدمة حماتي وسلفتي، وزوجًا ينظر إليّ وكأنه يرى فيّ طاقة القدر التي انفتحت له. لكن خطة البشوات لم تكن لتكتمل دون زيارة رأس النبع، وصاحبة الحق الأصيل التي شقيت وتعبت لسنوات في صمت.. أمي.

في المساء، تحرك طاقم السيارات الفارهة ذاته يتقدمه طارق وعاصم ماجد، متوجهين إلى بيت أمي البسيط. كانت أمي تجلس في صالتها المتواضعة وبجوارها أخي الأكبر، الذي بدا التعب على وجهه وهو يحسب مصاريف تجهيز نفسه بعد أن أنفق كل ما يملك لكي يسترني ويجهزني. وفجأة، امتلأ الشارع الضيق بحركة غير معتادة، ووقفت السيارات الكبرى أمام باب المنزل البسيط.

انفتح الباب، ودخل البشوات الثلاثة تسبقهم هيبتهم وابتساماتهم الواسعة. وقفت أمي مذهولة، والدموع تترقرق في عينيها وهي ترى أولاد شقيقتها الراحلة الذين غابوا لسنوات بسبب دوامة العمل والسفر. ارتمى طارق في حضن أمي وقبل رأسها ويدها، وتبعه عاصم وماجد، وجلسوا حولها كالأبناء المحبين.

قالت أمي بنبرة صوت مرتعشة وخجولة: “أهلاً يا أولاد الغالية.. نورتوا بيتكم البسيط، عاتبين عليكم كل السنين دي، بس عارفين إن الشغل والدنيا خدوكم. إيه المفاجأة الجميلة دي؟”

اعتدل طارق في جلسته، ونظر إلى أخي الأكبر ثم التفت إلى أمي وقال بنبرة تفيض حبًا واحترامًا: “يا خالتو، إحنا اللي جايين نطلب منك السماح. إحنا قصرنا في حقك، بس ربنا يعلم إننا ما نسيناش أصلنا ولا نسينا فضلك. إحنا جايين النهاردة عشان نسدد أمانة قديمة، ونفرح قلبك الصافي اللي شقي وتعب ومطلبش من حد مليم.”

تابع طارق وهو يخرج الأوراق والعقود الرسمية ويضعها في حجر أمي:

> “يا خالتو.. فلوسك وورثك الشرعي من عيلتنا إحنا أخدناها وشغلناها معانا في السوق طوال السنين اللي فاتت، والحمد لله كبرت وعملت أرباح ضخمة جداً. وعشان كده، أول حاجة عملناها بفلوسك وأرباحك دي، إننا اشترينا ليكي ولابنك بيت كبير وفخم في أرقى أحياء القاهرة، بيت يليق بمقامك ومقام تعبك، والعقد أهو مكتوب باسمك وباسم ابنك.”

>

التفت عاصم نحو أخي الأكبر الذي تجمد في مكانه من فرط الصدمة والذهول، وقال له بصوت قوي وداعم:

> “يا بطل.. إحنا عارفين إنك شقيت وطلعت راجل ووقفت جنب أختك رشا لحد ما جوزتها وجهزتها بأحسن ما عندك وجيت على نفسك. دلوقتي جه دورنا نقف جنبك.. البيت الجديد في القاهرة معمول حسابه عشان تتجوز فيه وتعمل أحلى ليلة فرح تشرفك وتشرفنا كلنا. ومش بس كدة، من بكرة الصبح مكانك محجوز معانا في إدارة الشركات والمصانع، برأس مالك ونصيبك من أرباح والدتك، عشان تدير الشغل معانا كشريك ورجل أعمال، وما تشيلش هم أي مصاريف تانية من النهاردة.”

>

انهمرت الدموع من عيني أمي بغزارة، ورفعت يدها إلى السماء تدعو لهم وهي لا تصدق أن الله قد عوض صبر وشقاء السنين بهذا الفرج العظيم. أما أخي، فقد شعر وكأن جبالاً من الهموم قد انزاحت عن كتفيه، وقام ليعانق أولاد خالته وهو يشكر الله على هذا السند الذي ظهر في الوقت المناسب ليغير مسار حياتهم بالكامل من الضيق إلى القصر والجاه.

قال ماجد مبتسمًا وهو يربت على كتف أخي: “ارفع راسك يا صاحبي، إحنا عيلة واحدة ولحمنا واحد، واليوم ده هو بداية النور لينا كلنا.”

وفي تلك الأثناء، كنت أنا وزوجي كريم في بيت العيلة نجمع أغراضنا وسط نظرات الرعب والندم التي تلاحقنا من شقة حماتي وسلفتي سلوى، مستعدين للانتقال إلى حياتنا الجديدة في القاهرة حيث ينتظرنا الأهل والملك والجاه.. ولكن، كيف ستكون المواجهة الأخيرة بيني وبين حماتي وسلفتي عندما يعلمون بامتلاك أمي وأخي للقصر الجديد وانضمام أخي لأكبر شركات العاصمة؟

مع اقتراب موعد رحيلنا إلى القاهرة، تحول الهدوء الحذر في بيت العيلة إلى بركان يغلي. كانت حماتي الحاجة فاطمة تشعر بالأرض تسحب من تحت قدميها؛ فابنها “كريم”، الذي كانت تظن أنها ستمتلك زمام أمره وتجعله في خدمة أخيه الأصغر وسلفتي الغنية، أصبح على أعتاب حياة الملوك والأعمال بفضل ورث عائلتي وسند إخوتي البشوات.

وفي صباح أحد الأيام، وبينما كنت أضع اللمسات الأخيرة في حقائبنا داخل الشقة، انفتح الباب الخارجي بقوة ودخلت حماتي وعيناها تشتعلان غيظًا، وخلفها كانت تقف سلفتي سلوى بنظرات خبيثة تترقب المشهد وتشحن صدر حماتي بالنيران.

وقفت حماتي في منتصف الصالة، وضربت بصرامتها الأرض وصاحت بصوت عالٍ هز أرجاء المكان: “جرى إيه يا ست رشا؟ شايفاكي عمالة تلمي في الشنط وترتبي وتخططي على كيفك! إنتِ صدقتي نفسك ولا إيه؟ افتكري كويس إنك داخلة البيت ده بشنطة هدومك، والبيت ده له كبِير، وأنا بقولهالك كدة على بلاطة: ابني مش هيسافر القبلة دي، ومش هيسيب بيت أبوه وعيلته عشان يروح يشتغل خدام عند أولاد خالتك!”

خرج كريم من الغرفة على صوت أمه المرتفع، وبدت على وجهه علامات الضيق والأسف، وقال بهدوء: “يا ماما، حرام عليكي اللي بتقوليه ده. أولاد خالتها مش هيشغلوني خدام، دول ميزوني وعملوا لي مقام، وهيشاركوني برأس مال ورث رشا وأمها في أكبر شركات القاهرة.. دي طاقة قدر واتفتحت لنا، ليه عايزة تقفي في طريقي وطريق مراتي؟”

التفتت إليه حماتي بقسوة وصاحت فيه: “طاقة قدر إيه يا مغفل؟ دول بياكلو بعقلك حلاوة عشان يكسروا عيلتنا وياخدوك من حضن أمك! الفلوس والورث والذهب ده كله مظاهر كدابة، بكره يذلوك بفلوسهم ويقولوا لك إحنا اللي عملناك. أنت مكانك هنا، في وسط أهلك وناسك، تخدم في سوق أبوك مع أخوك، إنما سفر للقاهرة وشغل بشوات برة البيت ده.. مش هيحصل! والشنط دي مش هتخرج من عتبة الشقة!”

هنا، خطت سلوى خطوة للأمام ولوت فمها بابتسامة صفراء قائلة: “معلش يا ماما، تلاقي رشا ما صدقت شافت القرشين والذهب اللي جم فجأة ف حبت تعمل علينا هانم وتأخد كريم بعيد، بس الأصول بتقول إن الراجل ما يمشيش ورا كلام مراته وأهلها ويسيب أمه اللى ربته.”

نظرتُ إلى سلوى وحماتي، وبكل هدوء وثبات، تقدمت ووقفت أمامهما. لم تعد رشا المنكسرة التي تبكي في البلكونة موجودة؛ بل وقفت عزة نفسي وكرامتي كالجدار المنيع. نظرتُ إلى حماتي وقلت بصوت واثق ونبرة حاسمة:

> “يا ماما.. كريم مش مغفل، كريم راجل وعارف مصلحته كويس، وعمره ما كان خدام ولا هيكون. أولاد خالتي بشوات بيعرفوا الأصول، وعمرهم ما ذلوا حد، والورث والفلوس دي حقي الشرعي من أمي اللي شقيت وتعبت، ومش مظاهر كدابة زي ما بتقولي. إحنا ما أذيناش حد، وإحنا خارجين من هنا بالمعروف عشان نبدأ حياتنا اللى تليق بينا.. وسفرنا خلاص اتحدد، والشنط دي هتخرج، وكريم هيسافر معايا لأنه شريك حياتي ومش هيسيب مراته ومستقبله عشان خاطر كلام ومقارنات مالهاش لازمة.”

>

احتدت ملامح حماتي وازداد غضبها، وقالت وهي تشير بإصبعها بتهديد: “بقى كدة؟ بتعصي ابني عليا يا بنت بنداري؟ طب وعهد الله لو كريم خطى خطوة واحدة برة البيت ده لا أنا أمه ولا أعرفه، والبيت ده هيقفل بابه في وشكم ليوم الدين!”

صدمت الكلمات كريم، وجعلت الصالة تشتعل بالتوتر؛ فالمواجهة وصلت إلى ذروتها، وحماتي قررت أن تلعب بآخر كروتها وهي “غضب الأم” لتمنع النقلة الكبيرة.. فكيف سيتصرف كريم أمام تهديد أمه العنيف؟ وماذا سأفعل أنا لإنقاذ مستقبلي ومستقبل زوجي من هذه المصيدة الأخيرة التي تدبرها حماتي وسلفتي؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *