زهايمر جدتي ج2 للكاتبة نرمين عادل همام

ج2

يادوب أخدت النفس وحطيت الظرف والمفاتيح في شنطة كتفي، وسمعت صوت فرملة عربية قوية وعالية برة في الشارع هزت المكان. 

الباب اتفتح ودخل خالي عصام البيت زي الطور الهايج وعينه حمرا من الغل، ووراه مراته عبير بتتمطّر ولابسة طقم غالي، ودهب مستفز يضايق ويستفز الحارة كلها.

 أول ما عينه جت عليا وأنا ماسكة ساعة العصفورة الخشب في إيدي، وشه مابقاش فيه صدمة عادية.. وش خالي اتقلب وبان عليه رعب وخوف وفضيحة.

زعق بصوت عالي هز أركان الصالة وخلى أصحاب البيت الجداد يتخضوا من طريقته البجحة: — “إنتي بتهببي إيه هنا يا بت إنتي؟ وإيه اللي جابك هنا في أملاكنا؟”

 عبير مراته اتدخلت وقالت بمنتهى البجاجة وقلة الذوق: 

“احنا لازم نطلب البوليس، البت دي وهما معاها بتهجم على أملاك خاصة وناس غُرب!” بس صاحب البيت الشاب وقف في النص وبكل رجولة وشهامة، وحجز بينهم وبيني وبص لخالي ومراته وقالهم بوضوح وصوت عالي: 

— “البنت دي وجدتها ضيوفي وفي بيتي أنا اللي دافع تمنه كاش، ولو حد هنا هيطلب البوليس على قلة الأدب دي يبقى أنا، اتفضلوا برة!” بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

عين خالي عصام في اللحظة دي راحت واتثبتت على الشنطة بتاعتي اللي شايلاها.. مابصش على أمه المريضة العجوزة اللي رماها، ولا بص في وشي يعاتبني؛ عينيه كانت بتاكل الشنطة وجواها إيه. 

ساعتها فهمت ونورت، وعرفت إن اللي مستخبي جوة صندوق البنك أهم وأغلى بكتير من تمن البيت الكبير اللي باعه وقبض تمنه. وطّى صوته خالص وقرب من خطواتي لدرجة إني شميت ريحة السجاير الكتمة وريحة الغدر في نِفسه الطالع، وقال بفحيح حية: — “وقفي اللعب العيال ده يا دنيا ولمي نفسك.. إنتي لسه صغيرة ومش قدي، وهتخسري كتير.”

هو كان فاكر ومتعود إن التهديد الرخيص ده هيجيب معايا نتيجة وهيخليني أكش وأخاف، لأنه متعود يرهب ويمشي كلامه على الممرضات، والجيران، والكل بالفلوس. 

بس هو ميعرفش إني عشت ليالي مرة مفيهاش مليم واحد في جيبي، ولا كنت بضوق النوم، وكنت بشيل أمه ستي وهي بتعيط وتصرخ الفجر في شقتي الضيقة بطولي ومحدش سائل فينا. واللي اتكسر ودق المر ووقف على رجله تاني.. مابقاش بيخاف من أشكال خالي ولا يتهز من كلامهم.

ليلتها لما رجعنا الشقة، كنت مرعوبة وخايفة؛ حطيت كرسي خشب تقيل ورا كالون الباب وسندته بكل عزمي عشان أأمن نفسي وستي. الساعة جت 3:15 الفجر والدنيا كتمة وضلمة، صحيت فجأة ومفزوعة على صوت كركبة وخبط في أدراج الصالة بره، وحسيت بصوت حد بيزق الباب بكل قوته من برة الشقة وعايز يكسره. 

الكرسي الخشب اللي حطيته عطلهم وعكسهم يادوب 10 ثواني، بس الـ 10 ثواني دول كانوا كفاية أوي عشان أصرخ بأعلى صوت عندي وأصوت في المنور وألم جيران العمارة والشارع كلها علينا، وحفيد الست فوزية جارتنا الطيبة أول ما سمع صريخي طلع يجري على السلم وشايل في إيده شومة كبيرة وجري وراهم على الشارع.

هربوا في الضلمة.. بس سابوا شقتي مقلوبة وعفشي متبهدل على الآخر. فتشوا وخرّبوا في كل حتة في الصالة، قطعوا المخدات بالسكاكين، ورموا علب دواء ستي على الأرض وداسوا عليها. مخدوش الموبايل بتاعي المحطوط، ولا بصوا على الفلوس اللي في المحفظة؛ كانوا بيدوروا وبيموتوا على ورق.. على المفاتيح السحرية.. 

على أي حاجة يقدروا يخرسوا ويدفنوا بيها الحقيقة اللي ستي شالتها وأمنتها معايا.

البوليس جه بعد كذا ساعة، وقعدوا يعملوا محضر ومعاينة ببرود وروتين كالعادة بتاعتهم ومفيش جديد. بس كان فيه ظابطة ست واقفة وبتبص لستي المسكي..نة وللشقة المتبهدلة والكسر بنظرة حزينة وقارية الملعوبة، 

وقربت مني وسألتني أسئلة تانية خالص برة المحضر. طلبت مني بهدوء ورق الوصاية الموثق، وتفاصيل بيع البيت الكبير اللي حكيتها، وبصت في عيني وقالت لي بنصيحة: 

— “يا دنيا.. إنتي مش محتاجة محضر عادي، إنتي محتاجة محامي كبير وشاطر يكون متخصص في قضايا نهب وسرقة أموال كبار السن والعجزة.. وبسرعة قبل ما الورق يختفي.” بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

وهنا بقا.. ومن تدبير ربنا، قابلت الأستاذة إيمان، محامية شاطرة وحوت في القانون، مكتبها بسيط في حارة بس عينيها فيها ذكاء مرعب يقرا اللي تحت الأرض. 

قرأت الورق كله والوصاية، وما بصتليش بـاستخفاف أو كأني ببالغ وتأليف ستات؛ ولما عرفت بتهديد خالي عصام وعمايله بالليل، اتمطعت على الكرسي وقالت لي بابتسامة ثقة وراحة:

 — “الحل والضربة في حتة واحدة.. نفتح الصندوق بتاع البنك الأهلي فوراً الصبح، وقبل ما يلحق يوصل له بأي طريقة أو يرفع قض..ية تجميد.”

بعد يومين بالتمام، كنت واقفة جوة البنك الأهلي تاني، ومعايا الأستاذة إيمان وستي في إيدي، ومعايا المفتاح النحاس والمفتاح التاني اللي طلع من ساعة العصفورة. مدير الفرع أول ما شاف المحاماة والورق، 

دخلنا أوضة خاصة تحت في السرداب؛ مكان مفيش فيه رخام ولا ديكور وزينة، مجرد باب حديد مصفح وكبير وإضاءة لمض فلورسنت ساقعة ترعش الجسم. لما الموظف حط المفاتيح والصندوق الحديد اتفتح قدام عيوننا، أول حاجة عيني شفتها ولمحتها مكنتش رزم فلوس خضرا ولا دهب.. كان ورق ومستندات بالكوم.

رزم ورق كتير، كل حزمة مربوطة بـأستك وعليها تيكيت مكتوب بالتاريخ. وفيه كيس قطيفة مخمل صغير فيه خاتم جواز ستي القديم، وظرف أبيض كبير مكتوب عليه بخط واضح لـ دنيا..

 لو مابقتش أقدر أتكلم، وفلاشة كمبيوتر USB متلزقة بـشريط لحام على ملف كرتون كبير، وصور عقود بيع وأملاك متوثقة في الشهر العقاري، وكشوفات حسابات قديمة، وكتاب حسابات وجدول قديم جدي الله يرحمه كان بيكتبه ويسجله بخط إيده والقرش اللي يدخل واللي يخرج. المحامية إيمان أول ما شافت الفرشة دي،

 أخدت نِفس طويل أوي مكتوم، النِفس والصمت اللي المحاميين الكبار بياخدوه لما القض..ية في ثانية تتحول من قض..ية عادية لـقنبلة ومصيبة هتطربق فوق دماغ الكل.

إيدي كانت بترتعش وبتهتز وأنا بفتح الظرف الأبيض وبطلع الجواب. خط ستي كان مهزوز بس الكلام كان واضح وقاري الغدر: «يا بنتي ودنيا حبيبة قلبي.. لو إنتي بتقرأي السطور دي دلوقتي، يبقى هما عملوا ونفذوا اللي كنت خايفة منه طول عمري وعملوا الملعوبة. قالوا عليا في وسط الحارة والناس إنني كبرت وبنسى وجالي زهايمر، 

بس أنا مانسيتش مين فيهم اللي طماع وعينه فارغة.. مانسيتش ومسحتش مين اللي بص لبيتي وشقا عمري كأنه حتة لحمة حمرا عايز ينهشها ويسرقها من ورايا».

جسمي قشعر وأنا بقلب في الجواب اللي كان واصل 6 صفحات كاملين. ستي حكت فيه بالتفصيل إن بعد وفاة جدي الله يرحمه، عصام خالي بدأ يفتش ويسأل في الدواليب عن العقود، والتأمينات، 

وأي ورق ملكية يقدر يحوله لأرقام وفلوس في جيبه. ولما وقفت في وشه ورفضت تديله حاجة، بدأ يمثل الحنية والدلع هو ومراته عبير، ويجيبوا لها أكل وهدايا لحد ما خلوها تشك في عقلها ونفسها وإنها بتنسى فعلاً. 

ولما بدأ التعب والنسيان يتمكن من صحتها بجد بسبب كبر السن، استغلوا المرض ده كسلا..ح وذريعة ضدها؛ بقوا يدوها أدوية غلط ومنومة بتهد الأعصاب وتغيب الدماغ، وعزلوها في الأوضة، وغيروا الدكاترة الأمانة بتوعها وجابوا دكاترة من تبعهم، وشهدوا وصاحوا قدام القرايب والجيران إن الست خلاص خرفت وضاعت ومبقتش واعية لتصرفاتها عشان يثبتوا البيع! 

 

حسيت بـقرف واشمئزاز وأنا بقرأ الجزء اللي جاي في الصفحات.. فلوس بيع البيت الكبير ماراحتش لعلاج، ولا دكاترة، ولا ممرضات، ولا حفاضات زي ما عصام خالي ادعى قدامي ورمى الظرف في وشي. 

الورق والمستندات البنكية اللي جوة الصندوق أثبتت بالملي إن الفلوس كاملة اتحولت مباشرة لحساب شركة تجارية وهمية باسم مراته عبير، والشركة دي مأسساها وعاملاها من 8 شهور بس بالملي، وصرفوا الفلوس دي كلها على حجوزات فنادق غالية، وتذاكر طيران برا البلد، ومقدم شقة شاليه فاخر في الساحل الشمالي! كانوا بياخدوا شقا ووجع ومرض ستي ويصرفوه على الفسح والمصايف والبرستيج الكداب.

والحاجة الكبيرة والسر القاتل اللي خالي عصام كان مرعوب وخايف منه بجد، ومستعد يهد الشقة فوق دماغي بسببه، ظهر وطلع في قاع الصندوق الحديد.. 

عقد ملكية مسجل لعمارة مبنية صغيرة كاملة في منطقة المنيل في القاهرة، جدي كان شاريها وبانيها من زمان ومخبي ورقها بعيد تماماً عن البيت الكبير؛ لأن جدي كان عارف ومستشعر إن عصام ابنه إيده طويلة وعينه فارغة من صغره وميجوزش عليه الأمان. العمارة دي محطوطة في بند أمانة ووقف رسمي ؛ تروح وتدخل أرباحها وإيجاراتها الشهرية بالكامل لحساب ستي وعلاجها طول ما هي عايشة وبتتنفس في الدنيا، 

وبعد وفاتها وانتقالها لرحمة ربنا، ملكية العمارة دي وإيجاراتها تروح وتتنقل بالكامل للشخص البار اللي يشيل رعايتها بجد، ويصونها، ويخدمها في بيته ومن غير ما يطلب مليم ومقابل.

الأستاذة إيمان المحامية قرأت الجملة والبند ده مرتين ورا بعض، ورفعت راسها وبصت لي بذهول صدمة وقالت: 

— “الله يرحمه جدك.. ده كان قاري ومفتح، وكان عارف وشايف المستقبل بالملي وبيحمي مراته وشيبتها من مين بالظبط ومن جشع ابنه!”

فتحنا الفلاشة على الكمبيوتر.. 

 

وفجأة افتكرت اللغز: 

سبعة.. تلاتة.. واحد.. تسعة. حطيت الرقم بالترتيب ده، وفجأة الفلاشة فتحت وجمعت الحقيقة. كان عليها تسجيلات صوت وفيديو مكنش حد يتخيلها؛ أول تسجيل كان دوشة معالق في مطبخ، وبعدين صوت عبير مراته واضح وصريح وهي بتشتكي وتزن في ودنه إن ستي بدأت تسأل على مفتاح صندوق البنك وتدور عليه، وإنهم لازم يخلصوا بيعة البيت الكبير بسرعة أوي قبل ما الولية تفوق من توهتها وتخرب كل حاجة فوق دماغهم.

 

وفي تسجيل تاني، خالي عصام كان صوته طالع وهو بيضحك بـشماتة وبيقول لمراته:

— “أنا بس هاخد منها إمضاء وبصمة كمان على ورق التنازل، وبعدين هرميها في أي حتة تاهت فيها، وأخلي البت دنيا حفيدتها المفضلة دي تشيل شيلتها وتعمل فيها ست الشيخة الصالحة، بلاش قرف وعطّلة!”

 

جسمي كله سقع وتلج من كتر القرف والندالة؛ الحكاية مكنتش مجرد طمع في قرشين

، دي كانت مؤامرة وسخة ومترتبة على نار هادية. 

 وأصعب وألعن تسجيل في الفلاشة دي كلها مكنش بيكمل دقيقة على بعضها؛ 48 ثانية بالظبط بس هدموا قلبي. ستي كان صوتها طالع فيه ضعيف ورايح خالص، باين عليها مرعوبة وتعبانة وتايهة، وكانت بتسأل عصام بقلة حيلة ليه ورق المحامي والبيع ده مش زي الكلام اللي قالهولها وطمنها بيه إمبارح؟ رد عليها خالي بصوت حنون، بس حنية شياطين تخدع، وقال لها بـناشف وبغضب مكتوم تبطل تمثيل وخرف وتوقع علطول، وإلا هيرميها في حتة مقطوعة ومحدش بيزورها ولا حد هيفتكر فيها اسمها. حتى الأستاذة إيمان المحامية، اللي شافت بلاوي وقضايا تشيب في شغلها والمحاكم، غمضت عينيها بقرف واشمئزاز أول ما التسجيل ده خلص.

في اللحظة دي بالذات، ولأول مرة من ساعة ما رموا ستي قدام باب شقتي الصبح، حسيت بحاجة أكبر وأقوى من التعب والهم والمصاريف؛ حسيت بـغضب جارف بيحرق الخوف من جذوره جوايا، ومخلي قدامي في الدنيا دي هدف واحد بس ومفيش غيره: إني أرجع حق الست دي وأكسر عينهم بالورق.

 

الأستاذة إيمان المحامية أول ما شافت المستندات والتسجيلات، اتحركت علطول وزي الطلقة في المحاكم. قدمت بلاغ نصب رسمي، وطلب مستعجل لتجميد كل مليم وقرش طلع واتحول من بيعة البيت الكبير، وطلبت تدخل وإحالة الموضوع لمباحث الأموال العامة، اللي اهتموا جداً بالموضوع وقلبوا الدنيا أول ما شافوا كشوفات الحساب ومصاريف الفسح في الساحل، وفنادق الخمس نجوم اللي مرصوصة ومصروفة بالمليم جنب كذباتهم وادعاءاتهم بمصاريف علاج ستي والحفاضات والدكاترة. 

حتى الناس الشاريين الجداد اللي اشتروا البيت، لما جم المحكمة وشافوا وسمعوا التسجيلات دي بصوت عصام، انصدموا ووشهم جاب ألوان ووافقوا فوراً يتعاونوا معانا ويشهدوا باللي حصل؛ هما أصلاً كان عندهم شك وريبة إن عصام ملقّب ووراه إنّ، بس مكنوش يتخيلوا أبداً إنهم بيشتروا بيت بالإكراه والغصب من ست عجوزة ومريضة.

 

عصام خالي رد بالطريقة الوحيدة اللي الأندال والردادين بيعرفوها لما يتمسكوا متلبسين بالفضيحة؛ الردح العلني وقلة القيمة. بدأ ينزل بوستات وتلقيح على الفيسبوك عن الأقارب وعن صلة الرحم اللي مابيطمرش فيهم العيش والملح، وعن ناس ولقام بيستغلوا ست مريضة وكبيرة في السن وعايزين يسرقوها وياخدوا ورثها. 

وعبير مراته بدأت تكلم خالاتي والقرايب البعيد في التليفون وهي بتعيط وتشهق وتقول بتمثيل قد إيه هما تعبوا وشقوا في رعاية الست، وإن البت دنيا دي طول عمرها بتغير منهم ومن شياكتهم وبتحقد على فلوسهم وعايزة تلم القرشين.

 تليفوني وموبايلي بقاله يومين مابيبطلش رن وزن من أرقام غريبة معرفهاش، وناس داخلة تبدي رأيها وتفتي في حاجة ميفهموش فيها ولا يعرفوا أصلها.

لحد ما جتني رسالة على الواتساب غيرت وشقلبت كل حاجة وجابت ديلهم الأرض؛ الرسالة كانت من ممرضة قديمة كانت قاعدة معاهم في البيت وبتخدم ستي اسمها لوزة. 

لوزة كتبت لي إنها سابت الشغل ومشيت وطردوها بعد ما عبير مراته طلبت منها بـإجبار وتغيير في دفتر الدواء والمواعيد، وأمرتها متكتبش أبداً ولا تسجل الأيام والساعات اللي ستي بتبقى فيها فايقة ومركّزة عشان يثبتوا عجزها. لوزة كانت لسه شايلا معاها على تليفونها صور للروشتات الأصلية، ورسايل واتساب من خالي عصام بنفسه بيأمرها ويهددها متجيبش سيرة البنك، ولا صندوق الأمانات، ولا المفاتيح قدام أي حد يخطب رجل في البيت. ولما قابلتها في محل كشري صغير جنب المحكمة عشان أخد منها الحاجه، كانت إيدها بترتعش من الخوف أكتر من إيدي.

بصت لي وقالت بدموع وحرقة:

— “أنا كنت فاكرة يا دنيا إني لما أمشي وأسيب البيت بحمي نفسي وببعد عن المشاكل، بس والله العظيم ضميري واجعني ومابذوقش النوم من يومها لما شفتهم بيرموها على بابك.”

يوم أول جلسة في المحكمة، القض..ية مابقتش مجرد خناقة عائلية تافهة على ورث؛ دي بقت قض..ية عصابة منظمة ولابسة لبس غالي وبراندات. القاعة كانت ضيقة وخنقة على كمية الغدر والغل اللي فيها. خالي عصام وصل الجلسة وهو لابس بدلة شيك ومكوية، وعامل فيها الابن البار المكسور الحزين على أمه، 

وعبير مراته قاعدة جمبه وبتمسح عينيها بمنديل ورق بـتمثيل وهي بتهرب بعينها وبتتجنب تبص في وش ستي تماماً. أنا قعدت جنب الأستاذة إيمان، وإيدي في إيد ستي ومتبتة فيها، وحسيت بـصوابع ستي بترتعش وتشد عليا أول ما عصام اتنحنح ووقف عشان يتكلم قدام القاضي. 

 

المحامي بتاعهم وقف وحاول يلعب اللعبة القديمة البايخة، وقعد يقول إن الست دي مخرفة ومريضة زهايمر وكلامها ملوش أي قيمة قانونية.. وإن عصام ابنها كان بيعمل كل ده لمصلحتها وخايف عليها.. 

والبيع كان ضروري عشان يسدد ديون علاجها. هنا قامت الأستاذة إيمان المحامية من مكانها، وبمنتهى الهدوء المرعب والثقة، بدأت ترص وتفرش الحقائق والمستندات فوق بعض قدام المستشار؛ جابت تحويلات البنك بالمليم، وعقود شركات عبير الوهمية اللي اتعملت فجأة، وتهديدات عصام وصوته اللي في تسجيل الفلاشة وسعره، 

وشهادة الممرضة لوزة بالصور، والدليل القاطع والقاتل إن التوكيل اللي عصام استخدمه وباع بيه البيت كان ملغي ورسمي قبل البيعة بشهور كاملة! القاضي كان بيسمع وبيدقق في صمت تام، بس ضغطة سنانه وقفل حواجبه كانت بتبين إنه فاهم الملعوبة واللعبة الخبيثة كويس أوي. وأول ما صوت خالي عصام رن في القاعة في التسجيل 

 

وهو بيهدد ستي ويرعبها بـالمصحة، عبير مراته اتخضت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة، وعصام نزل عينه في الأرض ومبقاش عارف يودي وشه فين من الفضيحة.

بعدها علطول، أصحاب البيت الجداد وقفوا وشهدوا بالحق وبكل كلمة قالها عصام ليهم، وهنا عصام وعبير شكلهم بدأ يفرول ويتهد، وبان على وشهم الرعب الصافي. وفي اللحظة دي بالذات، إيمان المحامية طلعت من شنطتها كتاب الحسابات والدفتر القديم بتاع جدي! وبدأت تقرأ قدام القاضي سطر سطر الفلوس اللي كانت المفروض تبقى في حساب ستي وتصرف منها، 

والفلوس اللي استلمتها فعلاً، والفرق المرعب والنهيبة اللي عصام وعبير كانوا بيلهفوه وبيسرقوه بقالهم سنين من وراها.. معاش جدي المظبوط، إيجارات المحلات القديمة، وحتى فواتير وأثمان أدوية مكنوش بيشتروها أصلاً وبيستخسروها فيها! مكنتش سرقة واحدة دي كانت عملية نحت وسرقة منظمة في مال الولية العجوزة بقالهم سنين طويلة….يتبع للجزء الاخير

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *