ج الاخير حكاية ليلى وكريم ل صابرين محمد
الجزء الاخير
خرجت ليلى من المستشفى وهي لسه حاسة بصدى صرخة ابنها بترن في ودانها وكل ما تفتكر إنها مدت إيديها ناحيته واتسحب منها قبل حتى ما تشوف ملامحه، كانت بتحس إن حد بينزع قلبها من صدرها من أول وجديد، فضلت يومين بتحاول تقنع نفسها إن اللي حصل كان اتفاق وهي وافقت عليه بإرادتها وإن خلاص مفيش حق ليها تطلب أي حاجة، لكن قلبها كان أقوى من كل البنود وأقوى من كل التوقيعات ولما مقدرتش تستحمل أكتر من كده راحت بنفسها لمكتب المستشار عادل السيوفي.
أول ما شافها وهي داخلة، فهم من ملامحها إنها جاية تطلب نفس الطلب اللي كان متوقعه، فوقف من مكانه وقال بهدوء:
اتفضلي يا مدام ليلى.
قعدت قدامه وهي قابضة على شنطتها بإيديها الاتنين وسكتت شوية قبل ما تقول بصوت مهزوز:
أنا مش جاية أطالب بحاجة ولا عايزة أرجع في الاتفاق أنا بس لو من بعيد دقيقة واحدة أشوفه والله بعدها همشي ومش هرجع تاني.
تنهد الرجل في هدوء وفتح الملف اللي قدامه كأنه بيهرب بعينيه من نظرتها وبعدها قال بصوت عملي حاول يخفي بيه تعاطفه:
للأسف مينفعش العقد انتهى بمجرد الولادة والأستاذ كريم أكد قبل سفره إنه مش عايز يبقى فيه أي تواصل بعد كده بينك وبين الطفل.
رفعت عينيها له بسرعة وكأنها مستوعبتش اللي سمعته.
هو هو بنفسه قال كده؟
هز رأسه في هدوء.
ده طلبه الصريح.
نزلت دمعة من غير ما تحس ومسحتها بسرعة وهي بتحاول تبتسم ابتسامة باهتة وقالت بصوت مكسور:
خلاص حقه هو ابنه.
وقفت بهدوء وشكرته وخرجت من المكتب وهي ماشية من غير ما تشوف الطريق قدامها، كانت حاسة إن الباب اللي اتقفل وراها مش باب مكتب، ده باب آخر أمل كان لسه متعلق جواه قلبها.
وفي نفس اليوم، كان كريم بيستعد للسفر وقف قدام والدته وهو يبصلها بامتنان ويقول:
أنا سايب أغلى حاجة عندي أمانة معاكي أول ما العلاج يخلص هرجعله على طول.
ابتسمت الأم وربتت على كتفه وهي بتقول بثقة:
اطمن طول ما أنا عايشة محدش هيقربله.
ابتسم لها لأول مرة من شهور وسافر وهو مطمن إن ابنه في أيد أمينة
وبعد أيام وهو في الخارج، اتصل بيها يطمن، أول سؤال خرج منه كان:
ابني عامل إيه؟
سكتت لحظة وكأنها مترددة تقول اللي عندها وبعدين قالت وهي بتتنهد:
في حاجة لازم تعرفها يمكن تضايقك.
اتقبض قلبه.
خير؟
قالت بحزن:
البنت أول ما استلمت فلوسها، رفضت ترضعه ولا حتى بصت في وشه
فضل ساكت.
فكملت وهي كأنها لسه مصدومة من اللي حصل:
أنا حاولت معاها قلتلها شوفيه حتى مرة، ده فضل في بطنك تسع شهور، لكنها قالتلي إنها عملت اللي عليها وإن اللي يهمها إن الفلوس تكون وصلت وإنها مش عايزة تشوفه ولا تعرف عنه أي حاجة بعد كده.
قفل كريم عينيه للحظة وحس بحاجة بتنكسر جواه، كان فاكر إنها على الأقل هتودعه بنظرة، أو تسأل عليه سؤال، لكن الصورة اللي رسمتها أمه عنها كانت مختلفة تمامًا، صورة واحدة ست دخلت حياته من أجل المال وخرجت بمجرد ما قبضته ولأنه عمره ما اتعود يشك في كلمة والدته، صدقها من غير ما يسأل.
وقال بهدوء وهو بينهي المكالمة:
يبقى أحسن كل واحد يكمل حياته.
أما ليلى، فكانت بتحاول تبدأ فعلًا حياة جديدة، لكن الحياة كان كل يوم فيها بيفكرها بالطفل اللي خرج من حضنها قبل ما يدخله وكل ما تسمع صوت طفل صغير تلف حواليها من غير إرادة وكل ما تشوف أم شايلة ابنها تحس بإيديها فاضيين بشكل يوجع، ثم جاء الوجع الأكبر، حين رحلت أمها بعد شهور قليلة ورحلت وهي تظن أن ابنتها وجدت العمل الذي كانت تحلم به ووقفت ليلى بعد انتهاء العزاء في البيت الخالي، لا أم تناديها ولا طفل يملأ الصمت ولا أحد ينتظر عودتها، فقررت أن تدفن كل ما مضى وتبحث عن وظيفة تعيش منها.
وبعد سنوات، قبلت في واحدة من أكبر شركات القاهرة ولم يخطر ببالها ولو للحظة أن صاحب هذه الشركة هو نفسه الرجل الذي أخذ ابنه منها قبل خمس سنوات ومرت أيامها هادئة إلى أن دخل مدير الإدارة صباح أحد الأيام وهو يقول بابتسامة:
استعدوا يا جماعة الأستاذ كريم رجع من رحلة العلاج وبعد شوية هيعمل أول اجتماع مع كل الموظفين.
مكانش الاسم عمل فيها أي حاجة، لأنها كانت فاكرة إنها مستحيل تقابله تاني طول عمرها، فقعدت في آخر القاعة وفتحت النوتة قدامها، لكن أول ما الباب اتفتح ورفع كريم عينيه ناحية الحاضرين، توقفت خطواته فجأة واتجمدت هي في مكانها، اتعرفوا على بعض من أول نظرة، لكن الفرق إن ليلى كانت عينيها مليانة ذهول.
أما كريم فكان بيبصلها بزدراء شديد، كأن السنين الخمسة اللي فاتوا اختصروا كل صورتها عنده في لحظة واحدة، الست اللي وافقت تحمل ابنه مقابل مبلغ كبير وبمجرد ما استلمت حقها أدارت للطفل ضهرها ومشيت من غير حتى ما تبص عليه، على الأقل
أما ليلى، فما إن وقعت عيناها عليه حتى رجعت بيها الذاكرة لليوم اللي خرجت فيه من مكتب المحامي وهي بتسمع جملته القاسية: الأستاذ كريم مش عايز أي تواصل بينك وبين الطفل. ومن يومها وهي مقتنعة إن الراجل اللي واقف قدامها دلوقتي هو بنفسه اللي قرر يحرمها حتى من نظرة واحدة لابنها وإنه بالنسبة له كانت مجرد رحم استأجره وانتهى دوره.
ومن اللحظة دي، بقى كل واحد فيهم شايل صورة مشوهة عن التاني وهو مقتنع إنها باعت ابنها عشان الفلوس وهي مقتنعة إنه اشترى أمومة كاملة بعقد جواز وورقة ولما أخد اللي عايزه رماها بره حياته من غير حتى كلمة شكر.
ورغم الصدمة، اتكمل الاجتماع كأن شيئًا لم يحدث وكريم استعاد بروده بسرعة وبدأ يتكلم عن خطط الشركة وتطوير الإدارات، لكن عينيه كانت بترجع لها بين كل دقيقة والتانية، أما هي فكانت بتخفض رأسها في الورق قدامها، مش قادرة ترفع عينيها ناحيته ولا ثانية.
وبعد انتهاء الاجتماع وقبل ما الكل يخرج، قال بصوته الهادئ اللي مكنش بيظهر اللي جواه:
الآنسة ليلى تعالي هنا بعد إذنك.
وقفت مكانها وهي حاسة إن الأرض بتميد بيها وانتظرت لحد ما آخر موظف خرج من القاعة وبعدين قربت من المكتب وهي بتقول باقتضاب:
أفندم.
قفل الملف اللي قدامه وبصلها النظرة نفسها اللي استفزتها من أول ما دخل وقال:
من النهارده هتشتغلي في مكتبي مباشرة.
رفعت عينيها باستغراب.
لكن أنا تبع إدارة الحسابات.
دلوقتي بقيتي تبعي أنا.
قالها بنبرة مفيهاش أي مساحة للنقاش وكأنه أصدر قرارًا إداريًا مش قابل للاعتراض.
خرجت من عنده وهي بتضغط على أسنانها من الغيظ وقالت لنفسها: واضح إنه مش اكتفى إنه حرمني من ابني ده ناوي يكمل اللي بدأه.
أما كريم، فكان واقف قدام الواجهة الزجاجية لمكتبه، بيتابعها وهي ماشية في الممر وهو بيحاول يقنع نفسه إن نقلها عنده سببه الشغل وبس، لكن الحقيقة كانت مختلفة هو كان عايز يشوفها كل يوم، يسمعها، يراقبها، يمكن يلاقي فيها أي دليل يؤكد إنها فعلًا الست الجشعة اللي رسمها ليها في خياله
ومن يومها، بقت ليلى تشتغل تحت إدارته مباشرة، لكنه كان بيتعامل معاها بمنتهى القسوة، يدقق في أصغر تفصيلة في شغلها ويرجع لها التقارير لأسباب تافهة ويطلب منها تعيد الملف مرة واتنين وعشرة ولو غلطت غلطة بسيطة يسمعها كلامًا جارحًا قدام زمايلها وكأنه مستني منها أي هفوة عشان يثبت لنفسه إنها فعلًا الإنسانة اللي احتقرها طول السنين دي.
أما ليلى، فكانت كل مرة تبصله فيها تحس إن جرحها بيتفتح من جديد وكانت بتقول لنفسها وهي بتحاول تبلع إهانته: إنت اللي حرمتني من ابني كان بإيدك تخليني أشوفه دقيقة واحدة، لكنك اخترت تمنعني حتى من دي. ومع إنها كانت بتكرهه من قلبها، إلا إنها كانت مضطرة تستحمل، لأنها كانت محتاجة الشغل أكتر من أي وقت فات.
لكن الأيام ابتدت تعمل اللي ماقدرتش السنين تعمله.
كان كريم كل شوية يلمح حاجة تهد الصورة اللي أمه رسمتهاله عنها.
يشوفها واقفة في الممر تتابع طفل واحدة من الموظفات بعينيها لحد ما يختفي ونظرتها تبقى مليانة حنين غريب ميشبهش نظرة واحدة باعت طفلها بإرادتها.
وفي مرة وهو بيدور على ملف في الأرشيف، سمع صوت بكاء خافت ولما قرب من الباب لقاها قاعدة لوحدها، ماسكة فانلة أطفال صغيرة كانت جايباها هدية لابن زميلتها وبتضمها لصدرها وهي بتحاول تمنع دموعها ولأول مرة حس إن الوجع اللي في عينيها مستحيل يكون تمثيل.
وبعدها بأيام، عرف بالصدفة إنها متبرعة بجزء ثابت من مرتبها كل شهر للمستشفى اللي كانت والدتها بتتعالج فيها ولما المدير المالي عرض عليها مكافأة كبيرة بعد نجاح أحد المشروعات، رفضتها بهدوء وقالت إنها بتعمل شغلها وبس.
وقف ساعتها يسأل نفسه لأول مرة
هي دي فعلًا الست اللي باعت طفلها عشان الفلوس؟
وكان كل ما يشوف منها موقف جديد، الشك يكبر جواه، لكنه كان يهزه بعنف ويرجع يقول لنفسه إن أمه مستحيل تكون كدبت عليه.
لحد اليوم اللي قلب كل حاجة.
كان بيدور مع المستشار عادل السيوفي في ملفات قديمة تخص العقد، فوقعت من بين الأوراق ورقة صغيرة مطوية.
فتحها من باب الفضول
ولقى بخط إيد ليلى:
لو سمحتوا حتى لو مرة واحدة في السنة طمنوني إنه بخير وأنا أوعدكم مش هطلب أشوفه.
فضل باصص للورقة ثواني طويلة، قبل ما يرفع عينه للمحامي ويسأله بصوت متوتر:
إيه ده؟
تنهد المستشار وقال:
دي الورقة اللي سابتها يوم الولادة كانت كل أمنيتها تعرف إنه بخير.
اتجمد كريم مكانه.
يعني هي ما طلبتش فلوس زيادة؟
بصله المحامي باستغراب.
فلوس إيه؟ الآنسة ليلى عمرها ما طلبت جنيه زيادة كل اللي طلبته إنها تشوف الطفل أو تطمن عليه، لكن حضرتك كنت مسافر وطلبك كان واضح إن ميبقاش فيه أي تواصل.
حس كريم إن الأرض بتتحرك من تحته.
خرج من عند المحامي وراح لأمه في نفس اليوم واجهها بكل اللي عرفه، لكنها فضلت تلف وتدور وتغير كلامها وتحاول تقنعه إنها عملت كده لمصلحته وكل إجابة كانت بتقولها كانت بتزود شكه أكتر.
ولما خرج من عندها، كان خلاص أخد قراره.
لازم يسمع الحقيقة من ليلى نفسها.
وفي مساء اليوم التالي وقف قدام باب شقتها وماكانش لوحده
كان ماسك إيد ابنه
رن الجرس.
فتحت ليلى الباب بهدوء، لكن أول ما وقعت عينيها على الصغير، اتجمدت مكانها وشحب وشها وبقت تبصله كأن الزمن رجع بيها خمس سنين في ثانية واحدة.
الطفل بصلها باستغراب وبعدها رفع عينه لأبوه وسأله بصوت بريء:
هي دي مين؟
فضلت تبص للولد من غير ما ترمش، كأنها بتحاول تحفظ كل تفصيلة في وشه اللي اتحرمت منه خمس سنين كاملين وبعدين نزلت على ركبتيها من غير ما تحس وانفجرت في البكاء وهي حاطة إيديها على وشها، مش قادرة تستوعب إن ابنها اللي كانت بتدعي تشوفه ولو من بعيد واقف دلوقتي قدام باب بيتها.
أما الطفل، فبص لأبوه باستغراب وبعدين رجع يبصلها تاني، لأنه كان أول مرة يشوف حد يعيط لمجرد إنه شافه.
لكن كريم مقدرش حاول ميتأثرس بالمشهد، فقال بصوت جامد وهو واقف مكانه:
أنا جاي أسألك سؤال واحد وإجابته هتحدد كل حاجة.
رفعت ليلى عينيها الحمرا من كتر البكا وبصت له من غير ما تتكلم.
قال وهو بيضغط على كل كلمة:
ليه عملتي كده؟
سكتت لحظة.
إيه اللي عملته؟
أمي قالت إنك أول ما خدتي الفلوس رفضتي حتى تبصي للولد وإنك قولتي إنك مش عايزة تعرفي عنه أي حاجة تاني.
فضلت تبصله ثواني وكأنها مش مستوعبة اللي سمعته.
وبعدين ضحكت ضحكة قصيرة، كلها وجع.
وقالت بصوت مبحوح:
أنا؟ أنا اللي قلت كده؟
هز راسه.
قالت وهي بتحاول توقف دموعها:
أنا بعد الولادة روحت للمحامي بنفسي واترجيته يخليني أشوفه دقيقة واحدة والله قلتله من بعيد حتى من ورا إزاز ورفض.
وبعدين بصت في عينه لأول مرة وقالت:
وقاللي إنك إنت اللي طلبت كده وإنك مش عايز يبقى بيني وبين الطفل أي علاقة.
اتغيرت ملامح كريم فجأة.
أنا؟ انا فعلا قولت كده بس بعدين. لما اخدتي الفلوس ومشيتي وقولتي مش عايزه تشوفي وشه.
ومن يومها وأنا بكرهك كنت فاكرة إنك حرمتني من نظرة واحدة ليه
ساد صمت تقيل.
كل واحد فيهم كان بيكتشف إن الحقيقة اللي عاش بيها خمس سنين كانت كذبة.
قطع الصمت صوت كريم وهو بيقول بصعوبة:
أنا ماكنتش أعرف إنك طلبتي تشوفيه.
مسحت دموعها وقالت بمرارة:
وأنا ماكنتش أعرف إنك عمرك ما قولت الكلام ده.
خرج كريم من عندها وهو مش قادر يجمع أفكاره واتجه مباشرة إلى مكتب المستشار عادل السيوفي.
أول ما دخل، حط الورقة اللي لقاها قدامه وقال:
أنا عايز الحقيقة كلها من أول يوم.
تنهد المحامي طويلًا وبعدها قال:
في حاجة حضرتك ماكنتش تعرفها.
رفع كريم عينه.
الآنسة ليلى يوم ما وافقت على العقد ماكنتش بتدور على فلوس ولا على رفاهية كانت بتحاول تنقذ والدتها وكانت محتاجة المبلغ عشان علاجها.
شحب وجه كريم.
ليه مقولتليش الكلام ده
لأنك ما سألتش أصلًا وهي كمان طلبت مني وقتها ماقولكش سبب موافقتها وقالت إن ده من خصوصياتها.
فضل كريم ساكت.
وكل كلمة كان بيسمعها كانت بتهد صورة قديمة عاش مصدّقها سنين.
خرج كريم من عند مكتب المحامي وهو حاسس إن الأرض بتميد بيه. طول الطريق كان بيسوق من غير ما يحس هو رايح فين وكل كلمة سمعها كانت بتتردد في ودنه: هي عمرها ما طلبت فلوس زيادة كل اللي طلبته إنها تشوف ابنها.
أول ما دخل الفيلا، لقى أمه قاعدة في الصالون.
وقف قدامها وقال من غير مقدمات:
ليه؟
رفعت عينيها باستغراب.
إيه اللي ليه؟
رمى قدامها الورقة اللي كانت ليلى كاتباها للمحامي.
ليه قولتيلي إنها رفضت تشوفه؟ وليه قولتلها إني أنا اللي منعتها؟
سكتت شوية ولأول مرة ملاقِتش كدبة جديدة تقولها.
وبعدين نزلت راسها وقالت بهدوء:
كنت خايفة.
خايفة من إيه؟
تتعلق بيها أو تتعلق هي بيكم وساعتها كنت هخسركم أنتم الاتنين.
فضل يبصلها في صدمة. فكملت: قلت لنفسي الاحسن كل واحد يفتكر إن التاني هو اللي رفضه والأيام كفيلة تنسي.
قاطعها بصوت مليان وجع: إنتِ ضيعتي خمس سنين من عمرنا.
وسابها ومشي.
ومن اليوم ده بقى كريم ياخد ياسين كل كام يوم عند ليلى.
في الأول، الطفل كان مكسوف.
وبعدها بأسبوع بقى يجري عليها أول ما يشوفها.
وبعد شهر بقى يرفض يرجع البيت قبل ما تحضنه.
أما ليلى، فكانت بتعيش كل لحظة كأنها بتعوض خمس سنين ضاعوا منها.
تعلمه ياكل. تحكيله حكايات قبل ما يمشي.
وتفضل طول الليل تبص على الصور اللي بتاخدها معاه.
أما كريم فكان بيقف بعيد يتفرج عليهم.
كل مرة يشوف ضحكة ياسين وهو في حضنها، يحس بوخزة جوه قلبه.
وفي يوم وقف قدامها وقال بصوت هادي:
أنا آسف.
بصتله من غير كلام.
صدقت كدبة وظلمتك سنين.
سكتت ثواني وقالت بهدوء:
اللي راح مستحيل يرجع.
هز راسه.
عارف بس هفضل أحاول أصلحه.
ومع الأيام الكلام بينهم بقى أسهل. والحدة اختفت.
وبدأ بينهم احترام وبعده ارتياح هادي، من غير ما حد فيهم يعترف بحاجة أكتر.
لكن في مكان تاني كانت أم كريم بتراقب كل حاجة. كل زيارة كانت بتحس إنها بتخسر حفيدها أكتر. ولما شافته في يوم بيجري على ليلى وهو بيقول:
ماما
عرفت إن اللعبة خرجت من إيدها.
وفي مساء اليوم نفسه دخلت بيت ليلى من غير استئذان.
وقفت قدامهم وبصت لكريم وبعدين لليلى وقالت بصوت حاسم:
أنا مش هسمح بده يحصل.
سكتوا كلهم. فكملت وهي بتبص على حفيدها:
الولد ده هيفضل معايا ولو اضطريت أخسر ابني نفسه مستحيل أسيبه ليها.
وساد الصمت لكن كريم كسر الصمت لأول مرة وبص لأمه بثبات وقال:
“المرة دي… أنا هقف ضدك.”
شهقت وهي تحدق فيه، وكأنها لم تستوعب ما سمعته.
“بتقول إيه يا كريم؟”
أجابها بثبات:
“هقف ضدك… علشان الحق.”
حاولت تتمسك بأي مبرر، وقالت بصوت مهزوز:
“أنا عملت كل ده علشان أحافظ على ابني.”
هز رأسه بأسى.
“لأ… إنتِ عملتيه علشان تحافظي على نفسك. كنتِ خايفة يبقى لياسين أم، وخايفة أنا أتعلق بيها، فخليتِ كل واحد فينا يصدق إن التاني هو اللي رفضه.”
ثم أضاف، وصوته يختنق بالألم:
“عارفة أصعب حاجة؟ إنك سرقتِ مننا خمس سنين… خمس سنين وأنا بحتقر إنسانة بريئة، وهي عايشة فاكرة إني حرمتها من ابنها بإرادتي.”
لم تجد ما تقوله.
اكتفت بالدموع.
أما كريم، فالتفت ونادى:
“يلا يا بطل.”
أسرع ياسين إليه، أمسك يده، وغادرا الفيلا.
ولأول مرة، أُغلق الباب الكبير خلف كريم، وهو يشعر أنه أغلق وراءه عمرًا كاملًا من الأوهام.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد يمنع ياسين من زيارة ليلى.
في الأول، كان الطفل بيقف بعيد ويبصلها بكسوف، وهي كانت بتحاول بكل قوتها تمنع نفسها إنها تاخده في حضنها علشان ما توترهوش.
بس الأطفال مش بياخدوا وقت طويل عشان يعرفوا مين بيحبهم بجد.
ومع كل زيارة، المسافة اللي بينهم كانت بتصغر شوية بشوية، لحد ما جه يوم وهو بيلعب اتكعبل ووقع، فقام جري عليها وهو بيعيط من غير ما يفكر، وصرخ وهو بيقول:
“ماما.”
الوقت كله وقف حواليها.
حضنت وشه لصدرها وهي بتبكي، كأن قلبها في اللحظة دي رجع له خمس سنين كانوا ضايعين منه.
أما كريم، فكان واقف بيتفرج عليهم في هدوء، ولأول مرة فهم إن الأمومة عمرها ما كانت ورقة ولا عقد ولا توقيع… الأمومة هي الحضن اللي الطفل رجع ليه بنفسه، من غير ما حد يقوله.
ومن بعدها، بقى ياسين يتعلق بيها أكتر يوم بعد يوم. يحكيلها كل تفاصيله الصغيرة، ويوريها الرسومات اللي بيرسمها، ويصر ياكل من إيديها، ولو غابت عنه يوم، يبص حواليه ويسأل ببراءة:
“هو أنا هروح لماما إمتى؟”
وكان السؤال ده بيهز قلب كريم كل مرة يسمعه، ويفكره قد إيه كان مظلومها لما صدق الكدبة اللي اتقالت له زمان.
وفي صباح يوم جمعة، مسكت ليلى إيد ياسين وقالت له بابتسامة هادية:
“تعالى… هعرفك على أغلى إنسانة في حياتي.”
وركبوا العربية، وكريم مشي وراهم بعربيته، لحد ما وقفوا قدام المقابر.
وقفت ليلى قدام قبر أمها، ونزلت تمسح التراب عن شاهد القبر بإيديها، وبعدين همست بصوت واطي:
“دي تيتة.”
رفع ياسين عينيه الصغيرة وبصل حواليه، وسأل ببراءة:
“هي فين؟”
ابتسمت ليلى وسط دموعها، وقالت:
“عند ربنا.”
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بصوت بيرتعش:
“كانت نفسها تشوفك… وكانت كل يوم تدعي ربنا يحفظك، بس راحت قبل ما تقدر تضمك.”
فضل ياسين ساكت شوية، وبعدها حط الوردة اللي كانت في إيده فوق القبر، وقال بصوت بريء هز قلوبهم كلهم:
“متزعليش يا تيتة… أنا جيت.”
كان كريم واقف بعيد، سامع كل كلمة، وحس لأول مرة إنه ما حرمش ليلى من ابنها وبس… لأ، ده كمان حرمها تعيش اللحظة دي مع أمها، وسابها تشيل الوجع ده كله لوحدها سنين.
ومن اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.
كريم بقى يشكرها على كل حاجة بتعملها مع ياسين. ومع كل موقف جديد، كان بيكتشف إن الست اللي عاش سنين بيكرهها ما كانتش مذنبة أبدًا… كانت ضحية كدبة هو صدقها من غير ما يدور ورا الحقيقة.
وكل ما كان يشوفها بتضحك مع ياسين، كان يلاقي نفسه بيبتسم من غير ما يحس، وبقى يستنى ميعاد الزيارة الجاية بنفس الشوق اللي ياسين كان بيستناه.
وكان طول الوقت يقنع نفسه إن كل ده علشان ابنه…
بس الحقيقة كانت أوضح من أي محاولة يهرب بيها منها.
كان بيقع في حبها… يوم بعد يوم.
وفي الناحية التانية، كانت أمه شايفة كل حاجة وهي بتنهار قدام عينيها. شايفة حفيدها بيجري على ليلى أول ما يشوفها، وشايفة ابنها بيبصلها بنظرة عمره ما بصها لأي ست قبل كده.
ساعتها فهمت إنها، وهي بتحاول تحتفظ بابنها لنفسها، كانت على وشك تخسره هو وحفيدها الاتنين.
وفي يوم، راحت بنفسها لليلى.
وقفت قدامها من غير كبرياء، ولا تبرير، وقالت والدموع نازلة قبل الكلام:
“أنا آسفة… كنت فاكرة إني بحمي ابني، لكني دمرته… ودمرتك معاه.”
فضلت ليلى ساكتة لحظة، وبعدين قالت بهدوء:
“اللي راح عمره ما هيرجع… بس ياسين ما يستحقش يكبر وسط الكره.”
انهارت الست في العياط.
ولأول مرة، خرجت من بيت ليلى وهي حاسة إن الحمل اللي كانت شايلاه في قلبها بقاله خمس سنين بدأ يخف عنها… حتى لو جه بعد ما فات الأوان.
ومرت الشهور وبقى وجود ليلى في حياة كريم حاجة طبيعية.
وبقى وجود كريم في حياتها أمان بعد سنين خوف. وفي مساء هادئ، كان ياسين بيلعب في الجنينة وبيجري ورا كورة صغيرة وهو بيضحك.
وقف كريم قدام ليلى وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال وهو بيبتسم:
فاكرة أول مرة شفتك؟
هزت راسها.
ابتسم بأسى.
كنت فاكر إنك أكتر إنسانة أنانية عرفتها.
ضحكت وهي تمسح دمعة هربت منها.
وأنا كنت فاكرة إنك أكتر راجل قاسي شفته في حياتي.
ضحك لأول مرة من قلبه.
وبعدين مد إيده ناحيتها.
المرة الأولى جمعتنا ورقة والمرة التانية جمعتنا الحقيقة.
سكت لحظة وهو بيبصلها بعين مليانة حب.
المرة دي عايز يجمعنا العمر كله.
اتسعت عيناها.
ليلى
ابتسم وكمل
تتجوزيني يا ليلى؟
ماعرفتش ترد.
ولا عرفت تمنع نفسها.
كل اللي عملته إنها حطت إيدها في إيده وهي بتبكي.
ابتسم كريم لأول مرة من قلبه.
وفي نفس اللحظة، جري ياسين عليهم وحضن رجل ليلى بإيد ورجل كريم بالإيد التانية وقال وهو بيضحك:
أنا كده مبسوط محدش هيمشي ويسيبني تاني، صح؟
ركع كريم على ركبته وضمه لصدره ومد إيده التانية لليلى.
ولما قربت منهم، لف دراعه حواليهم هما الاتنين وقال بيقين:
لأ المرة دي محدش هيفرقنا.
