ج 1 جارتي حكايات روماني مكرم
ج 1
اتفقت مع جارتى اتجوزها واطلق مراتى فكرت الاول وقولت
لازم ابيع البيت بتاعى الاول وبعت البيت بتاعتي وقعدنا في ايجار عشان لم اطلق مراتى ماتعرفش تعمل تمکین
وبالفعل طلقتها بعد ما بعت البيت واتجوزت جارتى وقعت فى شفتها مواقت وبعد شهرين اشتريت شقه وخلتنى اكتبها باسمها
الجزء الاول
“يا جابر.. هتمضي على عقد البيع النهاردة ولا هنفضل عايشين في القلق ده؟”
صوت نجوى، مراتي ـ اللي كانت مراتي ـ قطع السرحان بتاعي. كانت واقفة بتمسح عرقها بطرف طرحتها، مهدودة من شيل وحط العفش. بصيت لها، وجوايا حتة بتتقطع وحتة تانية بتغلي. نجوى عشرة خمستاشر سنة، ست طيبة وفي حالها، ملهاش في اللف والدوران. بس المشكلة إنها مابقتش تملى عيني.
العين والقلب كانوا في حتة تانية خالص.. كانوا فوق، في الدور الثالث من البيت القديم اللي لسه بايعينه من يومين.
عند “عبير”.
عبير جارتنا الأرملة. البنت اللي شبه غزل البنات، كلامها كله سكر، وعنيها بتعرف تقرأ اللي جوايا من غير ما أنطق. عبير هي اللي خططت، وهي اللي قالت لي بالحرف الواحد وهي واقفة معايا في مدخل السلم والضلمة مغطيانا:
*”يا جابر.. أنا مش هضيع نفسي معاك وأوافق أتجوزك وتيجي مراتها تشاركني فيك، أو تقعد لي في الشقة بقرار تمكين وتطردنا في الشارع لو طلقتها. لو عايزني بجد، بيع بيتك الملك ده.. واقعدوا في إيجار، عشان لما تطلقها قانوناً، ما تلاقيش شقة زوجية تتمكن منها. تطلع من حياتك بشنطة هدومها.. وأنا وأنت نبدأ على مية بيضا.”*
كلامها كان زي السحر في وداني. العشق بيعمي القلوب، وخلاني أشوف مراتي نجوى وعيالي الصغار كأنهم حمل تقيل عايز أخلص منه. وبالفعل، في ظرف أسبوعين، كنت بايع بيت عمري اللي ورثته عن أبويا، واشتريت شقة تانية إيجار جديد، ونقلت نجوى فيها.
يوم الطلاق كان يوم غريب. الهوا كان تقيل قوي. نجوى واقفه قدام المأذون والدموع ناشفة في عنيها، بتبص لي بنظرة عمري ما هنساها.. نظرة خيبة أمل وكسرة نفس.
“بعتني يا جابر؟ بعتني عشان تضمن إني ما اخدش حقي وحق عيالك؟ ماشي.. المحاكم بيننا، بس محكمة ربنا أسرع.”
قالت الكلمتين دول ومشيت، سابتني واقف في مكتب المأذون وصوت دقات قلبي مرعوبة، بس الشيطان كان لسه شاطر، وصورة عبير كانت بتزق أي تأنيب ضمير برة دماغي.
بعدها بأسبوعين بالظبط، كنت كاتب كتابي على عبير.
الدنيا ما كانتش سايعاني. دخلت شقتها المؤقتة اللي كانت مأجراها، وحسيت إني ملكت الدنيا. الدلع، الأكل المتوضب، الضحكة اللي بترن في البيت.. نسيت نجوى، ونسيت العيال، ونسيت الفلوس اللي في البنك تمن البيت القديم.
بس الحلو مابيكملش.. أو بمعنى أصح، الوشوش الحقيقية مابتظهرش إلا لما الأقنعة تقع.
بعد شهر من الجواز، بدأت نبرة عبير تتغير. الضحكة الدلوعة بقيت تطلع بنبرة سخرية، والكلام المسكر بقى أوامر.
“بقولك إيه يا جابر.. إحنا هنفضل قاعدين في الشقة المؤقتة دي لحد إمتى؟ أنا جارتك وعارفة البير وغطاه، وعارفة إن معاك قرشين حلوين تمن البيت اللي بعته. أنا نفسي في شقة تمليك باسمي.. تأمني بيها للزمن. وإلا بقى…”
بصيت لها باستغراب: “وإلا إيه يا عبير؟”
ضحكت ضحكة صفرا وقالت وهي بتلعب في خصلات شعرها: “وإلا كل حي يروح لحاله.. أنا لسه صغيرة وألف مين يتمناني، ومش هضيع عمري مع واحد خايف يأمن مراته اللي بيحبها.”
الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة. بدأت أحس إن اللعبة أكبر مني، بس خلاص.. كنت غرقت لشوشتي.
تحت ضغط النكد اليومي، والتهديد المستمر بإنها هتسيب البيت، نزلت ودورت، واشتريت شقة لقطة في منطقة راقية. ويوم كتابة العقد في مكتب المحامي، عبير بصت لي بعيون قطة مغمضة وقالت للمحامي بصوت ناعم:
“اكتب الشقة باسمي يا أستاذ.. جابر حبيبي بيهديني بيها.”
بصيت لعقد الشقة، وبصيت لقلم الحبر في إيدي، وحسيت ببرودة غريبة بتسري في صوابعي. مضيت.. وخليت الشقة كلها باسمها.
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
أول ما رجعنا الشقة الجديدة، عبير قفلت الباب وراها، ورمت مفتاح الشقة على التربيزة، وبصت لي بابتسامة غريبة عمري ما شفتها فيها قبل كده.. ابتسامة خالية من أي حب، ودافية ببرود مرعب.
وقفت قدامي وسندت إيدها في وسطها وقالت:
“مبروك عليا الشقة يا جابر.. بس تفتكر بقى، الشقة دي تساعنا إحنا الاتنين؟”
## الجزء الثاني
وقفت مكاني متسمر، الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة. بصيت لـ “عبير” وأنا مش مصدق عينيا ولا وداني. الوش اللي كان كله رقة ودلع اتبخر، وظهر مكانه وش غريب، بارد وقاسي، خالي من أي رحمة.
“يعني إيه الشقة تساعنا إحنا الاتنين يا عبير؟ أنتِ بتقولي إيه؟” سألتها وصوتي بيترعش من الصدمة.
ضحكت ضحكة عالية، ضحكة رنت في أركان الشقة الفاضية اللي لسه ريحة البوية جديدة فيها، وقالت ببرود مستفز:
“يعني يا جابر يا حبيبي، بالعقل كده.. أنا ست لسه في عز شبابي، وأنت راجل بركتك راحت، وكمان بايع ناسك وعيالك عشان شهوتك. اللي يبيع عشرة خمستاشر سنة ويرمي عياله في الشارع عشان خايف من قرار تمكين، تفتكر أأمن له على نفسي؟ تفتكر هثق في واحد غدر بأم عياله؟”
حسيت إن الدم هرب من عروقي، ورجلي مش شيلاني. ساندت على الحيطة وبصيت لها بذهول:
“أنا عملت كل ده عشانك! أنتِ اللي خططتي، وأنتِ اللي قولتي لي بيع البيت عشان نجوى ما تاخدوش! أنا وثقت فيكي وسلمتك كل حاجة.. تمن عمري وشقايا كله حطيته تحت رجليكي في الشقة دي!”
خطت خطوتين ناحيتي، وبكل قسوة شاورت بصباعها لبرة وقالت:
“أهو أنت قولت.. وثقت فيا! ودي غلطتك يا جابر. القانون لا يحمي المغفلين، والشقة دي دلوقتي بتاعتي بموجب عقد بيع نهائي أنت ماضي عليه بإيدك وبكامل قواك العقلية. ومن الآخر كده.. أنا مش طيقاك، ولا طايقة العيشة معاك. لم هدومك واطلع برة حياتي وبرة شقتي بالمعروف، بدل ما أطلب لك البوليس وأعمل لك قضية تبديد وطرد.”
الدنيا لفت بيا، وصورة “نجوى” وطليقتي وهي بتبكي وبتقولي *”محكمة ربنا أسرع”* ظهرت قدام عيني زي الفلاش. حسيت بنار بتاكل في صدري. حاولت أهجم عليها وأمسكها من كتفها وأنا بصرخ:
“أنتِ نصابة! أنا هوديكي في داهية.. هرفع عليكي قضية وهثبت إنك نصبتي عليا والفلوس فلوسي!”
بمنتهى الثبات والبرود، زقت إيدي وطلعت موبايلها من جيبها وقالت وهي بتبتسم بثقة:
“وريني هتعمل إيه يا جابر؟ المحاميين ماليين البلد، والعقد شريعة المتعاقدين. أنت بايع لي بمزاجك وقابض التمن في العقد. لو فكرت تمد إيدك أو تعمل شوشرة، هطلب النجدة فوراً وأعمل لك محضر تعدي في شقتي.. وريني بقى مين فينا اللي هيروح في داهية.”
خرجت من الشقة وأنا مش شايف قدامي. السلم كان بيلف بيا، والشارع كان ضلمة كحل رغم إن الدنيا كانت الضهر. مشيت في الشوارع زي المجنون، مش عارف أروح فين ولا أكلم مين. خسرت بيتي، وخسرت مراتي اللي صانتني وصبرت عليا، وخسرت عيالي، وفي الآخر خسرت تمن عمري كله للست اللي عميتني بكلامها المعسول.
قعدت على قهوة على أطراف المنطقة الرايقة اللي اشتريت فيها الشقة، وحطيت راسي بين إيديا وأنا ببكي بحرقة لأول مرة من سنين. ندم بياكل في قلبي زي الساحق، والناس بتمر من جنبي ومحدش حاسس بالنار اللي جوايا.
وفجأة، موبايلي رن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم غريب.. ردت بصوت مخنوق ومكسور: “ألو..”
جاني صوت راجل غريب، صوته جاد وقور: “استاذ جابر معايا؟”
قولت له: “أيوه أنا.. مين معايا؟”
رد وقال: “أنا الأستاذ مجدي، محامي مدام نجوى طليقتك. كنت بكلمك عشان نبلغك بإننا رفعنا قضايا نفقة ومؤخر ومتعة للأولاد، وبما إنك بعت البيت الملك وقعدتهم في إيجار جديد، فإحنا رفعنا دعوى حبس بتبديد مقدم الصداق، والمحكمة حددت جلسة.. ولازم تحضر يا إما هيصدر ضدك حكم غيابي.”
قفل المحامي السكة، وتلفوني وقع من إيدي على الأرض واتشخر.. كأنه بيعلن نهاية كل حاجة تملكها إيدي. بقيت مطلوب للمحاكم، ومطرد في الشارع، ومفلس تماماً.. وعيني مش شايفه غير صورة عبير وهي واقفة في البلكونة بتبص لي من فوق وبتضحك.
