ج1 جوزي كان مسافر

  • “يا بنتي، اقعدي بس واهدي، العقل زينة والسرعة من الشيطان. الموضوع أبسط بكتير من اللي في دماغك وتخيلاتك دي. كريم ما كذبش عليكِ في حاجة جوهرية أو قصد يضرك، نجلاء كانت محتاجة، وجوزها الله يرحمه كان صاحبه الروحي وأخوه اللي ما ولدتهوش أمه، والوصية واجبة والدين والأصول بيقولوا كده، والبيت ده…”

التفتُ إليها ببطء شديد، وقطعت كلامها بنبرة صوت هادئة جداً لكنها كانت تحوي حِدّة وس/كينة تلمة جعلتها تبتلع باقي جملتها وتتثبت مكانها:

  • “البيت ده؟ تقصدي بيت مين يا أمي؟ بيت صاحبه المرحوم اللي ساكنة فيه مراته وأخته و… ولا تقصدي الشقة اللي أنا فرشاها قرش بقرش من تعب أبويا الله يرحمه ومن دهبي ومؤخري اللي ما سدتهوش؟ ولا تقصدي إيه بالضبط؟ أنهي بيت فيهم؟”

توترت حماتي ووشها جاب ألوان من إحراجها قدام نجلاء، وقالت بحدة دفاعية وصوت عالي عشان تغطي على موقفها:

  • ” إنتِ بتقولي إيه وقلة الأدب والتطاول ده جه منين؟ تعب أبوكِ إيه ومؤخر إيه اللي بتعايرينا بيه؟ إحنا ناس محترمين وبنعرف الأصول، وكريم راجل وسيد الرجالة وعمل الصح اللي يمليه عليه دينه وضميره، ستر على أرملة صاحبه وحماها من طمع الناس والشارع، وبكرة العيال دي تكون عزوة لبعضها وتسند بعض!”

  • “عيال؟ تقصدي عيل واحد لحد دلوقتي في السكة، ولا فيه أكتر وأنا نايمة على وداني ومغفلة؟” قلتها ببرود شديد، وأنا أتفحص وجه نجلاء التي انكمشت خلف الكنبة وكأنها تختبئ من شبح الماضي الذي عاد ليطاردها ويجردها من الوشاح اللي متغطية بيه.

وسط ذهولهم الشديد من هدوء رد فعلي غير المتوقع، وعدم وجود أي صريخ أو لطم، لم أكن أخطط للمشاجرة العادية بتاعة كل يوم. لم أكن أريد أن أصرخ أو ألقي بالأطباق والتحف على جدران الشقة كما تفعل النساء في المسلسلات والسينما لما يتصدموا. لقد أدركت في تلك اللحظة بالذات أن الصراخ يمنحهم شعورًا بالقوة، يمنحهم مبررًا ليقولوا “المجنونة اللي بتظيط وتعمل هيستريا وما بتفهمش”، بينما البرود القاتل والسكوت الذكي هو الس/لاح الوحيد القادر على زعزعة غرورهم ودك حصونهم.

نظرت إلى كريم بكل استهانة وقرف، وقلت بصوت حاسم يقطع الشك باليقين:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *