حماتي وتصرفاتها الغريبة

حماتي فتحت الباب بسرعة.
ودخلت سلفتي وأولادها.
وأنا وقفت مكاني مش قادرة أستوعب.
حماتي بدأت تطلع الأطباق اللي كانت لسه شايلها من السفرة وتحطها قدامهم.
لحمة.
رز.
محشي.
بطاطس.
وأنا وجوزي واقفين نبص.
جوزي قال
ماما إنتِ بتعملي إيه؟
حماتي سكتت.
سلفتي نفسها بصت لها، وبعدين بصت لجوزي، واتوترت.
قال لها
إنتِ كنتِ مخبية الأكل عشان تديهولهم؟
حماتي ردت
دول ولادي يا ابني، وهما وأولادهم أولى.
جوزي بص لها پصدمة.
طب وإحنا ما انا ابنك ودول عيالي ال انتي بتحرميهم من اللقمة؟
قالت بكل برود
إنت مراتي بتطبخلك في بيتك.
سكت.
وأنا لأول مرة فهمت إن الموضوع ماكانش توفير أكل.
ولا كان خوف إنه يخلص.
هي كانت بتستنى جوزي يخرج عشان توزع الأكل اللي أنا كنت بساعد في تحضيره على سلفتي وأولادها.
لكن اللي حصل بعد كده كان أغرب.
لأن جوزي ما اتخانقش مع أمه.
ما رفعش صوته.
بس قال لها جملة واحدة، خلت حماتي لأول
مرة ما تعرفش ترد
ماما طب والأكل اللي أنا كنت ببعتهولك كل أسبوع عشان يكفي البيت كنتِ بتديه لمين؟
لمّا جوزي قال الجملة دي، الصوت ساد في الشقة كلها. كأن الزمن وقف. حماتي فتحت فمها ترد، بس الكلمات اتعلقت في حلقها. عينها اتقلبت في الأرض مرة وفي الحيطة مرة، وما قدرتش تبص في عين ابنها ولا في عيني. سلفتي كانت واقفة جنب الباب، شالت أولادها وشدتهم لورا، ووشها اتلون من الأحمر للبني وهي حاسة إن الأرض انشقت وتبتلعها. الأكل اللي كان على السفرة ريحته بقت تقيله، كأنها ريحة خېانة وغدر مش ريحة لحم ورز ومحشي.
جوزي اللي طول عمره هادي، صبور، ما بيحب المشاكل ولا الصوت العالي بص لأمه بنظرة ما شفتهاش في عينيه قبل كده. نظرة حزن أعمق من أي ڠضب. قال بصوت هادي بس كل كلمة فيه زي السکين كنت ببعتهولك كل أسبوع يا ماما. فلوس كتير، أكياس أكل، لحم، دجاج، خضار، كل حاجة. كنت بقول ده حقك، وده واجبي، وده عشان تشتكيلي من حاجة ناقصة في بيتك. كنت فاكر إنك بتدبريه وتأكلي منه، وإن اللي بيحوش بيكون ليكِ لوقت الحاجة. لكن تطلعي بتخبيه عشان تديه لمراتي التانية وأولادهم وإحنا؟ إحنا اللي كنا بنجيب أكلنا من جيبنا، ونقعد نشارككم فيه، ونشكرك على العشا كأنك بتكرمينا!
حماتي حاولت تتمسك بأي حجة يا ابني دول أخواتك وأولادهم صغار محتاجين
قاطعها بسرعة وأنا؟ أنا مش ابنك؟ ومراتي دي وبص عليا اللي كانت بتقوم معاكي من الصبح، بتقطع، بتطبخ، بتغسل، بتكنس، وتبقى بتشكرك إنتِ اللي قاعدة تتفرجي وتأكل من تعبها دي مش زوجتي؟ دي مش اللي ربطتها بيكي بالحب والشرع؟ ليه يا ماما؟ ليه تعملي فينا كده؟ ليه تفضليهم علينا واحنا اللي ما قصرناش معاكي بيوم واحد؟
دموعها نزلت أخيرًا، بس مش ندمانة لأنه انكشف أمرها. قالت بصوت متقطع أنا كنت خاېفة عليهم أبوهم بيصرف عليهم قطط والحال صعب وقلت لما أنت تخرج، أقدر أديهم حاجة من غير ما حد يحس
من غير ما حد يحس؟ رد جوزي بدهشة وألم، يعني كنتِ عارفة إن اللي بتعمليه غلط؟ كنتِ عارفة إنك بتسرقي حقنا وتديهولهم؟ وكنتِ مستخبية ورا ظهري عشان تكملِ؟ ويا ترى كم سنة والكلام ده ماشي؟ كم سنة وأنا ببني وأنتِ بتهدمي؟
سكتت. وما ردت. في اللحظة دي، سلفتي ما قدرت تستحمل الوقفة الصامتة، قالت بصوت واطي متردد أنا آسفة ما كانش ينفع آخذ بس أمك هي اللي كانت بتجيب الأكل لحد عندي كانت تقول ده نصيبكم
بص لها جوزي بحدة وإنتِ قلتليه؟ ما فكرتيش تسألي ده حق مين؟ ما جاتش في بالك إنك بتأكلي وأحنا يمكن بنتعشى خبز وجبنة عشان يكفي الأكل؟ ولا العشم فيكم كله واحد!
شد إيده من إيد أمه اللي كانت مادتها تلمسه، وقال لي يلا يا حبيبتي، جمعي حاجاتنا. إحنا ماشيين.
اتفاجأت نمشي؟ نمشي فين؟ ده بيت أمك!
كان بيتي وبيتها. النهاردة هو بيتها لوحدها. أنا مش عايز أقعد في مكان كل رغيف فيه بيتحسب بالعد، وكل لقمة بتتخبي عشان ناس مش أحق مننا. مش عايز أقعد في مكان الخېانة فيه ريحة الأكل اللي على السفرة.
حماتي صړخت لا يا ابني! ما تسبنيش! أنا غلطت، أنا آسفة! ما تاخدهمش وتسيبني لوحدي!
بس جوزي كان واقفًا كالجبل. لا يهتز. قال بصرامة لو كنتِ فكرتي في الكلام ده قبل ما تعملي اللي عملتيه، ما كانش وصلنا لكده. النهاردة أنا بخرج من البيت، وكل فلوس كنت ببعتهالك هتتوقف. اللي عايز يصرف عليكِ يصرف، واللي عايز يأكلك يأكلك. أنا انتهى دوري هنا. سامحيني إن كنت قصرت في حقك، لكن ما أقدرش أعيش مع إنسانة بتتعامل معايا بالنفاق والخداع.
طلعنا من الشقة، وسمعت صوت صړاخها وندبها ورانا، بس ما رجعناش. نزلنا على السلم، وأنا ماشية جنبه، حاسة بقلبي بيتقطع عليه وعليها. كنت عارفة إن المشوار ده كان أصعب مشوار في حياته. لما وصلنا للعربية، ركبنا وسارنا من غير كلام. الطريق كان طويل، والليل بدأ يخبط على القاهرة. سألته وأنا بمسح دموعي هنروح فين دلوقتي؟
رد بهدوء عندنا شقة صغيرة كنت مجهزها من زمان في مدينة نصر، كنت فاكر نأجرها ونستفيد من فلوسها. خلاص، نروح نقعد فيها لحد ما ربنا يفرجها.
وصلنا الشقة. كانت صغيرة، بس نظيفة، مليانة هوا وشمس. دخلنا، وقلوبنا مليانة ۏجع، بس في نفس الوقت مرتاحة. لأنه الحقيقة طلعت، والحق ظهر. جوزي قعد على الكرسي في الصالة، وغطى وشه بإيديه، وبكى. بكى كطفل صغير. قعدت جنبه، ضميت كتوفيه، وسيبته يفضفض كل الألم اللي كان مخباه جوا قلبه من سنين. ما قطعت حديثه، ما قلتله شيء. كنت عارفة إن ده اللي محتاجه حد يسمعه من غير ما يحكم عليه.
مرت الأيام. أول أسبوع كان صعب جدًا. حماتي كانت بتتصل كل ساعة، ترسل رسايل، تبعت ناس يترجوا جوزي يرجع. كانت تقول إنها ماتتأكلش، وإنها تعبانة، وإن البيت عليها اتقلب سجن. بس جوزي كان صامد. كان يقول لو رجعت النهاردة، هترجع تعمل اللي كانت بتعمله بكرة. الچرح اللي اتفتح مش بيتقفل بكلمة آسفة. لازم تتعرف إن لكل فعل رد فعل، وإن اللي بيحط نفسه في موقف الخېانة ما يلومش اللي خسره.
سلفتي حاولت تتواصل معايا كذا مرة. كانت بتكلمني بكل ود زي ما كانت بتعمل دائمًا، كأن شيئًا ما حصل. بس أنا كنت بقتنع إن الود ده كان كله تمثيل. لما كانت بتشوفني بآكل وأولادها بيحلموا، ما كان قلبها يرق لي ولا ليهم. كانت ساكتة ومستفيدة. فكنت برد عليها باختصار وأقفل الخط.
