ج1 جوزتي من بنت عمتي
زهرة الربيع

مسكت التليفون واتصلت بعمي في أنصاص الليالي: “تعالى خد بنتك، بدل ما أخلص عليها دلوقتي!”.
الدنيا قامت وما قعدتش. عمي جاب أبويا وجاه جري، حصلت خناقة وشد وجذب يهدوا جبال.. عمي كان بيدافع عن بنته بمنتهى الاستماتة، وأبويا نفسه وقف وقال: “لو أنت مش مصدق يا ابني، نروح لدكتور ونشوف، والطب يقطع الشك باليقين”. بس أنا كنت عارف إن لو رحت لدكتور اللعبة هتتكشف، وحلم حريتي هيروح، فقفلت الباب في وشهم كلهم وقلت بحدة: “أنا مش هَلف معاكم على دكاترة
عشان يضحكوا عليا بكلمتين مش مقتنع بيهم!”.
لفيت ليها وقتها.. لقيتها منهارة على الأرض، بتتنفض زي العصفور . بصلتي بـ نظرة عمرها ما فارقت خيالي، ولا أظنها هتتفارق حتى وأنا بموت. نظرة كانت بتقول كلام كتير أوي، كان أشدها: “افتكر اليوم ده كويس”.
ورميت عليها يمين في ساعتها.
عمي أخد بنته ومشي وهو شايل كسرة الدنيا، وأبويا قعد مكانه مكسور الخاطر، عينيه في الأرض، مش قادر يتكلم ولا يرفع عينه في عين أخوه ولا يواجه الناس. وفي الصباحية.. بدل ما أكون عريس، كنت مجهز شنطي، ودعتهم بحجة إني مصدوم ومش قادر أتحمل كلام الناس، وطلعت على القاهرة.. سبتها هي تلتهمها ألسنة الخلق، وتواجه المصير المحتوم لأي بنت تطلق في الريف من أول يوم، في قضية تمس شرفها.
عدت السنة الأولى، والتانية.. وأنا عايش في القاهرة في عالم تاني خالص. فسح، وسهر، وحياة طول وعرض، ولا على بالي ولا كأني دمرت حياة إنسانة. وهي هناك في البلد، عايشة في كرب ما يعلم بيه إلا ربنا، تحت نظرات القرف والشك من القريب والبعيد. بس رغم كل ده، عرفت إنها مكانتش بتستسلم، كانت بتقاوم وتروح جامعتها كل يوم، عشان ما تخسرش كل حاجه.
وبعد سنتين من الفرفشة والحياة اللي اخترتها، اتعرفت على زميلتي في الشغل، البنت اللي كنت بحلم بيها بجمالها وثقافتها القاهرية. اتصلت بأبويا وقلتله إني هتجوز. أبويا وأمي جوم القاهرة وحضروا الفرح، وشوشهم كانت باهتة ومكسورة، مش راضيين عن العيشة ولا الجوازة، بس مكانش عندهم القدرة ولا الحيل إنهم يعارضوني بعد المصيبة اللي حصلت بسببي.
مرت ٥ سنين كاملة على ليلة الطلاق السودا دي.. ٥ سنين وأنا مقطوع عن البلد، عايش حياتي بالطول


