ج الاخير بنت جوزي
اماني سيد

نزلت الأم على ركبتيها قدامه، وحطت إيديها على كتافه بحنان أموي غلب كل مشاعر الغضب، والدموع نزلت من عينيها وهي بتمسح وشه المبلول.
قالت بصوت هادي، لكنه مليان عتاب:
ـ اهدا يا حسام.. واسمعني كويس. أنا حاسة بوجعك وشايلة حزنك في قلبي من زمان، بس جاوبني.. شيماء ذنبها إيه في كل ده؟! إنت اتألمت بسبب اللي حصل في طفولتك، لكن كان عندك أم تحميك، وعمك كان دايمًا جنبك وسندك، وكان عندك أهل يوقفوا معاك وقت الشدة.
اتنهدت بحزن، وكملت:
ـ إنما هي.. عاشت طفولتها من غير أبوها، وبعدها فقدت أمها، وبقت في الدنيا من غير سند حقيقي. مرت بظروف صعبة، ومع ذلك فضلت بنت طيبة وحنينة. دخلت حياتي بنية صافية، واعتبرتني زي أمها، وأنا كمان حبيتها من قلبي.
قربت منه وبصت في عينيه بحسرة:
ـ تقوم إنت يا ابني تحملها نتيجة حاجة هي ما عملتهاش؟! تنتقم من الماضي على حساب إنسانة ملهاش ذنب؟! تجرحها وتكسر خاطرها لمجرد إنك كنت عايز تعاقب غيرها؟! ليه يا حسام؟ ليه نسيت كل اللي اتعلمته؟
حسام خفض رأسه، وسكت تمامًا.
كلام أمه كان أول مرة يخليه يشوف الصورة من ناحية مختلفة. لأول مرة فهم إن الألم اللي عاشه في الماضي مش مبرر إنه يظلم إنسانة بريئة.
خرج من البيت وهو في حالة من الندم، واختفى فترة بعيدًا عن الجميع، وأغلق هاتفه وابتعد عن الناس. قضى شهورًا يراجع نفسه، ويتذكر كل موقف تسبب فيه في حزن شيماء.
وكان أول قرار أخده إنه أنهى زواجه من شمس بشكل رسمي، بعدما أدرك أن هذا الزواج قام على دوافع خاطئة، وأن الاستمرار فيه لن يؤدي إلا إلى مزيد من المشكلات.
وبعد فترة، رجع حسام إلى بيت أمه. كان واضحًا عليه الهدوء والتغيير، وجلس أمام شيماء وهو يخفض رأسه.
قال بصوت مليء بالندم:
ـ أنا عارف إن مفيش كلام يقدر يمسح الوجع اللي سببتهولك. أنا أنهيت زواجي رسميًا، وكل حقوقك محفوظة، وهتوصلك كاملة. أنا مش جاي أطلب منك تنسي اللي حصل، لكن بطلب منك تسامحيني وتدعيلي ربنا يصلح حالي.
شيماء بصت له بهدوء، وكانت فاهمة لأول مرة حجم الصراع اللي كان جواه، لكنها كانت عارفة كمان إن التسامح مش معناه نسيان كل شيء.
قالت:
ـ أنا مسامحاك يا حسام، مش علشان اللي حصل كان سهل، لكن علشان مش عايزة أفضل شايلة جوايا أي غضب. ربنا يسامحنا جميعًا ويهدي كل إنسان لطريق الخير.
