ج 1 سلفي حكايات روماني مكرم
ج1

كان إبراهيم يتنفس بصوت عالٍ، الدماء محبوسة في وجهه، ونظراته تنقلت بين أمه الباكية تدعي الشرف، وأخيه المخلص المزعوم، وبين زوجته الملقاة على الأرض تبكي وتترجاه.
رفع إبراهيم يده وأشار نحو الباب بصوت جامد، ميت، خالي من أي رحمة:
— قومي…
— إبراهيم.. اسمعني عشان خاطر ربنا.. — توسلت وأنا أتمسك ببنطاله.
نفضني بحدة وقسوة جعلت رأسي بحافة الكومودينو:
— يا إبراهيم مظلومة! والله مظلومة! — أردفت بدموع تعمي بصري.
سحبني إبراهيم من ذراعي بقوة لا ترحم، يجرني على الأرض وأنا أعافر، وحماتي تبتسم بخبث في الخفاء وهي تنظر لحسن الذي كان يغمز لها بعينه. جررني عبر الصالة وطرحني خارج الباب في البسطة الخاصة بالسلم، وألقى خلفي بطرحتي وحذائي الخفيف.
أغلق الباب بقوة زلزلت أركاني، وسمعت صوت الكالون يُغلق بضربتين متتاليتين.
بقيت ملقاة على درجات السلم السفلية، الصوت متوقف في حلقي، وجسدي يرتعش من البرد والذهول والألم الإنساني الكامل. لقد جُردت من كل شيء في أقل من نصف ساعة: شرفي، أمانتي، بيتي، زوجي، وكرامتي.
ارتديت الطرحة بآيادٍ مرتعشة ولبست حذائي، ونسيت حتى ألم الجرح البسيط في رأسي. لم يكن معي هاتف، ولا جنيه واحد، ولا كلمة شفيعة. نزلت السلم بخطوات ثقيلة كأنني أجر سلاسل من حديد.
عندما وصلت إلى بوابة العمارة، كان البواب عم أحمد واقفًا يمسك بخرطوم المياه. نظر إليّ باستغراب شديد وهو يرى وجهي المنتفخ من البكاء وجرح رأسي الصغير:
— ست شيماء؟ في إيه يا بنتي؟ خير يا رب؟ أستاذ إبراهيم جه من السفر وسمعنا زعيق فوق!
وقفت أمامه، وكان هو الشاهد الوحيد الذي أشاروا إليه.
— عم أحمد… — قلت بصوت خافض وبحشرجة — أنت شفتني خرجت النهار ده من الشقة بشنط؟ شفتني نزل أصلًا من الصبح؟
قطر عم أحمد حاجبيه بنفي قاطع:
— لا والله يا ست شيماء، أنتِ من ساعة ما الأستاذ إبراهيم سافر وأنتِ ما طلعتيش من باب الشقة إلا عشان تاخدي العيش من على السلم. أنا قاعد هنا من ستة الصبح، ما حدش نزل ولا طلع غير أستاذ حسن ومستورين أمه! في إيه يا بنتي؟
بكيت بمرارة أكبر. البواب شهد بالحق دون أن يدري! ولكن ماذا يفيد شهادته الآن وأنا مطرودة ومطلقة في الشارع؟
— عم أحمد، ممكن تليفونك أعمل منه مكالمة واحدة؟
