حماتي بتضحك

في الوقت ده، كريم أخويا ما استسلمش، وجاب محامين متخصصين في أموال العامة والنصب، وتتبعوا التحويلات لحد ما قدروا يجمدوا حسابات للشركة الوهمية. صحيح ما رجعناش السبعين مليون كلهم، بس قدرنا نرجع يجي تلاتين مليون جنيه.
كريم جالي وهو ماسك الشيكات وعاوز يكتب نصيبه باسمي:
— أنا فشلت إني أحمي شقا أمنا.. الفلوس دي كلها ليكي إنتي.
— مش هاخد فلوسك يا كريم.. إحنا بالنص زي ما أمي كانت عاوزة.
كريم أخد نفس عميق وقال:
— طب أعملي بالفلوس دي حاجة هي كانت تفرح بيها لو هي معانا دلوقتي.
الجملة دي أخدتني ورجعتني للحارة القديمة في السيدة زينب.
محل الفول والطعمية بتاع أمي كان لسه شغال. عم شعبان، راجل كبير وصاحب أمي من زمان، كان خلاص صحته تعبت وعاوز يقفل المحل. أول ما دخلت، ريحة القلية والتتبيلة خبطت في وشي بجد، لدرجة إني مسكت في باب المحل عشان ما أقعش.
دي كانت طفولتي.. دي أمي وهي بتصحى الساعة أربعة الفجر.. دي أنا وأنا بذتكر دروسي على الترابيزة الخشب برة وهي بتتضايف مع الزباين.
عم شعبان بصللي وابتسم:
— إنتي فيكي نفس عيون فاطمة الله يرحمها.
بصيت للكراسي الخشب القديمة وقلتله:
— أنا عاوزة أشتري المحل يا عم شعبان.
— عشان تهديه وتعمليه كافيه حديث؟
هزيت رأسي بنفي:
— لا.. عشان يفضل زي ما أمي بنته وعاشت فيه.
استثمرت جزء من الفلوس اللي رجعت في تجديد المطبخ، وتأمين العمال اللي فيه، والحفاظ على أسرار خلطات أمي. وعملت صندوق صغير لإقراض السيدات اللي بيشتغلوا في محلات صغيرة عشان يكبروا شقاهم.. وسميته “مؤسسة فاطمة”.
ساعتها بس فهمت حاجة مهمة: الفلوس بالنسبة لأمي عمرها ما كانت للتباهي ولا للتفاخر.. الفلوس كانت مسؤلية وأمانة.
بعد سنتين تقريباً من وفاة أمي، لقيت مصطفى واقف على باب المحل. كان خاسس جداً، لابس جاكيت دايب، وعينيه دبلانة ومكسورة.
— ندى.. عاوز أتكلم معاكي خمس دقايق بس.
— اتكلم وإنت واقف مكانك.
بص للمحل وهو مليان زباين وقال بصوت واطي:
— عرفت إنكم رجعتوا جزء من فلوس أمك..
ابتسمت بأسى:
— سبحان الله.. برده دي أول حاجة بتسأل عنها حتى بعد كل اللي حصل؟
— أنا مش جاي عشان الفلوس والله يا ندى.. أنا جعان. أنا ما أكلتش من إمبارح.
