بنتي متجوزة بقالها 9 شهور، في محافظة تانية وأنا كل شهر بروح لها زيارة وباخد لها الخير كله على قد ما أقدر.من أول زيارة، جوزها يشوفني قبل ما اقعد واخد نفسى يقولى«إنتي دخلتي لأمي الأول؟» أقوله: «يا يابنى اقعد اخد نفسى الاول انا جايه من سفر آخد نفسي وأستريح شوية، واغير هدومي وادخل اسلم عليها واقعد معها شويه كمان يقولي: «لا، لازم تدخلى لامى الاول البدايه الشمس كانت لسه بتبدأ تغرب، والسفيرة العظيمة اللي هي أنا طالعة سلم العمارة في المحافظة التانية بشنط حيلها يتهد من كترها. تسع شهور على الجوازة دي، وتسع شهور وأنا باخد بعضي كل شهر، أحمل من خير ربنا على قد ما أقدر: فراخ بلدي، سمنة بلدي، خضار، فاكهة، وجبن.. كل ده عشان بنتي، نوري وعيني، ما تحسش إنها غربت ولا تنقصها حاجة. أول ما عديت عتبة الشقة وفتحت لي بنتي وهي باين عليها التعب، حطيت الشنط على الأرض وجيت أخد نفسي، لاقيت “مجدي” جوزها طالع لي من جوه، لا قال إزيك يا حماتي ولا حمد الله على السلامة، صلب طوله وقالي بنبرة ناشفة: * “إنتي دخلتي لأمي الأول؟” أخدت نفسي بالعافية وقعدت على أقرب كرسي: * “يا بني اصبر أخد نفسي الأول، أنا جاية من سفر وساعتين في المواصلات! أغير هدومي وأستريح، ووالله هدخل أسلم عليها وأقعد معاها بالساعات.” عينه ما كانتش معايا، عينه كانت راشقة في الشنط اللي على الأرض، قرب منها وبدأ يفتش فيها بقلة ذوق، يقلب في الفراخ وفي علب السمنة، ووشه يتلوي: * “إنتي إزاي مش جايبة من كل حاجة لأمي؟ دي الأصول يا حماتي! ولا هي أمي مش مئمورة عندك؟” رديت وأنا حابسة دموعي بالعافية: * “يا بني أنا جاية لبنتي.. زيارة بنتي، وأمك على راسي بس دي حاجتي وحاجة بنتي.” المرة اللي بعدها، التطاول زاد.. مسك الشنط كلها من إيدي قبل ما أفتحها، وأخدها ونزل بيها لعند أمه تحت، وما سابش لبنتي حتى كيلو فاكهة نبل بيه ريقنا! رجعت بيتي وأنا دموعي على خدي، حكيت لأبوها، راجل طيب ومريض ومزرع، اتغاط جداً وقال لي: * “بقولك إيه.. ما تاخديش معاكي قشة تاني! اديلها فلوس في إيدها من غير ما يدرى، تتصرف هي وتجيب اللي هي عايزاه.” قلت في بالي ده عين العقل، وكده هنقطع الشك باليقين ونخلص من حوار “زيارة أمه”. أول الشهر اللي بعده، دخلت الشقة وإيدي فاضية، مجدي كان واقف مستني الشنط، أول ما شاف إيدي فاضية، وشه اتغير وعينه رشق فيها الغضب: * “أمال فين الزيارة يا حماتي؟” قلت له بهدوء وثبات: * “أبوها باعت لها فلوس في جيبها تشتري اللي هي عايزاه.” صاح في وشي بعصبية وشواش: * “كل الحوارات واللوع ده عشان ما تجيبوش زيارة لأمي؟! طب قسمًا بالله ما هتدخلي البيت ده تاني إلا لما تجيب زيارة معاكي لأمي صاحبة البيت!” نزلت والمصيبة في قلبي، بس ما لحقتش أستوعب اللي حصل.. بعد أسبوع واحد بس، بنتي كلمتني وهي بتبكي وبتموت من الألم، الحمل كان تقيل عليها في الشهور الأولى، وتعبانة ومش قادرة تقف على حيلها. ما استحملتش، أخدت بعضي وجريت عليها، قلت أقعد معاها يومين أخدمها وأعمل لها لقمة دافية. وأنا واقفة في المطبخ بعمل لها شوربة، لقيت الباب بيتفتح وأمه داخلة، ست قاسية وعينيها زي الصقر، بصلتي بقرف وقالت بصوت طالع من مناخيرها: * “إيه ده؟ إنتي جيتي تاني؟ بقولك إيه يا حمات ابننا.. خدي بنتك عندك، ولما تولد أبقي هاتيها! تولد عندكم وبكده مالهاش مصاريف عندنا ولا نوجع دماغنا بتعبها!” وقفت مصدومة وبصيت لمجدي مستنية يراددها أو يقول كلمة يستر بيها مراته، لقيتها هز رأسه بمنتهى البجاحة وقال: * “أيوه.. كلام أمي صح 100%! بنتكوا وأنتوا تصرفوا عليها، أنا مش ملزم بتعبها ولا قرف الحمل ده!” بصيت له وأنا مش مصدقة عينيا ولا ودانيا: * “يا بني اتقِ الله! دي مراتك وفي لحمك وشايلة ابنك! ولسه الحمل طويل، ده غير علاجاتها ومتابعة الدكاترة ومصاريف الولادة!” رد وهو بيلف وشه الناحية التانية: * “قلت اللي عندي.. مش عاجبكم خدوها ورجعوها لما تولد!” أخدت بنتي في إيدي، كانت ماشية تبكي وتتكركر، وسندتها بالعافية لحد ما وصلنا بلدنا. أول ما دخلنا البيت وشافنا أبوها وإخواتها الولاد، والدموع مغرقة وش بنتي ومش قادرة تمشي، البيت اتقلب مرجل نار. إخواتها كانوا هيتجننوا وعايزين يروحوا يطربقوا الشقة على دماغه ودماغ أمه، بس أبوها مسكهم بالعافية وقال: “صحتها وصحة اللي في بطنها الأول، وحسابنا معاه بعدين.” مرت الشهور ثقيلة زي الجبل.. إحنا اللي شايلين المصاريف، الدكاترة، التحاليل، الأدوية، والأكل والشرب، ولا حس ولا خبر منه، ولا حتى مكالمة يسأل فيها هي عايشة ولا ميتة. وفي ليلة من أصعب الليالي، بنتي جابها الطلق.. جراوي وإسعاف ومستشفى، وليلة كاملة في العمليات ونار زايدة في قلوبنا. ولدت بنتي بالسلامة وجابت ولد زي القمر، حتة سكرة نسيتنا التعب كله. وأول ما طلعت من غرفة العمليات وبدأنا نتنفس الصعداء، تليفون بنتي رن.. كان اسم “مجدي” على الشاشة. مسكت التليفون وفتحت السبيكر وحطيتها جنب أذن بنتي وأبوها وإخواتها واقفين حواليها وساكتين تماماً. #الكاتب_رومانى_مكرم_ صوت مجدي جه من الناحية التانية، لا فيه لهفة ولا مباركة ولا سؤال عن صحتها، قال ببرود ويقين: * “سمعت إنك ولدتي.. مبروك. بس خلي بباكي وياكي في الصورة، أنا مش هدفع مليم واحد في مصاريف المستشفى ولا الولادة، ولا ليا دعوة بأي حوارات مادية.. إنتوا اللي اخترتوا تولدوا عندكم!” ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ معدودة، صمت يسبق العاصفة، والكل عينه متسمرة على شاشة التليفون اللي كان الصوت طالع منه بسبيكر زي السم ينقط في الأذن. بنتي، اللي كانت لسه طالعة من بنج القيصرية ووشها أصفر زي الليمونة، شفتها كانت بترتعش ودمعة سخنة كوت خدها ونزلت على الملاية البيضا. أبوها، الراجل الطيب المريض، جبهته اتملت عروق زرقا طالعة لبره، ومسك طرف السرير وهو بيدوس على سنانه، لكن إخواتها الولاد ما استحملوش. أحمد، ابنها الكبير، زق إيدي اللي ماسكة التليفون ومسك الفون ونطق بصوت زي الرعد يهز جدران المستشفى: * “يا عار الرجال! يا اللي خسارة فيك اسم راجل! تسمع إن مراتك بتجيب حتة منك وتقول مش دافع؟ وحياة دموع أختي وحياة العذاب اللي شافته على إيدك وإيد أمك، لحسابك معانا هيكون عسير.. ومش كلام تليفونات!” مجدي على الناحية التانية رد ببرود يفرس ومستفز، وكأنه كان ترتيب متفق عليه مع أمه: * “أعلى ما في خيلكم اركبوه! أنا ما رميتهاش من بيتي، أنتم اللي أخدتوها، وطالما الحمل والولادة تموا بعيد عن بيتي، يبقى مصاريفها تلزمكم.. والولد ده لما يكبر ويقف على رجليه يجيلي، غير كده ما يلزمنيش مصاريف!” وقفل الخط في وشنا! أنا دموعي نزلت، مسكت إيد بنتي اللي كانت بتصرخ بصوت مكتوم وتقول: “يا باباي، أنا ذنبي إيه؟ أنا قصرت معاه في إيه عشان يعمل فيا وفي ابننا كده؟ ده أنا ما شوفتش منه يوم عدل من أول ما دخلت بيته!” أبوها وقف في نص الغرفة، بص لينا كلنا ونطق بكلام زي السيف: * “سيبوه.. اللي فاكر إن بنتنا مقطوعة من شجرة يبقى غلطان، واللي فاكر إن حقنا يضيع عشان طيبتنا يبقى بيتغابى. مسير الحق يبان، وصحة البنت والولد أهم من الدنيا باللي فيها دلوقتي.” عدت أيام السبوع، عملنا لوليدها أحلى سبوع، وجبنا المغات وفرقنا الشمع، وسميناه “يوسف”، وكان هو النور اللي أضاء بيتنا وطبطب على قلب بنتي المكسور. بس مجدي وأمه ما سكتوش.. أمه بدأت تطلع في المحافظة بتاعتهم وتذيع في الوسط وفي القرايب إن بنتنا هي اللي سابت البيت ومشت وهربت بفلوس وذهب، وإنها رفضت ترجع لبيت جوزها! الكلام وصل للبلد عندنا عن طريق قرايب مشتركين، والناس بدأت تتكلم. بنتي كانت كل ما تسمع حاجة تحبس نفسها في الأوضة وتاخد الولد في حضنها وSide بالبكاء. لحد ما في يوم، دخل علينا شيخ العائلة ورجل من كبار البلد عندنا، وقال لأبوها: * “يا حاج، السكوت ده مش صح، الراجل طالع في كل حبايبنا ويشوه سمعة بنتك، ولازم تحسموا الأمر، يا يرجع يلم مراته وابنه بالأصول ويتحاسب على اللي فات، يا كل واحد يروح لحاله والأصول تاخد مجراها.” أبو بنتي رد بثبات: * “أنا ما جيتش على حد يا شيخنا، هو اللي طردها مع أمه وهي حامل وتعبانة، وقال خدوها تصرفوا عليها. ولو هو راجل، ينزل ويواجهنا قدام الناس كلها!” الشيخ اتصل بمجدي، وبعد محايلات وضغط من كبار البلدين، اتفقوا على جلسة عرب في بيتنا، يجيب كباره وييجي يقعد يوضح موقفه. في اليوم الموعود، البيت عندنا كان ماليانه الناس. دخل مجدي ومعه اثنين من إخواته وعمه، وأمه كانت قاعدة في العربية تحت رافضة تطلع! أول ما قعد، ما كانش باين عليه أي ندم، بصلنا بثقة وعين ملانة جشع. بدأ الشيخ الكلام وقال: * “يا مجدي، إنت طردت مرتك وهي حامل، وما صرفتش عليها مليم، ولا حضرت ولادتك لابنك، ودلوقتي جاي بتقول إنهم هربوا منك، الكلام ده يرضي ربنا؟” مجدي قام وقف وقال بكل بجاحة: * “أنا ما طردتش حد! حماتي هي اللي جت واخدتها بحجة إنها تعبانة، ولما طلبت منها تبعد عن مشاكلنا، طنشتني. وبعدين أنا راجل على قد حالي، هما أخدوها يصرفوا عليها، هما حرين! أنا جاد أخد مراتي وابني، بس بشرط!” البيت كله سكت، وأبو بنتي بصله وقال: * “وشرطك إيه يا سي مجدي؟” رد وهو بينظر للشنط والفلوس: * “ترجع معايا دلوقتي، وما تدخلوش في حياتنا تاني، ولا حماتي تعتب بيتي إلا بإذني، والولد أنا مش دافع في مصاريف ولادته ولا أدوية الحمل القديمة جنيه واحد، هما يعتبروها هدية منهم لحفيدهم!” أحمد أخو بنتي ما قدرش يمسك نفسه، وقام وقف قصاده وشده من ياقته: * “إنت جاي تتشرط كمان؟ جاي بعد ما رميت لحمك وبعت ابنك عشان شوية مصاريف جاي تمثل دور الراجل؟” الناس قامت تفض الاشتباك بالعافية، والصوت يعلى، وهنا طلعت بنتي من الأوضة، شايلة يوسف بين إيديها، وشها كان باين عليه الحزن بس عينيها فيها قوة غريبة ما شوفتهاش فيها من تسع شهور. وقفت في نص الصالة، وبصت لمجدي في عينه وقالت بصوت ثابت هز القعدة كلها: * “إنت مش جاي تاخدني يا مجدي.. إنت جاي عشان خايف من كلام الناس، وخايف أرفع عليك قضايا بالنفقة والقايمة. أنا صبرت عليك تسع شهور، استحملت إهانتك لأمي، واستحملت طمعك في اللقمة اللي كانت تجيلي من بيت أبويا، واستحملت إنك تاخد زياتي وتديه لأمك وتسبني جعانة.. كل ده عشان كنت بقول بيت ويتعمر. لكن لما توصل إنك تبيع ابنك وتتخلى عني وأنا بين الحياة والموت عشان كام ألف جنيه مصاريف مستشفى، يبقى إنت ما تلزمنيش!” مجدي اتفاجأ من كلامها ووشه اتغير: * “إنتي بتبقفي قدامي وبتقولي الكلام ده؟ طب قسماً بالله لو ما رجعتي معايا النهارده لا هتشوفي قرش ولا هتشوفي ورقة طلاق، وهسيبك معلقة كده!” أبو بنتي وقف، ومسك عكازه، وداس بيه على الأرض وقال: * “بنتا مش معلقة، بنتنا عندها رجالة يوزنوا بلاد. والمال اللي بتتكلم عنه ده، جزمة ابنها برقبتك وبفلوسك. القعدة دي خلصت، وما بيننا وبينك غير المحاكم والشرع يا ابن الأصول!” خرج مجدي وإخواته وهما بيزعقوا ويتوعدوا، ونزل لأمه اللي كانت مستنياه تحت، ودوروا العربية ومشيوا. ومن تاني يوم، بدأت الحكاية تاخد طريق تاني خالص.. طريق المحاكم والقواضي، ومجدي وأمه بدأوا يلعبوا ألعاب أوسخ عشان يهربوا من حقوق بنتي والولد! “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”